مواضيع للحوار

اللاوعي الكائن وكينونة العدم في مونودراما الرهينة الدكتورة لوت زينب

اللاوعي الكائن وكينونة العدم في مونودراما الرهينة الدكتورة لوت زينب

82 مشاهدة

اللاوعي الكائن وكينونة العدم في مونودراما الرهينة

دكتورة لوت زينب

تخصص نقد حديث ومعاصر

 

  • المونودراما سؤال الهوية:  

تندرج المصطلحات الّتي تثير مفهوم المونودراما حيث يتشكل المعنى الفردي للممثل الذي يسهم في دور درامي يستثير مهمات الممثل في تجسيد النص أو تنصيص النص جسديا عبر مستويات الدلالة الحركية، ومكاشفة الفن لنفسه مع متعدد لفظي، ومهارة التجسيد للغة البصرية من خلال تحويل النص لموضوع الجسد التمثيلي، وكما يماثلها الفكر النقدي أنَّ  «( المونودراما) من المصطلحات التي اختلف الباحثون والمنظرون -مثلما اختلفت المعاجم الدرامية والمسرحية في تحديدها وتعريفها وشرحها رغم اتفاقهم بشكل عام في بعض النقاط الأساسية التي تشكل عدا المصطلح الذي كثيراً ما أسيء استخدامه أو قرنه ببعض النصوص والنتاجات الدرامية أو المسرحية.

فهناك من رأى المونودراما هي ( دراما الممثل الواحد) ومنهم من حددها (بالمسرحية ذات الشخصية الواحدة )»[1] الوحدة التي لا تمثل الأحادية بل تختزل مفهوم الذاتية التي تمثل الجماعة من خلال (المؤلف – المصمم - مهندس الديكور....) لكن الذات هنا تمارس مسؤوليتها في سلطة المعنى الذي يكتنزها العالم المرئي للامرئي في نشوء جاذبية التلقي من منحنى تلك الفردية الحاملة للدلالة المضمرة الساقطة بين طيات الجسد والصوت وقدرة الذهن على تسير الباطن النفسي للممثل وهو يمارس طاقة تركيب الجسد مع اللغة المركبة.

الحديث عن المونودراما ومحاولة استحداث معاني جديدة تمنحها وقعا جديدا لا يفصلها عن المسرح كبناء يقع على ممثل واحد يثير دوراً درامياً وحوارية مع الأنا لكنها تُسقطُ الجمهور في فبركة مخيال فني مؤثر «تطلق على تلك المسرحيات المبنية على نوع (المونولوج) لشخصية واحدة مثلا ضرر التبغ (تشيخوف)»[2] تتماسك خيوطها في النص بين تقنية الاندماج الكلي للشخصية مع هدف تنجرِفُ إليه كل الأشكال التي تقع في خليط الدور المتجانس بين تحولات الواقع او توقع التّحول فالمادة الخام التي يجلس فيها الجمهور أمام العرض تتفحم بدرجة عبقرية التشخيص المهيمن على السطح ليصنع العمق للاإرادي عند المتلقي.

المناص في مونودراما ( الرهينة):

تنبثق حالة السكون في المرجعية الجمالية للمؤلف( محمد بويش) قناعة بهسيس الخيال، وتخييل ديمومة كسر الأنساق المضمرة وبناء الجسد المهدم في خلوة التماهي، المونودراما في سيناريو( الرهينة) هي فتق اللامحدود المخترق فوهة الصمت الذي ينغرس في فضاء عجائبي ينتهي في منعطف الحاجة لتصور عالم جديد بطمس معالم العالم المنتهي في ذهنية المرأة، وهي محور كوني للحياة ذاتها من كونها الأنثى التي تنجب الأبناء إلى المدبرة في توجيه الرجل نحو القرار، وفي النص المنودرامي قراءة عميقة لتأملات الإنسان نحو بحثه للفراغ الكوني أين نجد الشخصية تمارس طقوساً مختلفة كالتلاقي بين حقيقة الوهم ووهم الحقيقة.

يلتفت الكاتب للبدائل التي يتجاوز بها الواقع ويستلهم القاع المظلم في كينونة الشخصية ويتعايش المخرج في إبراز ذلك الصراع القائم بين المعتم المخبوء في مسالك الصمت أين تخبو الذكريات وتنطوي، المناصات في المحور العمودي للمنطقة الساكنة والمحتملة للأشياء المحتملة بعد سقوطها في لاوعي لكن« العلاقة بين الوعي والعالم نفسيهما مؤسسين بها وعليها منذ البداية »[3] لكن اختيار العالم في لاواعي المؤشر لكل سلوك إنساني حيث يمارس وجوده خلف الانفعالات والمستويات الأكثر اندثار لكنها تصور الصدى المتعالي، كما تظهر المحاكات بين (المرأة) و مكونات الشخصية عند( سيغموند فرويد)  Sigmund Freudو( الانا) التي تمثل التركيب النفسي و(الأنا الأعلى) الذي يمثل موضوع القيم ولكن ( الهو) المتمثل في الشيطان الذي يتلبس بالشخصية ويؤثر في انفعالها المستمر وصراعها مع الضمير الأخلاقي الذي يرفض وجوده، فيمتد الوتر التركيبي في تناصه الانعكاسي مع حكاية (فاوست) Faust وعلاقته المرغوبة بالشيطان لكن ( الرهينة) رغم رفضها لهذه العلاقة تتقاطع كونها تفقد وجودها كما هي في المحكي الألماني عند(فاوست) فالمعنى الأعم أن الرغبات الشيطانية المرغوبة أو المرفوضة لا تنتهي إلا بالتلاشي.

-مؤولات المؤلف وتأويل العتبات:

يصور المؤلف قامة هذا المتواجد الكوني في مهيمنات النص لاحقا حيث يساهم في تهيـئة كينونة العمل ومهارة الانسجام المتوقع بوتيرة تدافع الأحداث أو تقبل مستوى من المهارات في الفهم و التأويل  " سجينة رؤيا تمارس سطوتها على مكنون العقل .. لا تستطيع أن تخرج من قوقعتها لإيمانها بأن العالم انتهى منذ زمن بعيد .. ولم يبقَ فيه سوى هي ورجل يسافر في احلام بشر كان من المفترض أنهم عاشوا هنا بالقرب منها .. الرجل ساعي البريد يزورها مرة في السنة ليعطيها أحلاما يجمعها من سبات بشر كانوا في مدينتها .. بينهما شيطان يعايش فوهة المدخنة الوحيدة في البيت .. مهمته تحويل تلك الأحلام إلى كوابيس في عقل المرأة. "  ومن خلال أفق التّوقع نستطيع إدراج صور متعددة في الخطاب واقتران الجسد بحركة الذهن لأن المونودراما تحريك للجسم والأعضاء تصاعد صوتي يحرك تفكير الانسان من خلال الدماغ، لكن المسرح تشخيص لهذا الفكر ونمذجة لتصوير المنعطف الجمالي للظواهر التي يعيشها العالم الإنساني.

  • صيرورة الشيطان في  الحوار:

تظهر صورة الشيطان وهو الذي يريد أن يلس جسدها ويعيد ترجمة تفكيرها نحو الفزع ولعل هروبها من عالم يريد اختزال وجود الانثى في الجسد هو في ذاته ذلك الضعف الذي يتغلغل فيه الوجود الشيطاني حيث يقبع في السيناريو" بينهما شيطان يعايش فوهة المدخنة الوحيدة في البيت .. مهمته تحويل تللك الأحلام إلى كوابيس في عقل المرأة .." هل العقل هو محور الهروب ام المواجهة يحملنا لتجاوز مرتكز العقل الظاهر للعقل الباطن فحين تتذكر الممثلة والدها لم تتحدث عن وظيفة الاب بقدر ما أصفت لغتها الترسبات الكبيرة التي أثقلت الخطاب بالدلالات العميقة:" لقد كبرت الآن .. هي بداية المتاريس .. لغة أخرى وارتكاب

          معصية الوجود .. لقد كبرت الآن .. أصبحت أفتش عني .. لا

          سلطة لي .. أكبر لأنال سلطة حريتي .. كل ما قلت ها أنا ..

          ضعت مني .. كانت والدتي تقول .. أنه قد رأى في الحلم من 

          يذبحك .. كان والدي .. اقتنع بوجودي  - عنوة – هل أستطيع ..؟

          تراكم السؤال في غياهب الذاكرة .. ذاكرة أبي ..هل أستطيع أن

          أعيد تركيبك ؟ "

ما يستقر في ذهن المتلقي البُعد المؤلم للرهينة وهي رهينة هذا العالم الموحش الملتبس ( الشيطان) الذي يناديها كل مرة:"(تتعالى الأصوات من المدخنة)

الصوت: أيتها  الرهينة .. أيتها الرهينة .. اخترق صوتك المجال ..لابد من عودة إلى حقائب سجنك .. تعالي إلى مكانك .. وارتشفي آخر

      قطرة من كوابيسك .. اقتربي مني أكثر .. اقتربي ..اقتربي ....."

الانسياق ال

  • المهشم في مونودرما ( الرهينة):

المرآة المهشمة في ( الرهينة ) تمنحنا تضليلاً آخر في مهابة الحكي حيث يكون ذلك فال شؤم بالنسبة للوعي الشفاهي الشعبي القديم، وقد يكون انكسار الانا الزمني والمكاني داخل مستويات الرؤية الخارجية حيث لا يبحث الانسان عن الأشياء التي يراها بقدر ما يبحث عن الذي يراه الآخر فيه والمرايا هي حاجة الفكر في إيجاد جانب متخفي في ذاتيته أو يصنع بؤرة هذا الخفي الذي تناجيه قائلة:

فصل ليَّ الآن  .. خريف يبهر التصاق الصوت بوجودي ...

         شتاء يوجعني  .. أيها المتمدد صهوة ربيعي المورق .. تعال ...

         تعال قبل أن يمتلك الصدأ بوابتي الوحيدة ..

التفكك الداخلي للإنسان في شخصية المرأة تغرس ألياف المتتاليات الصريحة للانغماس داخل هوية الاعتراف بالذات التي يرسمها فهم الجماعة ومونودراما(الرهينة) تصور عالمًا روحانيا مندثراً مخيفاً يقبع فيه الشعلة التي تضيء حيزًا من الحياة المظلمة والمنعطف الأخير لمواجهة الوجود ذاته كما يصورها  (غاستون باشلار) في مؤلفه Flamme d’une chandelle « هكذا تتبادل الخيلاتُ والأشياء فضيلتها وتتلقى كل غرفة حالم الشعلة، جوّا من العمودية إن فاعلية لطيفة لكنها أكيدة تقود الأحلام إلى القمة يمكن الاهتمام حقا بالزوابع الحميمة الّتي تحيط بالفتيلة،  وأن نرى في بطن الشعلة حركات لمصارعي الدياجي والنور ولكن كل حالم يُصعد حلمه نحو الذروة »[4] تلك الذروة التي تمسك الحقائق والمخاوف والصراعات وانحدار الصوت الدائم للشرور في العمق الإنساني لتكون رهينة للمسلمات الروحية الموحشة التي يرهنها الشيطان دون رغبة لتصل إلى درجة الانسداد والتلاشي في منظور يثيره المشهد الدرامي. [5]

 

[1] - الكتاب التوثيقي مهرجان الكويت الدولي، إعداد محمود سعيد، إشراف :جمال إبراهيم اللهو ، الدورة الثالثة، ،1أبريل  2018 ،ص.10

[2] - ب-أ-ماركوف، الموسوعة المسرحية ، تر: عقيل مهدي، موسكو، 1964، ص.906

[3] -M.Heidegger .Interprétation phénoménologique de la « critique de la raison pure »de kant .Tr .Emanuel Martinneau  .Ed :Gllimard .1982. p.68

[4] - غاستون باشلار، شعلة قنديل، تر : خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدرسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان،  ط/1، 1995م، ص.70