مواضيع للحوار

أداء المرأة في المسرح العربي  ملتقى  مسارح عربية في جامعة بوردو مونتين الفرنسية

أداء المرأة في المسرح العربي ملتقى مسارح عربية في جامعة بوردو مونتين الفرنسية

26 مشاهدة

أداء المرأة في المسرح العربي  ملتقى  مسارح عربية في جامعة بوردو مونتين الفرنسية

د. محمد سيف - مسرحي وباحث عراقي مقيم في باريس

مجلة الفنون المسرحية

اختتم مؤخرا في جامعة بوردو مونتين الفرنسية، ملتقى "مسارح عربية"، الفكري والفني الثاني الذي انعقد حول موضوع فنون الأداء العربي النسوي، بعرض للفنانة المصرية "نورا أمين"، بعنوان ( البعث)، وهو طقس مسرحي كوريغرافي امتزج فيه الأداء التعبيري الراقص والأداء المسرحي بالمتفرج الذي جعلت منه المخرجة والمؤلفة "نورا أمين" مشاركا فعالا.

استمرت أعمال المؤتمر ثلاثة أيام، شهد مشاركة حوالي 15 باحثا هم بولين دنزو، وأليكسندر بن مراد (فرنسا) صقر منتجب (سوريا)، محمد سيف ووسام مهدي (العراق)، زهرة مكاش، حسن يوسفي، جواد رضواني، وعبد المجيد ازيون (المغرب)، أمل مافا، جليلة ديشاش، أحمد شنيقه، وحسن التيلاني (الجزائر)، أولفا بوسعيد، ومروان بن مراد (تونس)، ومازن الغرباوي (مصر). هذا إضافة إلى الدائرة المستديرة التي ساهمت فيها عدة فنانات مثل سيدة المسرح التونسي "جليلة بكار"، المخرجة أسماء هوري والفنانة لبنى ادنون من المغرب، الفنانة والكاتبة المصرية نورا أمين، والسينوغراف والمعمارية السورية/ الفلسطينية "بيسان الشريف"، وتحدثن خلالها عن تجاربهن، والصعوبات التي واجهتهن في عملهن وكيفية التغلب عليها، ثم جرى نقاش مباشر مع الجمهور.

ألقى المؤتمر الفكري الضوء على حضور المرأة في المسرح العربي منذ البدايات حتى وقتنا الحاضر، لا سيما ان حضور المرأة، سواء في المسرح الغربي والعربي، قد شكل واحدا من أكثر المواضيع تداولا والتباسا في معالجته. وإذا كان هوس رجال المسرح بهذا الموضوع اليوم يكاد يكون قويا جدا، فذلك يعود، في رأينا، إلى شعورهم تجاه المرأة، زمنا طويلا، بنوع من الارتباك إن صح التعبير. فبقدر ما كانت المرأة ملهمة للعديد من المؤلفين، وبطلة لأعمالهم المسرحية، فإنها كانت محرومة، مدة طويلة، من اعتلاء خشبة المسرح، والتعبير عن نفسها علنا.

ومن المحزن حقا أن هذا الأمر ينطبق على جميع المسارح في المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء، وكأن هناك اتفاقا غير معلن بين هذه المجتمعات على وئد المرأة مسرحيا واجتماعيا وسياسيا، وحرماناها من ممارسة حريتها، رغم إقرارها ضمنيا في جميع ثوراتها وقوانينه بمساواتها مع الرجل.

تضمن برنامج المؤتمر، الذي استمر يومين، ندوات وبحوثا علمية حول أداء المرأة في المسرح العربي، و جرت مناقشتها من قبل الباحثين والطلبة الذين كان لهم حضور متميز اضفى على مناخ أعمال المؤتمر طابعا علميا جادا.

ابتدأ برنامج المؤتمر بمحاضرة للفنانة "جليلة بكار" تحدثت فيها عن تجربتها المسرحية والحياتية منذ التحاقها بفرقة مسرح الجنوب بمدينة قفصة التونسية سنة 1973، وتحول حلمها الفردي بالمسرح إلى حلم جماعي، من خلال ارتباطها فنيا وحياتيا بمجوعة من الفنانين مثل: "الفاضل الجعايبي"، محمد رجاء فرحات، والحبيب المسروقي، ومساهمتها في تأسيس فرقة المسرح الجديد سنة 1976، وشركة فاميليا للإنتاج مع شريكها حياتها المخرج "الفاضل الجعايبي"، التي قدم من خلالها أعمال مسرحية نحتت تاريخا جديدا للحركة المسرحية التونسية، العربية، والعالمية، منها "غسالة النوادر"، "العرس"، "عرب"، "فاميليا"، "عشاق المقهى المهجور"، و"سهرة خاصة". وتطرقت "بكار" إلى عملها ممثلة عضوية وكاتبة أنتجت مجموعة من النصوص المسرحية، مثل مونودراما "البحث عن عايدة"، التي تناولت فيها القضية الفلسطينية من وجهة نظر فتاة تونسية، اعتمدت فيها على الشهادات، الذاكرة، الواقع والتاريخ، ومساهمتها كدراماتورج في العديد من العروض المسرحية مثل "جنون"، "عرب برلين"، "خمسون"، "يحيى يعيش"، "خوف"، و"عنف".

تلت محاضرة "جلية بكار" محاضرة "لنورا أمين"، حول الجسد في المسرح العربي، ثم محاضرة "جليلة ديشاش"، المسؤولة عن مشاريع العروض المسرحية الحية في باريس.

وبالتوازي مع أعمال اليوم الأول للمؤتمر الفكري، أدارت "أسماء هوري" الممثلة والكوريغراف "سليمة مومني" ورشة تأطيريه لطلبة قسم المسرح في جامعة بوردو مونتين، تمحورت حول كيفية التعامل مع الجسد في المسرح، والتمثيل بطريقة جماعية (تقنية الجوقة). وفي هذا الإطار جرى تناول موضوع مسرحية "خريف" كنموذج للاشتغال، حيث تم التركيز على ثيمة "الجسد المريض" داخل المجموعة أو في مجتمع ما على نحو أشمل. الموضوع تم مناقشته جماعيا، كما التعبير عنه جسديا عبر الاشتغال مع الطلبة، ومن ثم الوصول إلى تقديم مجموعة من الحركات التي كانت نتاج تفاعل كل مشارك في الورشة بمخيلته وحساسيته الخاصة تجاه هذا الموضوع. وقد تجاوب المشاركون كثيرا مع طريقة الاشتغال، وعبروا عن رغبتهم في المزيد عن طريق خلق إمكانية ورشة مسرح مستقبلية تمتد إلى فترة زمنية طويلة.

من الصعب رصد جميع الانطباعات التي خلفها هذا المؤتمر الفكري، لهذا سيكون علينا أن نسمح لتدفق الوقت قليلا، فسوف تتبخر فيه العواطف تاركة المجال للتحليل "العلمي"، لا سيما أن كتابا سيصدر، متضمنا كل المداخلات التي القيت في هذا المؤتمر. وقد تم تقديم كتاب "الدراماتورجية العربية والغرب"، الذي كان موضوع المؤتمر السابق، في العدد 12 من مجلة Horizons/ Théâtre (آفاق)، التي يشرف على تحريرها وإصدارها الباحث الدكتور "عمر فرتات". ولا يزال هناك الكثير مما يمكن قوله عن هذا الموضوع الحساس، فإضافة إلى النقاشات والأبحاث العلمية كانت ثمة لقاءات عديدة بين الباحثين والفنانين والطلاب الأوروبيين والعرب تمخضت عن مشاريع مسرحية مهمة.