مواضيع للحوار

الجلسة   و تشابك   المسكون  والتشظى

الجلسة و تشابك المسكون والتشظى

13 مشاهدة

الجلسة   و تشابك   المسكون  والتشظى

مجلة مسرحنا العدد 545 صدر بتاريخ 1فبراير2018

محمود سعيد

مثلت مسرحية “الجلسة” مصر في مهرجان المسرح العربي التابع للهيئة العربية للمسرح في دورته العاشرة بدولة تونس. والعرض من تأليف وإخراج مناضل عنتر وهو من إنتاج مسرح الطليعة .. وكان العرض في مسرح (ابن رشيق).

في بساطة شديدة تحاول المسرحية تقديم صورة لـ”جلسة” لاستخراج وطرد جن من جسد فتاة.. ولعب العرض المسرحي على هذه الفكرة، بشتى المفردات المسرحية المتاحة خاصة الفضاء السينوغرافي الذي نجح إلى حد ما في رسم صورة مسرحية معبرة عن الفكرة، لكن (ليس كل ما يتمناه المرء يدركه).. بمعنى أن العرض لعب على الشكل المباشر، أو هو لعب على المباشر في كل شيء الشكل والمضمون، دون الغوص في أصول اللعبة المسرحية لما يسمى بالمسرح المسكون.

خاصة أن هناك دراسة شديدة الأهمية للأمريكي (مارفن كارلسون) بعنوان “المسرح المسكون” وهي من ترجمة جمال عبد المقصود بالمركز القومي للترجمة، ولو عاد إليها المؤلف والمخرج (مناضل عنتر) لصنع لنا عرضًا مسرحيًا مميزًا يقف على منصات التتويج بقوة وفخر.. لكن هذا لم يحدث.

وعلى حد تقسيم (مارفن كارلسون) هناك نص مسكون، وجسد مسكون، وعرض مسكون .. إذا لا بد من تحقيق السكون على مستوى النص والجسد والعرض، لا بد لها أن يتجلى فيها السكون بشكل واضح حتى الجسد المؤدي لا بد من تشبعه بحالة الجسد المسكون، وليس مجرد تشنجات وبحة في الصوت واللعب بالأقنعة والأدوات لإثبات حضور العالم الآخر، إلا أنه حضور ناقص أشبه بالغياب.

فالعرض لعب بشكل مستفز على علاقة الإنسان بالجن كعلاقة أبدية إلا أن العرض اختزل العلاقة في العداوة المفترضة القديمة المتجددة بين العالمين، والبحث عن أحقية كل منهم بالبقاء والحكم بل والسيادة على الآخر.

ليقع العرض في سقطة مميزة وهي الخلط بين (الجن والشيطان)... فالشيطان يمثل كل عاد متمرد من الإنس والجن والدواب، والعرب تسمي الحية شيطانًا، وفي اللغة العربية نجد أن إبليس هو مرادف الشيطان .. على عكس الشيطان في اللغة الإنجليزية له أكثر من مفردة مثل:

(Devil – The evil one - Fiend – Demon – Gohlin – Imp – Satan - Sipiyit) أي أن المعاني والمرادفات متنوعة .. إلا أن سقطة العرض كما أسلفنا هي في الخلط بين (الجن والشيطان) في بوتقة واحدة.

حتى كل من (الشيخ والقس) أصبحا بمثابة شخص واحد انشطر لشخصين في تسطيح لدورهم، وعدم الفهم الواعي للضرورة الدرامية والبعد الفلسفي الواضح لكل من الشخصيتين، خلق منهم مشهدًا أشبه بالدرس الديني التعليمي الجامد الخالي من التلون الدرامي المرجو.

ولأن المخرج يحاول أن يترجم ما كتب، ولأن ما كتب أصلاً غير كامل من خلال نص مسرحي لا علاقة له بالمسرح المسكون أصلاً.

نجد المخرج يوظف (نجمة داود) في أشد لحظات الصراع كدلالة تهويد الشيطان، وبالمناسبة اليهودية أو بعض فرقها لا تأتي للشيطان بذكر، وبذلك يوظف العرض الشيطان في غير موضعه بل هو أصلاً من المفترض أن لا وجود له في العرض أو الصراع.

وعلى نفس الوتيرة من المغالطات والخلط سار العرض، ولم يحتوِ العرض على شيء ذي قيمة إلا الصورة المشهدية والإطار السينوغرافي الجميل حيث الديكور والإضاءة والموسيقى التي حفظت ماء الوجه للعرض.. لكنها أيضا لم تخلق منه عرضًا مسكونًا.. فلو عاد المخرج المؤلف لكتابات إبسن الشبحية التي تمثل فيها صور الموتى الذين يواصلون ممارسة نفوذهم على الأحياء، أو صور الماضي الذي يعاود الظهور بطريقة غير متوقعة، بشكل خارق للطبيعة في وسط الحاضر ليخلق لنا نصًا مسكونًا وعرضًا مسكونًا.

بدلاً من أن يتأرجح العمل كله بين المسرح المسكون الراقي والسكون المسرحي السطحي.

مسرحية “تشابك” وتشظي النفس

وقدمت السعودية العرض المسرحي “تشابك” تأليف الكاتب السعودي (فهد ردة الحارثي) ومن إخراج أحمد الأحمري.. وتمثيل سامي الزهراني وعبد الرحمن المزيعل .. وتم عرضها بقاعة مسرح الفن الرابع بتونس.

يقول المؤلف في مقدمة النص المسرحي “تشابك”: “كان يجب أن يجتمعا هنا، لتصفية العالق بينهما، يزرع الخلاف جنونه في داخلي فأهتز، أحاول أن أحتويني أضمني أشعلني أدثرني لماذا نهاجم أنفسنا بهذا الشكل؟”.

ومن مجموعة الأسئلة المتنوعة ينطلق العرض المسرحي “تشابك” من خلال حالة من الانشطار الملموس والمستحب والطبيعية للإنسان عندما تختلج بداخله مجموعة من المشاعر المتنوعة، وتتردد الأسئلة بلا إجابات في إطار أن (النفس اللوامة) التي تعاني وتناقش وتجادل للوصول إلى قواسم مشتركة، ومن فكرة التقسيم هذه ينطلق المباراة المسرحية ما بين سامي الزهراني بخبراته المتراكمة وقدراته الواعية، وعبد الرحمن المزيعل صاحب الصوت الشجي والجسد المرن الشاب الصغير عمرًا، الكبير في قدراته ففي دائرة وهمية نسمع جملة غريبة وعجيبة (لم نرحل من يوم خرجنا... لم نخرج من يوم رحلنا).

ليعملوا على فعل التشكيك والتفكيك منذ أول كلمة .. وما بين الخروج والرحيل، الدخول الوهمي لأشياء كثيرة .. تبدو لعبة التشابك والانشطار، بل والتشظي في إطار فلسفي درامي مكثف لدرجة كبيرة عبر كتابة مسرحية سهلة، إلا أنها عميقة تحمل الكثير من الدلالات؛ إذ العنوان يفضي إلى العرض والعرض يفضي إلى العنوان في تشابك مثير بين كل مفردات اللعبة المسرحية .. من خلال صندوق خشبي قابل للتحول والانشطار هو الآخر؛ بمعنى أن الصندوق يتحول إلى أكثر من مفردة (سرير – سيارة – دولاب – مذياع – تلفزيون – بيت قبر – وهكذا)، في اختيار ذكي للمفردات السينوغرافية من خلال توظيفها بوعي عبر إضاءة مسرحية مرنة ممتعة موزعة بصنعة وجودة واضحة ما بين الأشياء والأفكار والشخوص .. إذ برز كل شيء في قالب متساوي الحقائب والحضور والكلام والأصوات في ظل صراع ثنائي بسيط وعميق في ذات الوقت، متخذًا من جو كوميدي خفيف مليء بدفء المصالحة والمصارحة مع النفس، حتى لو برزت أحيانا نبرة جلد الذات، التي استغلها المخرج بذكاء وقدم لنا فرجة مسرحية ممتعة من خلال (ديودراما) جمعت الثنائي (سامي الزهراني وعبد الرحمن المزيعل) وتشابكهما الدرامي في لعبة مسرحية وفرجوية شديدة الإتقان من خلال اللعب بالفضاء السينوغرافي كله، لتبدو السينوغرافيا وكأنها شخصًا ثالثًا على الخشبة من حسن استغلالها ليحدث نوعًا من التحضير الافتراضي لأكثر من شخصية وحدث وقضية وفكرة في نفس الوقت.

“تشابك” عرض مسرحي مميز حقق الإمتاع والإبداع ما بين مؤلف مسرحي متمكن من أدواته ومخرج مسرحي قدير تعاون مع نفس المؤلف لأكثر من ربع قرن من الزمان إلا أنه دومًا يقنعنا بأن خيانة النص هي الحل.