خواطر

إلى روح الغالي الإنسان    شـــرح البال عبد الهــادي

إلى روح الغالي الإنسان شـــرح البال عبد الهــادي

81 مشاهدة

إلى روح الغالي الإنسان    شـــرح البال عبد الهــادي

 

بـــقــلـم : عــبـاســيــة مــدونــي – سـيــدي بـلـعـبـاس - الــجــزائـــر

 

   حينما بلغني خبر مغادرتك هذا الوجود ....أحسست برعشة برد وبحمّى عالية في الآن ذاته .... حتى وأنا أريد أن أبكيك قد كابرت وتذكرت أول لقاءاتنا الإنسانية وأنت تقول لي :   يا عباسية ...يا مجنونة أنت ....جنونك بحجم رزانتك وعقلانيتك ... وأنا حينها ابتسمت بخجل .... ما شفع لي حقا أني عرفت أنك ودّعت هذا العالم وأنت شامخ ، باسق ومبتسم رغم كل الفجع والجراح والآهات ....ما أحزنني جدااا في الآن ذاته أن آخر تواصل بيننا كان صوتك متعبا وبه ألف غصة لكنك حاولت جاهدا أن تخفي عني ذلك وتقول بثقة متناهية :

لا تقلقي يا عباسية ...لا تقلقي راح صير بخير .... وفي عزّ آهك ما نسيت السؤال عن والدتي وتمنيت لها الشفاء .... أيّ إنسان أنت يا شرح ...؟

حين هاتفني صديقي " زواوي" وهو يخبرني لم أصدّقه ، ومن شدّة الصدمة قلت له :         أنت تمازحني يا زواوي ....الله أكبــر ....وفي تلك اللحظات خفق قلبي الصغير على غير العادة وأقفلت الخطّ ....

   يومها بكيتك بحرقة كما بكت السماء وهي تمطر على غير العادة ...لقد بكيتك  حتى السماء ببلدي الجزائر وبمدينتي سيدي بلعباس التي وعدت بزيارتها أيا شرح البال ....وفي عزّ حرقتي انهال عليّ شريط الذكريات ...شريط أحلامك الفنية ...شريط ثباتك وشهامتك وعزة نفسك ....شريط كرمك وشريط ألمك الذي تداريه بضحكة حنونة لكن عيونك دوما كانت فاضحة ....تذكرت شرح البال الذي جمعني به المسرح وعشقه للركح ...شرح البال المبدع الذي دارى وأخفى عذاباته وألم عمره برؤاه الفنية الصارخة ....

    ليلتها فتشت بكل صوري التي أحتفظ بها للذكرى ...شاهدت صورك مبتسما ومتأملا ...شاهدت صورك وأنت تحاول إخفاء خجلك ...تمعّنت بالصور بشكل مغاير تماما بكل محطة جمعتنا بها الحياة  وبكيت في صمت حارق ....بكيت بحرقة لأني تمنّيت لو رأيتك لآخر مرة ...وذاك كان أملك ومناك وأنت تردد علي في كل تواصل بيننا  : سنلتقي يا عباسية ....وسنطلق العنان لجنون الخشبة ...سننتشي بنصّك الدرامي وسنتغلغل في لبّه ونعانق التمرّد فيه ...أتمنى أن نلتقي ببقعة ما وننجز العمل ...وأنت تؤكد لي : نصّك سيكون عباسية التي أعرفها ...نصك سألوي عنقه ...   ادعي لي بالصحة فقط وسنلتقي وننطلق ...يا مجنونة لا تعرفين مقدار مساحتك  عندي ...آآآآه يا شرح البال كم الذكريات موجعة...وكم الأبجدية مؤلمة وحارقة ههنا...

   كانت ليبيا نبضك وكان المسرح حبيبك ....كنت شهما ونبيلا وكان عشق الركح عفيفا بعالمك ...على قلّة لقاءاتنا كنت قد علّمتني أن أظلّني كما أنا بوجهي        الحقيقي ....وألا أهاب سوى خالقي ...وأن عنادي هو ميزتي وأني غير عاديّة      ولابدّ ألاّ أتنازل عن مبادئي ...

   دوما استحضرت معك كل ذكرياتنا الشاهقة ، دوما كانت دردشتنا عن المسرح وعن جنون المسرح ...عن شغف الركح وعن جنونك كمبدع ...وما زلت أذكر جيدا إحدى حواراتنا وما خلا يوما خطابك من تحياتي يا مجنونة ...ويوما كتبت لي : إسألي معابد الأقصر ...أو نيل القاهرة ...إسألي شوارعها ...إسألي نخيل دوز ....إسألي رمالها ....إسألي ذلك المقهى العتيق ....إسألي قباب وادي سوف ....  وأخيرا إسألي ليالي الشتاء الطويلة ...كم مرّة دثّرتنا بحلم ...

  مع كل عشقك للمسرح وتفانيك فيه ، كنت دوما تأخذ الحياة على عفويّة وبابتسامة ساخرة ....وأن الموت ليس دوما دراميــّا ...

   يا لخسارة من عرفوك ، فأحبوك واحترموك ...يا لخسارة شهقة المسرح ...

        يا لأنين الذكريات وفجع الوصل وهو يخطف أنقى ما عرفت ...


   لروحك الطمأنينة والسلام ...لروحك أجمل وأصدق الدعاء يا غالي ...              

          فهل حقّا غادرتنا ...؟  هل فعلا رحلت يا شرح ؟؟؟؟