مواضيع للحوار

الجدار الخامس من إنتاج المسرح الجهوي سيدي بلعباس

الجدار الخامس من إنتاج المسرح الجهوي سيدي بلعباس

465 مشاهدة

الجدار الخامس من إنتاج المسرح الجهوي سيدي بلعباس

حينما يعلو الصراع في الفن الرابع

#بـقـلـم  _عـبـاسـيـة _مـدونـي _الــجـزائــر  

 رفع الستار اليوم عن العرض العام الموسوم بــ" الجدار الخامس" من إنتاج المسرح الجهوي سيدي بلعباس ، نص " علي تامرت" وإخراج     " عز الدين عبار" ، دراماتورج " يوسف ميلة " ،مساعد مخرج " مربوح عبد الإله " وسينوغرافيا " مراد بوشهير" ، في حين أسندت أدوار العرض لكل من " أمينة تواتي" ، " نوال بن عيسى" ،" مايا إيمان لعيمش" ،" نوال عواق" ، " نصيرة صحبي" و" شهرة بن بكريتي" .

 العرض لامس عديد القضايا المتناثرة ، وكثيرا من الإسقاطات ذات الصلة الوطيدة بواقع الفن والفنان بشكل عام ، فقد كشف لنا العرض منذ البداية عن مساره منتقلا من مشهد إلى آخر محاولا التعبير والمساس بالحالة العامة المتمثلة في العلاقة المطردة بين مجموعة من السيدات ، هنّ في الأساس ممثلات مهتمات بالمسرح ، همّهن معانقة النجومية وفق صراع نمطيّ يتمّ فيه الانتصار للغة النضال ولموقف بطوليّ تتشدّق به    " نوال بن عيسى" في دور رشيدة محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، من خلال إجتهادها الفني وإيمانها العميق بأهميّة الفن المسرحي وما يحمله من قضايا إنسانية ونضالية نبيلة ، من شأنها أن تنتصر للحرية ، للجمال وللحب ، ففي نضالها وفاء للرعيل الأول من فنانينا ، وفاء للقضايا الأم ووفاء لمواقف ثابتة ما تزال تنهكها لكنّها أعلنت المضيّ قدما في سبيل تحقيقها وتجسيدها فنيّا ، مستحضرة عطاءات السلف ممّن سبقونا وما آلت إليه الأمور في الآني والراهن ، من عدم مفهومية وقلة احترافية ومحسوبية على حساب الفن الذي أضحى عفنا ، وتأتي بعد ذلك  المواقف متداخلة ما بين " مايا إيمان لعميش" في دور " نادية " و" نوال عواق " في دور " حنان" ، فكلتاهما تتصارعان على النجومية والظفر بالأدوار الأساسية في الأعمال الفنية ، بناء على اعتقاداتهما الفارغة أن النجومية لن يأفل نجمها ، فالنجومية لا تأتي من العدم بل هي نتاج بحث دائم واجتهاد مستديم وعطاء منقطع النظير وإيمان عميق بنبل الفضايا التي نناضل لأجلها وفي سبيلها ، ففي اعتقاد كل من " نادية " و" حنان" أن النجومية مسار دائم ، جاهلتان كمّ الصراعات التي لابدّ أن يتحملّها الفنان ليعانق ربعها ، وفي ذلك تمّ تعرية الكثير من الحقائق المؤلمة بشكل هزليّ أحالنا إلى أكثر من استفهام وجعلنا نتوقف برهة لنقول كمتلقين " أي نعم النجومية ليست في متناول الجميع ، وإنّما نظفر بها بشرف ونضال حيّ دونما التنازل عن المبادىء فطريق الفن محفوف بكثير من المطبّات وكثير من مصاصي الجهد ومستنزفي الإبداع" ، في حين " أمينة تواتي" في دورها " بايـة " هته الشخصية المركّبة والمتناقضة والتي تجمع بين أكثر من اتّجاه ، مرتدية لباس التقوى والورع ، مرسّخة لأسلوب المراوغة وخلط الأوراق في المجموعة وبين الأفراد ، ما تزال متقوقعة في خانة " المرحوم " وشعاراته التي شبّت عليها ، شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع نظير ما نعايشه من تطوّر ، متغافلة عن نقطة هامّة أن الجيل الواعد والصاعد جيل تحديّات وجيل إبداع وجيل عطاء وآن له أن بناضل بشراسة ليثبت وجوده وأحقيته في كل شئ وأن جيلا مضى لا طائل منه في ظلّ الوعي الآني والنباهة المفرطة  ، لتكون المنظفة " شهرة بن بكريتي " في دور  " زوليخة " الشخصية المنطلقة وغير المعترف بها ، لكنها الملمّة بالأسرار، الجريئة في طرح رؤاها ونقدها اللاذع بأسلوب تهكميّ وساخر يحمل الكثير من الوجع والآه ،" زوليخة" الشخصية الاجتماعية والعفوية والتي تنظر إليها سيدات المسرح نظرة دونية ، متجاهلات تماما مقدرتها على العطاء ، هي المكتنزة بالضحك والمثخنة بالفجع في ذات الوقت ، معريّة من خلال شخصيتها الكثير من المواقف ، مستعرضة فجع أمّ فقدت أبنائها في رحلة إنتحارية على البحر للظفر بعيش كريم بمنأى عن الحقرة والجبروت ، لتأتي " صحبي نصيرة " في دور المخرجة " وحيدة"  في محاولة تعريتها المستور ، وفرض أسلوبها وطريقة عملها ورؤيتها الإخراجية بأسلوب من التسلّط والجبروت ، قامعة إبداع كل شخصية ، متحكمة في مصيرها ، ساعية إلى قلب موازين الإبداع المسرحي ، لتكون وحيدة في نظريتها ، وحيدة في رؤيتها للإبداع ، وحيدة في أزمتها النفسية تّجاه الآخر ( الرجل) ، وحيدة حتى في تصنّعها القوة ، ووحيدة في محاولتها فرض سيطرتها التي تقودها إلى الوحدة والجنون ، هي التي سعت إلى التغيير وإلى رفع لفيف من القضايا فنيّا ، متجاهلة قدرة كل ممثلة من المجموعة على الإبداع والابتكار ، ففي نصها " ليلى والذئب" جميعهن تحولن إلى " ليلات" متناسيات الذئب المفترس الذي ما يزال يغرس مخالبه ويخدش كل أمل داخلهنّ  .

    الشخصيات الستّ من الممثلات ،  قدّمن واقع الفن وتحديدا المسرح وبأسلوب مزج ما بين الكوميديا والتراجيديا ليعرّي المستور ، في حقل إسناد الأدوار ، والأدوار الأساسية وما يعتري هذا الحقل من محسوبية وعقليات " أنا مبدع وأنا فنان " ، تيمة العرض تلكم في الأساس التي جمعت تحت جناحيها الكثير من التأويلات والإسقاطات في بعدها   النفسي ، الاجتماعي ، الاقتصادي والسياسي ، بالفن قد ننضج وبه قد نخيب ، معادلة صعبة أمام أرقام مستحيلة وضغط ملموس ، منتقلين من أسلوب ساخر إلى آخر لاذع بكثير التشويش ومحاولة التأثير .

" الجدار الخامس" لامسنا فيه عدم قوّة نصّ دراميّ ، وما قدّمه الدراماتورج أتى بمثابة جماليات حتى تعمل على تنسيقية النص بالرغم من قوة بعض الحوارات ، مع الوقوف عند أداء الممثلات اللائي لم يكنّ بالقوّة التي عوّدنا عليها مسرح سيدي بلعباس ، حيث كان بالإمكان العمل أكثر على إدارة الممثل والتحكّم في نوتات الصمت التي هي في الأساس لغة درامية ذات تأثير ، ناهيك عن ملامسة جهد بعض الممثلات في محاولتهنّ الرفع من ريتم العرض الذي أتى متقطّعا على فترات بين قوّة ريتم وعدمها ، وقد نرجع سبب ذلك إلى الجوّ الخاص بالعرض الأولي والتوتّر الذي قد يتمكّن من بعض الممثلين ، ناهيك عن سينوغرافيا العمل المسرحي التي لم تكن مستغلّة أيّما استغلال من حيث الفضاء المسرحي أين كان بالإمكان وجود عدّة إمكانيات لاستغلالها .

وما ميّز عرض " الجدار الخامس" الإضاءة التي جاءت متناسقة مع بعض المشاهد ، مساعدة على أداء الممثلات مانحة إياهنّ مساحة معتبرة من الأداء لإنتاج المعنى وتوصيل غاية المعنى ، كعناصر فاعلة ضمن بقع الضوء من دوائر ومستطيلات التي رافقت كل مشهد وأداء .

كما تنوّعت الأزياء في العمل المسرحي ، وهذا وفق نمط وتوجّه كل شخصية عاطفيا وفكريا وروحيا ، وتطعيما لمغزى العرض ، مع ديكور وظيفي تمّ الاستفادة منه إلى حدّ ما .

   وباعتبار الموسيقى ذات حسّ وإبداع وتعبير مباشر عن حالات معينة وذات علاقة بالأفعال وأداء الممثل على الركح ، فقد جاءت الموسيقى   لــ " محمودي عبد الغاني " معبّرة عن تلكم الأحاسيس ، مرافقة أداء الممثلات في إبراز ردود أفعالهن وكشف أدائهن حسيا وفي الحفاظ على خطّ سير العرض المسرحي وفق مشاهده .

وعليه ، مسرحية  " الجدار الخامس" في عرضها الأولي ، تبقى منفتحة على كثير من التأويلات والإسقاطات المحكومة بالصراع ، صراع الحريات ، صراع الفن وصراع الأولويات ، لننتصر أو لا بد أن ننتصر في الأخير لما نؤمن به من ثوابت ومبادئ وحريات ، أن ننتصر لما نملك من قدرات وبذل وعطاء ، لنمتّع ذواتنا وقريحتنا حتى ينعكس ذلك إيجابا على الآخر .