مواضيع للحوار

العرض المسرحي بيت الأشباح   فكرة مُعلّقة ما بين الثرثرة والدراما  محمد عبد الرحيم

العرض المسرحي بيت الأشباح فكرة مُعلّقة ما بين الثرثرة والدراما محمد عبد الرحيم

63 مشاهدة

العرض المسرحي بيت الأشباح … فكرة مُعلّقة ما بين الثرثرة والدراما

محمد عبد الرحيم

المصدر :  القدس العربي – مجلة الفنون المسرحية

محسن النصار - عين على المسرح العربي

 قد تضيق بالحياة ومَن فيها، فترى في العزلة الحل الأمثل، الابتعاد عن زحام وضجيج وتفاهة المخاليق. وتعتقد أنك بذلك نجوت. ولكن بعيداً عن الهروب ومواصلة النضال للعيش، أو تحيا وكأنك عائش، إلا أن في هذه العزلة يكمن موتك، نهايتك بدون أن تشعر. فقط حاول أن تواجه كل ما حولك بأن تعبّر وتقول ما تفكر فيه، حتى لا تصبح روحاً معلّقة ما بين السماء والأرض.

هذا ما يحاول العرض المسرحي «بيت الأشباح» تأليف وإخراج محمود جمال الحديني أن يؤكده لدى المُتلقي، فلا مجال لليأس، لأن اليائس هو الخاسر الوحيد، وأن الحياة به أو بدونه ستستمر، وحينما يدرك أنه لن يخسر أو يفقد أكثر مما فقد، فعليه قول وفعل ما يريده، أملاً في لحظة راحة، أو شعور ما بمدى إنسانيته. العرض أداء مجموعة من خريجي ورشة مسرح الشباب، التابع للبيت الفني للمسرح. ديكور هبة الكومي، ملابس أميرة صابر، إضاءة أبو بكر الشريف، موسيقى رفيق يوسف، تأليف وإخراج محمود جمال الحديني.

محاولة فاشلة

(حسن) شاب يعيش بين عمه وزوجته، ضاق بالحياة معهما، كنموذج لمؤيدي التقاليد والأعراف والرضا بالأمر الواقع ــ كسواد الناس ــ ولا يجد حلاً سوى الهرب من هذا البيت، واللجوء إلى شقة تخصه وحده، كمحاولة للعيش في مكان خاص به، بدون أي منغصات، وكأنه بذلك ابتعد عن هذه الأصوات التافهة من وجهة نظره. ولكنه يكتشف أن هذه الشقة مسكونة بمجموعة من الأشباح، أصبحوا يمثلون له عائلة جديدة، رغماً عنه. وعن طريق هؤلاء وشخصياتهم وحكاياتهم المتباينة، يكتشف حسن أن فكرة الهرب والعزلة ستجعله مثلهم، مجرد شبح، حاضر بجسده فاقد لروحه.

الندم

ويلاحظ أن مجموعة الأشباح هذه، ما جاءت إلا لتؤكد للشاب مواجهة واقعه هذا، وأن يغادر الشقة، حتى لا يصبح مثلهم. هؤلاء ما هم إلا نماذج لأفكار ومواقف، بدون أن يصبحوا بالفعل شخصيات درامية، تتفاعل أو تتحاور، فقط تسرد حكايتها، وكأنها تحادث نفسها، أو تصرّح باعتراف طويل عن أزمتها. وهذه أهم نقطة في شخصيات العرض ــ أكثر من عشرين حالة أو شخصية ــ الجميع يشعر بالذنب، بأنه إما سكت أو يأس من واقعه، لم يقل أو يفعل ما يريده، حتى لو كان شيئاً بسيطاً، كالاعتراف بالحب لشخص ما، أو الخوف من تغيير مسار حياته، هذا المسار الذي لن يضر أحدا. ومن الخوف واليأس استبد الندم بالجميع. فهم عالقون الآن ما بين الحياة والموت، ولا يريدون الصعود إلا بالقضاء على هذا الشعور، الذي طالما أشعرهم بالخزي، ويعيشون لحظاتهم وفق منطق (لو) لو فعلنا، لو تكلمنا لتغير الأمر.

مشكلة النمط

الشخصيات النمطية دوماً ــ التي تصبح بوقاً أو نموذجاً لحالة أو فكرة ــ إنها إن لم تُعالج درامياً بحرفية، فستسقط حتماً في فخ المباشرة، أو على أقل تقدير في حالة بعيدة عن الدراما، فكرة الصراع هنا تنتفي، فقط شخصيات تبوح بما لديها، تريد أن يسمعها أحد لا أكثر ولا أقل، وعليك أن تستنتج الفكرة أو تستشعر حال هذه الشخصيات. ففكرة الاعتماد على حالة أغلبها سردية، وبدون إحكام، ابتعد بها عن الصراع الدرامي ــ ليس بمفهومه المدرسي ــ ولكن حتى وفق منطق الفعل الذي يطالعه المتلقي من خلال عرض مسرحي.

ولنتأمل الشخصيات أو بعض منها .. عالمة في شارع محمد علي، أم تموت تاركة طفلها الصغير، كومبارس صامت، مصمم وعارضة أزياء، شحاذ، فتاة فارقت حبيبها، محصّل في السكة الحديد، زوج فارق الحياة بدون أن يُخــــبر زوجــته أنه يحبها، باشا من الزمن البائد يكره الجميع، وامرأة فارقت الحياة في زلزال أكتوبر/تشرين الأول الشهير عام 1992.

هذه التجميعة من الشخصيات أدت بدورها إلى تفاوت أزمنتها، من رجل العهد الملكي، ومَن عايش هزيمة يونيو/حزيران 1967، وصولاً إلى امرأة الزلزال، فالأمر لا يحتمل هذه التواريخ ودلالاتها، أم أنها أصبحت نموذج ــ إسطمبة ــ بدورها على الأهمية ودرجة وعي صاحب العمل.

كان من الممكن أن يمتد الأمر إلى أحد عساكر المماليك، بما أننا في حالة الفانتازيا، غير منضبطة التعريف بدورها. وفي الأخير.. وإن بدت الفكرة جيدة وتحث على مواجهة الحياة وسخافاتها بعدم العزلة والانزواء، إلا أن معالجتها المضطربة والتحدث من خلال شخصيات أشبه بالكلاشيهات المعروفة سلفاً، جعلها معلّقة بدورها ما بين الحكي والثرثرة وما بين الدراما المسرحية.