مواضيع للحوار

أنا فاسبندر مسرحية تقاوم الحيف بوسائل الفن

أنا فاسبندر مسرحية تقاوم الحيف بوسائل الفن

58 مشاهدة

أنا فاسبندر مسرحية تقاوم الحيف بوسائل الفن

مجلة الفنون المسرحية

المصدر : جريدة العرب

ابو بكر العيادي

مسرحية "أنا فاسبندر" تضع كل فرد أمام ضميره، ليحاسب نفسه عن موقفه من القضايا التي تثار على مدار اليوم، ولاسيما قضية إقامة الحواجز في وجه الهاربين من الموت.

“أنا فاسبندر” مسرحية تستفيد من سيرة السينمائي الألماني الشهير رينر فيرنر فاسبندر لتشريح المجتمع الغربي، وتعتمد المراوحة الموصولة بين ألمانيا السبعينات، وأوروبا في الوقت الراهن، وتطرح السؤال: ماذا تبقى ممّا يحق لنا قوله في المسرح؟

تنطلق مسرحية “أنا فاسبندر” التي تعرض حاليا على خشبة مسرح رون بوان بباريس من فيلم “ألمانيا في الخريف” الذي جمع عدة أفلام قصيرة أنتجها المخرج الألماني رينر فيرنر فاسبندر (1945-1982) عام 1977، وفيها يحاور أمّه التي كانت تتمنى أن يصل إلى سدة الحكم في ألمانيا “فوهرر طيب ولطيف وعادل”، في ظرف شهدت فيه ألمانيا أعمالا إرهابية قامت بها جماعة الجيش الأحمر، التي عرفت بجماعة بادر ماينهوف، وهي أعمال شبيهة بما شهدته فرنسا في الأعوام الأخيرة.

وقد سعى ستانيسلاس نوردي وفالك ريختر من خلالها إلى إدانة صعود النزعات القومية في قارة أوروبية تزداد انقساما يوما بعد يوم، وما رافقها من تزايد التفاوت الاجتماعي، والعنف المسلط على النساء، والانطواء على الذات، وغياب المحبة في ظل الخوف الذي يسيطر على العلاقة بالآخرين، الفارين من جحيم الحروب.

في فضاء مكتظ إلى حدّ الاختناق، هو شقة ومكان تصوير في الوقت ذاته، حيث تتكدّس الصور والشاشات وقطع الأثاث في فوضى، يتابع المتفرج توالي الحقب من سبعينات القرن الماضي إلى الهاربين من جحيم داعش، ويشهد عرضا أقرب إلى الكولاج، حيث الرقص والغناء ومشاهد الأفلام والحوارات، بحثا عن فاسبندر، ذلك الفنان الذي أفنى عمره القصير (سبعة وثلاثين عاما) في تلمس سبل جديدة سواء في المسرح أو السينما، وهو مسكون بشكوك ومخاوف لم تصمد أمامها حساسيته المرهفة.

تلك المخاوف ينزلها المخرجان الفرنسي ستانيسلاس نوردي والألماني فالك ريختر في الراهن الأوروبي عند اندلاع ما عرف بأزمة المهاجرين، فنرى فاسبندر يسأل أمه التي ترفض قدوم المهاجرين “لا يمكن أن تقصيهم هكذا، إلى أين يفترض أن يذهبوا؟”، فتجيبه “يعودون من حيث جاؤوا”، فيردف “هناك، ثمة حرب”.

وتلتقي الأم هنا مع بياتريس فون ستورش حفيدة وزير المالية أيام الحكم النازي، التي تطالب بإطلاق النار على اللاجئين، حتى النساء والأطفال، لمنعهم من اجتياز الحدود، ما يثير غضب فاسبندر، وكلّ من معه، ضد العنف بشتى أنواعه، وضد العنصرية وعدم التسامح والفاشية والذكورية، وضد كل مظاهر القبح في العالم.

وقد ساهم الديكور والأزياء وتقنية الفيديو والرقص والأغاني في إضفاء نوع من البهجة على هذا العرض الهاذي في ظاهره، والطافح في جوهره بحقائق مرعبة يعرفها المتفرجون من خلال وسائل الإعلام وتصريحات زعماء اليمين الشعبوي في شتى الأقطار الأوروبية، ولكنهم لا يعون جرائرها تمام الوعي.

والمسرحية تضع كل فرد أمام ضميره، ليحاسب نفسه عن موقفه من القضايا التي تثار على مدار اليوم، ولاسيما قضية إقامة الحواجز في وجه الهاربين من الموت، في إنكار صارخ لقيم الأنوار، فالأحداث تجري بلا انقطاع، ولكن لا شيء تغيّر.

وقد نشأت فكرة المسرحية، التي تم تأليفها بشكل جماعي، عقب أحداث شارلي هبدو، وما تلاها من تصريحات معادية للأجانب، لمجرد أن فئة ضالة من أصول عربية ارتكبت جرائم ضد صحافيين، وكانت ردود الأفعال شبيهة بما عاشته ألمانيا في أواخر السبعينات، تلك الفترة التي عالجها فاسبندر في أفلامه ومسرحياته، وأدان ما صدر آنذاك من قوانين خانقة للحريات، مثلما أدان موت بعض الموقوفين في السجن، نتيجة التعذيب، أو التقصير في العناية بهم.

اختار المؤلفون إذن كتابة نص يستعرض الراهن الأوروبي المكبل بالتهديد الإرهابي، والخوف، وصعود الكراهية، والشعبوية، ويتبنى أبطاله الطريقة التي كان يفكر بها فاسبندر وينتقد الإملاءات المعيارية، ويطالب بحقه في حرية القول والفعل، حرية أن “يدمر بأدوات الفن انحراف السياسة، وزيغ المجتمع” .

الديكور والأزياء والفيديو والأغاني ساهمت في إضفاء البهجة على عرض هاذٍ في ظاهره، لكنه طافح في جوهره بحقائق مرعبة وقد سعوا إلى ترهين عمل فاسبندر، ما سمح بإيجاد تماثل واضح بين حقبتين، وتحليل أنماط عمل المجتمعات الأوروبية المعاصرة، فالمسرحية ذات محمل سياسي، ولكن اعتمادها المباعدة ينأى بها عن الخطاب المباشر، ويبرز نقدا ذاتيا في المقام الأول.

والخلاصة أن فاسبندر كان يصوّر نفسه وهو يتخاصم مع أمه حين تخلت عن مُثلها الثقافية العليا خوفا من الإرهاب الذي ضرب ألمانيا عام 1977، بينما قام فالك ريختر برسم صورة دميمة عن أوروبا وقد باتت في تناقض تام مع قيمها للأسباب نفسها.

ولتحقيق ذلك، استغل المخرجان مادة فاسبندر في شتى الأشكال الممكنة، وتساءلا عن مسار الخلق التي عاشها، ليعيدا إنتاجها، حيث نابت الشاشات في الركح عن الممثلين، الذين تحولوا إلى ناسخين ومصوّرين، ليستعيدا رغبته في “تدمير الظلم والحيف بوسائل الفن”، ذلك أن أعمال فاسبندر كانت كلها تنزع إلى إعلاء القيم الكونية والدفاع عن إنسانية الإنسان حيثما كان.