حوار مع مبدع

الحرب دافع نحو ملامسة البشاعة لاستكشاف الجمال حولنا

الحرب دافع نحو ملامسة البشاعة لاستكشاف الجمال حولنا

197 مشاهدة

الفنانة التشكيلية " #سلام برهوم " من #سوريا

دمشق تسكنني كما أسكنها ...الدهشة والشغف أساس الإبداع بطريقتي الخاصة

الحرب دافع نحو ملامسة البشاعة لاستكشاف الجمال حولنا

#بقلم _عباسية _مدوني-_سيدي _بلعباس_الجزائـر

     #الفن التشكيلي حالة استثنائية من الإبداع ، يعدّ كتلة من المشاعر والأحاسيس ، ترجمة فعلية للانفعالات وللدهشة ، للجمال وللإنسانية ، يفرد له الفنان التشكيلي مهما تنوّع أسلوبه لفيفا من المفردات على مستوى الشكل واللون والمساحة والكتلة ليمتزج كل هذا برؤية الفنان الإنسان وهو ينحت من أيقونات الجمال ما يريد أن يعكسه في لوحته الفنية التشكيلية من مواضيع وقضايا يراها بل يحرص أن تأتي منتصرة للقضايا الآنية والراهنة ، منتصرة للجمال بشتى صوره ، منتصرة لقضايا الإنسان وما يناضل لأجله .

  والفن التشكيلي وجه آخر من الفنون التي تأتي لتحسّن من سلوكيات الفرد والجماعات ، والعمل على حقن الأفكار السلبية وتعويضها جماليا وفنيا بلمسات شاهقة من الإبداع تذويبا للفوارق لنتصّل بالكون والحياة .

  وتعدّ الفنانة التشكيلية " سلام برهوم " من سوريا من بين الفنانات التشكيليات اللائي يؤمنّ بالجمال وينتصرن لقضايا الإنسان والوطن ، لها أسلوبها المتفرّد في تشكيل لوحاتها ، مستمدّة طريقتها في الرسم ممّا يكتنز دواخلها من سحر اللحظات وسحر المكان ، ومن التفاصيل التي تتقاطع ودروبها ، وأهمّ جرعة هي جمال دمشق ملهمتها التي تغرف من كل تفاصيلها ما تسعى لطرحه فنيّا من خلال لوحاتها .

  في سؤالنا عمّن تكون السيدة " سلام " ؟

  ردّت أن السيدة " سلام برهوم" نشأت وترعرعت في قرية جميلة تطلّ على البحر ، تلكم القرية التي تمتلك كل مقومات الجمال والسحر ، قرية " الفيحاء" التابعة لمحافظة طرطوس ، وكان اسم تلكم القرية قديما مزرعة الأفندي ، وما يميّز تلكم القرية جمالها وسحرها والذي هو عبارة على هضبتان تطلاّن على البحر الذي يلهم كل مبدع ، فذلكم الجمال والسحر الذي نشأت عليه ظلّ ساكنا بين جوانحها ، ومن تلكم القرية شدّت الرّحال إلى أقدم عاصمة في العالم " دمشق" أين درست في جامعتها تخصّص الفنون الجميلة ، ومن هناك ارتبط وريدها بسحر دمشق حيث أدهشتها الأماكن والتفاصيل والتي لا تزال تدهشها للحظة .

لقد اكتشفت إبداعك " سيدتي" غداة لقاء خاطف بدمشق ، وما شدّني المدينة والوطن الذي يسكنك ، فكيف تفسرين ذلك ؟

 صرّحت أن ّدمشق تسكنها كما هي تسكنها ، وتفاصيلها التي تخترقها إلى أعمق أعماقها ، دافع أساس يجعل من ريشتها تداعب وترسم نفسها ، أين يوجد بين يديّ المبدعة " سلام" جرعة كبيرة من الجمال اجتمعت في دمشق ، فكل الألق والفرح والحب والسلام تتفرّد به دمشق ، حيث لا مجال لتجاهل كل هذا ، فمن تسكنه وتستوطن داخله مدينة بحجم دمشق يظل أسيرها لينفتح من نوافذها وشبابيكها على الجمال وعلى الإبداع وعلى العطاء ، فالوطن خصوبة ، وبدمشق سرّ آسر يحملك على التناغم وعلى الجنون وعلى العفوية وعلى الجمال والتأنّق وعلى العشق .

كل مبدع له حالة استثنائية من الإلهام والإبداع ، فما هي الحالة التي تتماهين بها ومن خلالها ؟

أشارت إلى أنّها تعيش حالة استثنائية في كل وقت أين باتت ترى الجمال في كل مكان وبكل زاوية ، تستكشفه لتعيش المتعة ، فكل جمال لن يكشف عن تفاصيله إلا إذا ما بحث عنه الإنسان وانفتح روحيا وذهنيا وفق تسام روحيّ عال جدا ، ولعلّ الحرب كما قالت هي من جعلتهم يرون البشاعة فيها حتى نكتشف الجمال في كل شئ لنكتشفه ونستمتع به ، الجمال الذي لربّما لم نعره اهتماما في حينه وأوانه ، تأتي الأزمات والحروب لتعرّي كل ذلك وتفتح عقولنا وقلوبنا على كثير من الأسرار والمسلّمات ، ونزداد حرصا على أن نتمسّك به وألا نفقده أو نفقد بريقه ، فدمشق عروس عذراء وتحتاج فقط لعيون حالمة تقدّر الجمال لتحتفي به بألف أسلوب وطريقة ، فحسبها دمشق بلاد جميلة جدا وفاتنة وآسرة وهي ملهتمها كي تبدع وترسم لتروي ظمأ الشغف واللهفة بها ، لتروي ظمأ حرب استهلكت كل شئ واستنزفت كل شئ ومع ذلك ظلت شامخة وأبيّة محافظة على تفاصيل وأخاديد جمالها الفاتن ، فدمشق ولاّدة ومعطاءة وأكفّها مبسوطة لكل ما هو جميل وملهم .

  دمشق العذراء لاحظتها من خلال لوحاتك شامخة وباسقة وهي كذلك دوما وأبدا ، ما الذي دفعك جديّا لاختيار ذلكم النمط من الأسلوب في الرسم ؟

   أكّدت ههنا ، أن دمشق فعلا شامخة وباسقة ، كانت ولا تزال وستبقى ولن تراها إلا بعين المحبّ والعاشق ، فهي تراها امرأة قويّة وجميلة تعتزّ بجمالها ، كما تراها ملاكا لطيفا يلتفّ بأجنحته ليحمي أهله وناسه ، فهي كما أكّدت آلهة الأساطير وكما تراها ترسمها بكل الحب وملء النبض وشهقة الخاطر ، لدمشق كيمياء خاصة من الحب والعشق والتماهي والامتلاء بها مدينة وأرضا ووطنا ، ينضوي على كثير من الدفء والاحتواء والدلال .

 في سؤالنا أن الفن رسالة إنسانية نبيلة تولد من رحم الدهشة  والشغف ، فما الذي يكتنز داخل السيدة " سلام برهوم " ؟

صرّحت لنا كونها  لا تتبع أية مدرسة في الفن التشكيليّ ولا أي اتجاه معيّن ، وإنما هي ترسم وفق رؤاها وشعورها وأحاسيسها ، فالدهشة والشغف عاملان أساسيان يدفعان بها نحو الرسم وفق طريقتها الخاصّة لتعبّر عمّا ترى وما يختلج داخلها من إحساس وعاطفة ، فدمشق هكذا بعيونها كمبدعة لن تكون منحصرة ضمن أيّ إطار أو اتجاه أو نمط بل تظل    حرّة ، محلّقة تأسر كل من يعشقها ليراها وفق دهشته وتماهيه بها

  اللوحات خاصتك تتسم بالدقة في الخط والشكل الهندسي ، فهل هذا اختيار أم مدرسة خاصة بك ؟

  تؤكد مجددا السيدة " سلام "  ، أنها لن تسميها  مدرسة خاصة بها ، وإنما هو أسلوب ونمط وطريقة تعبير خاصة بها ، لتعرّي تفاصيل دمشق  ، بخاصة ,ان تفاصيل هذا الوطن دقيقة جدا والزخارف قد يعجز القلم عن رسمها ، وبخاصة أن أشكالها الهندسية بمنتهى الجمال والدقة ، الأمر الذي يدفع بالمبدع ألا يتجاهل ذلك ، ففي لوحاتها نلفيها تحاكي تفاصيل دمشق وتدخلها وتحرص على الزخارف والمنمنمات ، ومن يكون ملمّا بدمشق وكل معالمها وتفاصيلها ، سيكتشف الأماكن التي ترسمها ومن أين أخذت تفاصيل الأمكنة والزخارف ، إذ نلفي ونلامس  في اللوحة الواحدة كثيرا من الأماكن العتيقة والأثرية لدمشق مثل خان أسعد باشا وسقفه البديع ، أبواب دمشق ، وتفاصيلا من  بيت جبري ، ومعلم قصر العضم وبيت النعسان ، الجامع الاموي والكثير ممّا تتربّع عليه دمشق من معالم ، فهي بذلك تحملنا فنيّا وإبداعيا لننصهر بعبق تراث وحضارة دمشق ، فهي كمبدعة تضع بكل لوحة قطعة من روح سوريا وعبقها وههنا الاستثناء .

  ما شدّني فعلا ألوانك المتوهّجة ، وكأنها بدورها تبعث رسالة سلام وأمان ،ألوان متناغمة كنوتة موسيقية ، ما تفسيرك سيدتي ؟

  صرّحت أنه لا مناص أن نرى دمشق الجميلة ، مدينة الحب والسلام بألوان قاتمة ، فدمشق مدينة الفرح والعطاء والاحتواء ، مدينة ضاجة بالحياة والحب والتفاصيل الشاهقة ، مكتنزة بكل السحر ، فلن يليق بها سوى اللون النضر ، اللون الجميل الذي يشي بالحياة والنَفَس المتجدد للوجود ، فهي ثابتة ومغرّدة وحاملة لكل الحب ، ستظل كذلك في عيون ووجدان من يعرفها .

  جميعنا سيدتي يسكننا وطن بتفاصيل معينة ، فما الذي يميّز تفاصيل انصهارك مع اللون والبياض والموضوع ؟

 تقول السيدة "سلام" أن الذي يسكنها وطن جميل وهي تحبه بفسيفسائه ، بكل مكوناته من بحره إلى جباله ، من وروده وبساتينه إلى قمحه ، وأنها تعشق دمشق وطنا كما هو ، والألوان التي تسكنها بمعية كل تلكم المكونات هي من ينساب إلى ريشتها لتنحت من الوطن أيقونة جمال وعطاء وحب ومودة ، أيقونة سلام وحرية وإنسانية .

   هذا ، وأرى السيدة " سلام" فنانة تشكيلية مبدعة فنا وكلمة ، فهل كل فنان تشكيلي شاعر وأديب ؟

   أردفت ، أنها ترسم وتكتب مترجمة شعورها وأحاسيسها ، وترى أنها لم تصل إلى اعتبار نفسها كاتبة أو أديبة ، لكن الفارق ههنا أن يظل الإنسان إنسانا ، صاحب إحساس مرهف ورقيق ، حتى يعبّر عن الجمال بأسلوبه وطريقته  ، فما يقبع بين حنايا الروح من ذاكرة وذكريات سيترجمه الإحساس الصادق والبرئ ، سيفسح فيه المجال للكلمة كتابة أو نحتا أو فنا لمقاربة أي موضوع وأية حالة لنعكس مرآة الروح ونسكب منها ما يليق بأيّة حالة .

     والفنانة " سلام " مدرّسة فن تشكيلي ، فكيف يؤثر فيك  طلابك ؟  وهل من رسالة تربوية وإنسانية تزرع بذورها بينهم لنحافظ على البراءة داخلهم ؟

  أضافت  أنها فعلا مدرّسة فن تشكيلي للتلاميذ من الصف الخامس حتى الصف الثامن وعلاقتها بهم جميلة جدا ، حيث يتمّ تبادل  الفرح والجمال وهم بدورهم يمنحونها  البراءة والنقاء كما تسقيهم بدورها من خبرتها وفنها ،  حيث تحرص على أن تزرع فيهم الجمال والخيال الخصب والألوان النضرة ، فطلابها يرسمون كما ترسم حيث  رسّخت فيهم وفي نفوسهم  حب دمشق وحب فلسطين وحب الأرض وعشق التراث والأصالة ،  فبأناملهم الصغيرة يبدعون وبقلوبهم يحبون جمال بلادهم وحضارتها  ، لأنهم الحاضر والمستقبل وهم صانعوا الجمال بأي زمان أو مكان .

    لن أقول أنك تنتصرين للمرأة في إبداعك ، بل أراك تنتصرين لقضية وطن ، وما الوطن سوى أمّ ولاّدة وحُبلى بالوقائع ...ما تعليقك ههنا ؟ 

   تؤكد لنا ، أنها ترى في المرأة رمزا للجمال والقوة والتضحية والحب والأم، وتلكم هي دمشق الوطن ثمة شبة كبير بينهما ،  فكل منهما مكتظّ بالتفاصيل الضاجة ، وكل منهما حامل للأحلام والآمال والتضحيات ، وفي كل منهما ثمة أرق يسكنه ، ومع ذلك كل منهما يوفّر الراحة والأمان والطمأنينة والسلام الداخلي الأمر الذي ينعكس إيجابا ويصيّرنا مثمرين وفعّالين وذوي رسالة سامية وإنسانية .

  كل الأوطان سيدتي اغتصبت بحجة الربيع العربي ودونه ، فكيف ناضلت السيدة " سلام" لتجعل من إبداعها ولوحاتها سيرة مقاومة من نوع آخر ، بخاصة وأنّ العالم أقسى ما يخشاه هو الفن كونه سلاحا   فتاكا ؟

 فردّت أنه  للأسف استخدموا اسم الربيع ليشوهوا كل مقومات الربيع ، لكنها كإنسانة وفنانة سعت أن ترسم  ربيعا جميلا ، ردّا سليما وفنيا على أن هذا الإبداع هو الربيع الحقيقيّ  وليس ربيعهم الدامي والمغتصب ، ربيعهم الذي شتّت الأوطان والأجيال ، فالربيع الحقيقي  الذي تريده ونريده جميعنا هو من سيبقى ويزهر ويزداد عبقا وأريجا بالمحبة ، بالحرية ، بالسلام ، بالأمان وبالإنسانية الخالية من الفجع والدمار ، فالربيع الذي ننتصر له ربيع  ملوّن وجميل ونضر ، مليء بعبق بالياسمين والفرح ، إذ بالياسمين سنحارب ونمضي قدما ، لأنه سلاحنا الوحيد وبالفن الأصيل سنوصل رسالتنا إلى أصقاع الأرض والمعمورة .

   هذا ، والفنانة التشكيلية " سلام برهوم" من أرض الياسمين تحضّر لمعرض فنيّ في الآجال الواعدة ، وللحظة في جعبتها خمسون ( 50) لوحة صغيرة وثمانية (08) لوحات بقياس كبير ، على أن يرى النور معرضها الفني قريبا جدّا ، لينفتح عليه عشاق الفن التشكيلي وعشاق دمشق ، حيث ومن خلال لوحاتها ستكون ثمّة رحلة مضمونة دونما تكاليف عبر عبق التاريخ والتراث والحضارة ، وعطر دمشق والحنين والحب والأمل والدهشة والإنجازات وكثير من الفصول فنيّا وبلمسة إبداعية  .

   صفوة القول ، أن الفنانة " سلام برهوم"  تملك أسلوبها الخاص في التغنّي بدمشق الوطن ، فهي تحيك من كل تفاصيلها أنموذجا لإبداع يحاكي أسرار وآثار وتراث وحضارة وتاريخ هذا الوطن ، الوطن الذي ظلّ وسيبقى مزهرا ونضرا في عيون محبيه وعشاقه ، وطن قد نتغنّى به كل بأسلوبه ومنهجه ، فاختارت كفنانة أن يكون ربيعها ربيعا فنيا وإبداعيا ، هي كغيرها من المسكونين بالتفاصيل ، المصابين بعاهة الشوق ومرض الياسمين ومع ذلك يتفنّون في حياكة الذكريات وتطريزها لوطن مستقرّ بالقلب وبالوجدان وإن آلمه الحنين وحب الوطن والذكرى لابدّ أن يبقي على أثره وبصمته ، بحكايات ووقائع ورسائل حب وسلام ليشرق ويظلّه نضرا وباسق الحضور وثابتا  ، أين يظل هذا الوطن مادّا أياديه البيضاء ، باسطا روحه المعطاءة ومنفتحا على كل ما يثير الدهشة  غير معترف بالهزائم ، فحتى للأوطان صوت ونداء وهمس .