مواضيع للحوار

اللعب التمثيلي  الدرامي وأهميته في المنهج التربوي

اللعب التمثيلي الدرامي وأهميته في المنهج التربوي

28 مشاهدة

اللعب التمثيلي  الدرامي وأهميته في المنهج التربوي

#المخرج _ليث _عبد _الغني

" إضاءات في المسرح " للمسرح الجهوي سيدي بلعباس، تواصل انفتاحها على عديد القضايا ذات الصلة الوطيدة بالفن الرابع، ملامسة جوهره، لننفتح في العدد الحادي عشر ( 11) على موضوع قيّم وذي أهميّة يتمحور حول " اللعب التمثيلي / الدرامي وأهميته في المنهج التربوي" من إضاءة وإثراء المخرج المسرحي العراقي " ليث عبد الغني " من النرويج.

في هذا الطرح الذي يقدّم من خلاله عديد النقط المهمّة المتعلقة باللعب الدرامي كمفهوم تربوي وحضاري، قطعت فيه عديد الدول شوطا مهمّا عناية بالطفل واهتماما بطموحاته وآفاقه، مستثمرين في قدراته وطاقاته ضمن خطط تربوية واعدة.

المخرج المسرحي العراقي " ليث عبد الغني " من النرويج

ليث عبد الغني من مواليد مدينة الناصرية / العراق عام 1963 م، بها أتمم المراحل الابتدائية، لينتقل بعدها إلى الشطرة لإتمام الدراسات الثانوية، نشط كثيرا ضمن المجال الثقافي والفني بها، إلى أن غادر مسقط رأسه العراق عام 1991 م.

وبعدها سافر إلى السويد وفيها أكمل دراسته في مجال الدراما واللغويات، حيث قدّم الكثير من الأعمال المسرحية، كما شارك بعديد المهرجانات الدولية، وحصد عديد التشربفات والجوائز أهمها جائزة الثقافة في غرب السويد، وحاليا يعمل خبيرا في النرويج ضمن اختصاص الدراما التعليمية وطرق التدريس الحديثة، كما أنه يدير حاليا التجمع الاجتماعي، الديمقراطي العراقي الدولي، وعضو نقابة الفنانين العراقيين، وعضو الأكاديمية النرويجية الشعبية العليا .

والأستاذ " ليث عبد الغني " يقدّم عديد المحاضرات عن دور الدراما في العملية التعليمية، مفتكّا في هذا الجانب عدة جوائز ثقافية حصل عليها بعد منافسة مع الأوربيين مثل جائزة كرونوكوردن عام 1996 في احدى المدن السويدية وجائزة الثقافة في مدينة ترولهتان السويدية عام ١٩٩٩ والتي تعتبر من اعرق الجوائز في غرب السويد بعد منافسة مع ثلاثة عشر ( 13 ) أديبا وفنانا ومثقفا سويديا.

كما أنّ احد أعماله المسرحية قد حصل على جائزة مد جسور الثقافات بعد منافسة مابين عمل اسباني وعمل انكليزي، وذلك في مهرجان الطفل العالمي في عام 1997 والذي اقيم في عدة مدن في غرب السويد، أما الجانب الذي يخص الثقافة العراقية فقد ساهم في تأسيس اكثر من جمعية ثقافية تهدف إلى الحفاظ على التراث والفلكلور العراقي والتعريف به في المهجر.

اللعب التمثيلي / الدرامي وأهميته في المنهج التربوي

المقدمة:

يأخذ اللعب التمثيلي كمفهوم تربوي وحضاري لدى الدول المتطورة مكانة عالية, ومجالا ً أوسع في الخطط التربوية, حيث يركز على أهمية اللعب و استثمار أنشطته في الخلق الدرامي لدى الأطفال, لأنه يساعدهم كطاقة فاعلة في تطوير ذهنيتهم ونفسيتهم إضافة إلى تقوية أجسامهم، وتصفية مشاعرهم من الشوائب الغير مدركة لهم، وهذا يتفاوت بين الطفل وقرينه, وقيمة ماينتج من أفعال ذات صفات مادية وفكرية. فمازالت إلى الآن بعض دول العالم العربي لا تقدر أهمية قيمة ما ينتجه الطفل من أنشطة لها قيمة وتأثير في المجتمع, وما تلعب من دور كبير في ما سيكون عليه مستقبل الجيل الآتي. تلك مهمة تحتم ظهورها عند الجميع كنشاط له معنى عند الكبار الذين يطلقون عليها ( لعب صغار) لا تمتلك حضوراً عند الآخرين، ولهذا فهي لا أهمية لها.

وليس لها من منتج فاعل في دواخل الأطفال. وهكذا ظل الطفل منشغلا ًبعالمه وحده, حريصا ًعلى الاحتفاظ بأسرار أفعاله، ولكي يكلم ذاته, فأنه يلجأ للمتخيلات المخزونة في باطنه. وهذه الحالة من أخطر المراحل التي ينتج من خلالها الكبت والحرمان الذي يعمق من تلك الظاهرة التي تساعد ظهورها أفعال الحرمان والتوجيه الخاطئ الذي يتجسد به ذلك الحرمان مما يساعد هذه الظاهرة على القيام بأفعال تدفع بالطفل على القيام في تقليد الكبار. ولعل نتائج الحروب من أسوأ وأخطر الممارسات التي يندفع نحوها الصبية حين يكونون في بيئة غير متجانسة, أو أنها كانت في مجتمع غير واع لا يهتم بالمعرفة والتعليم, يتعرض الصبية الذين يعيشون ضمن أسر أو مجتمعات تتعرض للتمزق و الضياع لأنها تبقى عاجزة في معالجة تلك الظواهر التي يصعب عليها معالجتها, و في كيفية معالجة أخطائها. ولهذا يظل الصبية منقادين لتلك الظواهر السيئة التي تتحول إلى سلوك مكتوم في لاشعورها الباطني ومن ذلك يهيمن التلقين الخاطئ المتكرر على الثوابت التي تعودت عليها الأسرة والمجتمع.

لقد أخذ اللعب التمثيلي/ الدرامي أهمية أكثر لدى علماء التربية عبر التأريخ باعتباره قريبا من الفن المسرحي إضافة إلى انه يعكس ما في دواخل الطفل، ولهذا أقر في المراكز التعليمية كطريقة تساعد على نمو وتطور الأطفال وأسلوب جديد في الدراما في المدارس التعليمية تحت عنوان الدراما في المدارس، حيث أصبحت ذات تأثير عال يحتل حيزاً من الدراما التي تعرض في المدارس ذات الأهمية العالية و في الساحات الواسعة، أو في الصفوف التي تستخدم فيها المواد الدراسية في مراحل رياض الأطفال والمدارس الابتدائية والثانوية، حيث تدخل الدراما واللعب في المناهج التربوية كمادة مساعدة ووسيلة إيضاح مهمة للمتلقي، وهذا ما نصت عليه الخطط التربوية في الدول المتطورة في التعليم وأخص بالذكر الخطة التربوية النرويجية لــ 95 و لـ 2006 .

إن أهمية الدراما في المدارس هي شد انتباه الطالب وتحفيزه للمادة الدراسية إضافة إلى بعض فوائده النفسية والاجتماعية التي تنتج متعة وبهجة ومعرفة جديدة, وتعتمد الدراما في المدارس على اللعب في أسلوبها ومنهجها حيث تنقسم إلى ثلاث عناصر رئيسية : هي العب الدرامي كمنهج تربوي, والدراما (كمسرح حر) في المدرسة أو الصف الدراسي كتأليف وإنتاج أدبي جماعي من خلال اللعب والتسلية, والعنصرالثالث هو المسرح المدرسي أو ما يسمى التربوي. لكن المسرح المدرسي يبتعد عن الدراما كمفهوم في المدارس, حيث أن المسرح المدرسي يعتمد على عناصر كثيرة تختلف عن الدراما, وأهميتها هي تحويل أفكار المؤلف وترجمتها على الورق ثم تطويرها حيث تتحول إلى رؤية جديدة بمساعدة المخرج, ومن ثم طرحها على جمهور مستهدف من على خشبة المسرح بواسطة أشخاص يلعبون أدواراً يختارها لهم المخرج. يلاحظ أن التربويين في الدول المتطورة بدئوا بالابتعاد عن المسرح التعليمي وخاصة للأعمار الصغيرة دون سن الثانية عشر بسبب خطورته على الطفل في حالة عدم إتقانه أو عدم وجود هدف مقنع أو عدم دراسته بشكل جيد حيث تركوه لذوي الاختصاص. حيث كان من المألوف أن نشاهد في السابق أعمال مسرحية في المدارس من إنتاج معلم أي مادة دراسية ليس لها علاقة بالمسرح.

أهم دلائل الدراسة فيما يخص اللعب التمثيلي:

لقد كتبت (فيولا سبولين) في كتابها ( الارتجالية في المسرح) (1963) : " بعد خبرة 30 سنة في العمل الارتجالي وتمارينها في المسرح مع ممثليها، أن كل الناس بما فيهم ألأطفال والكبار يستطيعون أن يمثلوا، هذا في حالة وجدوا سبباً لذلك "، وهذا ما جعل التربويين يدركون خطورة المسرح المدرسي، لأنه لم يعط سبباً للطفل في بعض الأحيان بأن يشارك فيه، وعليه فقد يعطي هذا النوع من المسرح نتائج سلبية عند الطفل الممثل، ذلك لأن الطفل الممثل أو المشاهد يكون في اغلب الأحيان ممثلاَ أو مشاهداَ لمسرحية قررها شخص راشد، وقد يكون هذا القرار ليس له علاقة باهتمامات الطفل، وفي هذه الحالة فإنّ وضع الطفل في دور لن يناسبه، أو لم يتفاعل معه أحياناَ، قد يؤثر في نفسيته سلباً، إضافة إلى ذلك أنه لم يؤديه بالشكل المرضي.

وتعتمد إدارات المدارس في إقرار الأعمال المسرحية المدرسية على درجة الحاجة إليها, حيث يلاحظ انخفاض عدد كثير في الأعمال المسرحية المدرسية، بينما يلاحظ استخدام واسع للدراما الخلاقة في الصف( المسرح الحر)."، لقد ركزت الخطة التربوية النرويجية لـ 95, فيما يخص اللعب والدراما والمسرح في المدارس يجب التأكيد على أهمية اللعب الدرامي للأطفال في مراحلهم العمرية الأولى وهم صغاراً، وعلى استخدام الدراما الخلاقة (المسرح الحر) في المراحل الابتدائية والمتوسطة أما المسرح المدرسي فيجد دوره في فترة الشباب وابتداء من الصف الثامن والتاسع والمراحل الدراسية الأعلى من ذلك, هذا ما ذكرته الأستاذة (أننا ميك) في ص62 من كتابها اللعب والدراما والمسرح في المدارس. و تعمل (أننا ميك ) أستاذ مساعد في مادة المسرح في أكاديمية ( نسنا الجامعية ) في النرويج.

أما بالنسبة للعب فلقد استثمر التربويون ساحته وأعطيت له أهمية كبيرة من قبلهم واعتبروها مساوية للمسرح التربوي لقناعتهم بأن آثاره اقل خطورة من المسرح في عالم الأطفال. هذا من جانب اللعب الدرامي, أما عن مادة الدراما في المدارس (المسرح الحر) فقد يمنح الفعل الدرامي الفرصة للطفل بأن يؤلف الدور ويؤديه بنفسه، لذلك نراه يتميز في أداءه بتقنية عالية، وذلك بمساعدة ظاهرة الخلق الدرامي لديه، لأنه يقترب من الدور الذي يطمح له ويحلم به في حياته الداخلية أو الحقيقة الواقعية. نجد هنا أن الطفل قد لا يحتاج الى مسرح وجمهور، فساحة اللعب هي خشبته الحقيقية، وأصدقاءه هم الجمهور الذي يحمل هدفا ً مشتركا ً مع أفكاره التي يشترك الجميع فيها، قد يجد الطفل في عزلته متعة توصيل مشاريعه الفكرية الفطرية ويربطها مع الهدف الذي يبغي, ولكنه في عزلته تلك قد يؤدي الدور نفسه في الساحة، وحتى في عالم يقظته وأحيانا ً في أحلامه التي يسعى فيها من توسيع مساحة أحلامه كي يحولها كأفكار يتصل بها الواقع مع الأحلام .

ولهذه الأسباب تعتبر ساحة اللعب أفضل مكان يمنح الطفل المتعة والسعادة سواء في ساحة المدرسة أو في الأمكنة الوسيعة ذات المناظر الطبيعية حيث يتحول الطفل فيها الى مكتشف وممثل لما يحيط به من تصورات يبتدعها هو وزملائه ومنها يستذكر ما شاهده في الواقع حيث يخزن في ذاكرته ما شاهده وما عاش فيه .

ومن ذلك المكان تتحدد قيمة الخبرة ومستوى تطوره الذهني الذي تنعكس عليه أنشطة الحياة بأشكالها ليتعلم منها ما يفيده ويساعده ويتعلمه من الواقع وما تهبه الحياة للجميع تجربة ومتعة تضيفان قيمة لأصغر الأشياء وأكبرها وبهما يتعلم الطفل تقبل الفشل بتكرار و ما يجربه من أفعال، وأيضا ً كيفية تمييز أفكاره التي ترتبط بكل ظاهرة تساعده على التعلم المستمر بشرط أن يمنح الأطفال الفرصة في التعبير عن آرائهم، وتفريغ همومهم وكبتهم وبذلك يقترب من الوضوح أمام نفسه والآخرين الذين من طبيعتهم يحبون التعايش مع الآخرين ويتواصلون مع غيرهم بطرق يختارونها هم لا غيرهم رغم التوجيه الذي يشير إليه من هو أكبر منهم ومن ذلك يكتسبون المهارة في كيفية التفكير واستثمار الطاقة التي تمنحهم الأمن والاطمئنان خارج بيوتهم وفي علاقاتهم بالآخرين .

إن الإحساس بتلك المشاعر تجعلهم أكثر جرأة في التعبير عن شخصيتهم على مستوى ما ينتجه العقل وما يظهره الجسد كطاقة مرتبطة بالمهارات المادية ذات الدوافع الداخلية، ومن ثنائية تلك العلاقة يصبح اللعب عند الأطفال شكلا ً من أشكال التعبير عن النفس والجسد التي تتسم بالعفوية والتلقائية لأنها تحمل الإدراك والحواس معاً, لأن اللعب يعتمد على النشاط والحركة حيث يكتسب الفرد منهما خبرة معينة تنتقل منه إلى الآخر أو إلى الآخرين حيث تتحول الفكرة في اللعب إلى رمز يرتبط بالآخرين. إن التمثيل الرمزي والتمثيل الخيالي والرسم والتصور الذهني يعتبر عملية أساسية لإنماء العقل والذكاء عند الأطفال, ووسيلة غير معقدة للاتصال الغير مباشر مع المتلقي والجمهور الواسع ولهذا يبذل الممثل جهدا في جعل مادته التمثيلية ذات صياغة مفهومة في نفسه أولاً, و أخيرا لدى غيره حيث يحرص على توصيل أفكاره إلى من يستقبل ويفهم أفكاره كرسالة تقول شيئا ً مصمما ً وفق ما يعتقده حقيقة أو تخيلا ً.

يلاحظ أن في ساحة اللعب تتكون لدى الأطفال ظاهرة الخلق والتعبير الدرامي الجمعي, وتقل العوامل الفردية حيث تصبح شخصية كل منهم ذات سلوك غير انعزالي يميل نحو المجموع الظاهر. وبهذا يستمر التفاعل بين الأفراد دون الإحساس بالفردية الضيقة. حيث تصبح الذات في حالة صافية من الانتباه و العمل الإتصالي بالآخرين الذين يتحاشون السلوك الفردي حيث يجدون في سلوكهم هذا بعد انتهائه تعبيراً تمثيليا ً استلهموه من أفعال الحياة. لقد اشتركوا كلهم في نشاط أنتجها الذهن والجسد معاً, حيث أصبحوا تجمعا شارك به الجميع, ومن نتائجه تحول كل شيء إلى صداقة اتصل بها من كان منعزلا ً لأسباب نفسية أو بيولوجية تحول الى نشاط مكتسب قابل للتقويم, وإنتاج يزيل ما كان حاجزا ً نفسيا ً يعيق قدرة التعبير عن المشاعر واتصالها بالقوى المؤثرة في عمليات كهذه , وبهذا تحفز ما كان خاملا في العقل وبدوافع تتفاوت قوة في كل منهما وبذلك يتم إشباع الطفل بالرغبات ذات الحاجات القريبة من بساطة تحمل روح المشاركة التي تلد صداقة تحتوي على علاقة الفرد بمجتمعه بجانبيه العملي والفني التي تأخذ شكل دوافع لا شعورية مختلفة قد تظهر فيها مؤثرات صوتية أو بصرية تسيء للحالة النفسية التي يتغير كل شيء فيها فجأة، وهنا يتطلب تنشيط العقل بخلق حالة من الاسترخاء وتنظيم إيقاعات النبض القريب من اليقظة كي يتم تحاشي الكلل الذي قد يصيب العقل والجسد معاً.

إن ما يجعل الصبية في مرحلة ما من عمرهم كثيرو الاهتمام بأجسادهم، وإبراز مهاراتهم أمام المشاهد أو متابعة التغير الفيزيولوجي الطبيعي فيهم والذي عادة ما يكون صورة من عملية اتصالية بين الفرد والجماعات الأخرى حيث يتطلب في مرحلة حساسة من فهم تلك الرغبات التي يعبر عنها بسلوك مقترن بالدوافع منها ما يكون في صورة حب أو كره وميول قد تكبت في لحظتها، أو انفعال يؤجل التعبير عنها في الباطن لأسباب لا تقرأ بسهولة إلا من بعض المختصين النفسانيين والمهتمين بشؤون التعليم والتربية والأهم من ذلك هو الاستمرار بالمراقبة من قبل الأسرة والمدرسة التي توجه الثقافة وتقرب ذلك من الطرفين. يشعر الصبي أن ما يتصل به من انفعالات ما هي إلا عبارة عن حلقات متتالية ذات طبيعة فنية تتفاعل وتتآلف مع الآخرين بعملية غير محسوسة، وأن انفرادية ذاته ليست لغرض المتعة والتعليم فقط، بل هي أيضاً حالة تعبيرية طبيعية في اللاوعي، تظهر في معاناة أو آلام أو كبت يشعر بها الطفل داخل نفسه، يطرحها بعفوية إلى الخارج , وهو في هذه الحالة لم يجد وسيلة تسعفه للتعبير عنها غير الحركة الدرامية في ساحة اللعب, حيث نلاحظه انه يتقن دوره التعبيري لدرجة عالية وسبب ذلك انه يعيش الدور، وهنا يتضح أن اللعب هو تعبير عن هموم غير معلنة تتمثل في إشارة أو رسالة أو تعبير عن وجع يراد إعلانه بشكل عفوي يكون القصد فيه هو التفريغ عن الكبت الداخلي.

لقد نوه " (ألكسندردين) الى مثل هذه الحالات حيث ذكر أن الطفل يجد متعةً أثناء اللعب و التعبير دائماً عن ما ينتجه خياله من صور للموضوع الخارجي الذي يؤثر فيه، أو أن يأخذ عن ذلك الموضوع انطباعاً معيناً، قد يكون ذلك نتيجة أزمة يمر بها الطفل، أو حالةٍ معينةٍ ذات مخاض إبداعي، أو تخيل يعبر عنها بالصور أو بالصمت، وهذا ما يسمى بالمضمون القلق، "ويجب أن ينتج من هذا المضمون شعور عميق بتجربةٍ عاطفيةٍ في حياته وعرضها من خلال التطبيقات العملية ومن خلال التركيز على الإفرازات الذهنية، والتي يستخدمها الأطفال كلغة درامية لإظهارعالمهم .

ولكي يكسبوا لأنفسهم من خلال التجربة والاختبار المعلومات و المفاهيم الحقيقية عن أنفسهم وعن من حولهم من أُناس في البيئة المحيطة بهم ومن خلال المعايشة الواقعية و الدور الذي يلعبه ألطفل أثناء لعبه مع الآخرين و في هذا الدور يصبح التعبير حالة متطورة في العمليات الذهنية التي تخيلها لتتحول إلى نشاطات خاصة به أو إلى أفعال ذات صفات اجتماعية لها صلة بعائلته أو أثناء لعبه مع الأطفال الآخرين. ومن خلال اللعب يمرن أعضاء جسمه و أدوات الانتباه الباطنية وكيفية توجيهها نحو العمل المركزي المتصل بتمارين جديدة تسعى للاندماج الاجتماعي مع الآخرين في عالمه هذا. "وقد نوه (د. عمر احمد همشري) عن أهمية اللعب في التربية بالصفحة 184 من كتابه (مدخل إلى علم التربية). حيث ذكر بأن للعب قيمة خاصة بالنسبة للطفل، باعتباره عاملاَ مهماَ في تطوره ونموه العقلي والعاطفي والجسمي، فضلاَ عن جوانب النمو الأخرى، ومن خلاله يتعلم الطفل ما لا يمكن أن يتعلمه من غيره. لذلك يتوجب على البيت والروضة والمدرسة توفير البيئة المناسبة للعب الهادف ذي المعنى، وأن تزود جميعها بأدوات اللعب التي تثير قواه العقلية وتحفزها على العمل، وتساعد على نموه وتطوره على النحو المطلوب." ومن خلال المعايشة وفعل التركيز وعملية تخيل الصور الداخلية في نفسه, وبذلك يحاول أن يلفت انتباه الآخرين لأجل إظهار ما يرغب الإعلان عنه وما يحس به، وكذلك في التعبيرعن مفاهيمه بطرق خيالية متنوعة و متعددة، ويحاول في الوقت نفسه من فهم عملية التقييم الدقيقة، وبعدها يقوم بالتعرف على نفسه وعلى الآخرين من حوله في عالم حقيقي ينمو الطفل من خلاله في ساحة اللعب، وخلال اللعب الدرامي الذي اكتسبه يكتسبه من قدارته التي تذوب في العمل الجماعي وبذلك يزداد ثقة بنفسه وبالآخرين.

تعتبر الدراما في المدارس (المسرح الحر) من الأنشطة التي تعتمد على اللعب والفطنة والنباهة عند الأطفال, لذلك استثمرها علماء التربية واعتمدوها كطريقة أو كمنهج تعليمي يضمن الاستفادة منه في خدمة العملية التعليمية ضمن ميدان اللعب، سواءً في الصف أو في أي مكان آخر، معتمداً على العمل الجماعي بين المشاركين والتفاعل الايجابي مع المجموعة وعلى حب الطلبة الفطري للعب التمثيلي والتسلية. "إن أول من كتب عن الدراما لدى الأطفال هو أرسطو وذلك عندما ذكر في كتاب الشعر. (( إن لدى الإنسان منذ الطفولة غريزة التشخيص ومن هذه الناحية يختلف الإنسان عن الحيوانات ألأخرى في انه أكثر منها قدرة على المحاكاة وانه يتعلم أول دروسه في طريق تشخيصه للأشياء ثم تبقى بعد ذلك المتعة التي يجدها الناس دائماً في التشخيص)) وهنا ندرك أن الفيلسوف اليوناني يكشف عن جوهر الدراما.

حيث ذكر بأنه من السنوات المبكرة الأولى يقوم الطفل بارتداء ملابس من هو أكبر منه أو تقليد حركات الكبار أو اللعب بأدوات المطبخ أو القيام بأفعال أخرى, منها تقليد ما يقوم به (( رعاة البقر)) والهنود الحمر واللصوص، وتفضل الفتيات الصغيرات بصورة عامة أن يلعبن دور الأم،

إنّ الطفلة الصغيرة التي تدور بدميتها في عربة الأطفال حول الحديقة لا تفعل أكثر من تمثيل دور تعلم أنها ستقوم به بصورة جادة حينما يبدأ مسرح الحياة الحقيقي ، حيث تصبح أكثر جدية كامرأة ناضجة تاركة خلفها على مسافة بعيدة عالم الإيهام المليء بتخيلات الطفولة، بل حتى مسرح مرحلة الرشد هو أيضا شديد الشبه بمسرح نلعب فيه مئات المرات ليأخذ كل واحد منا دوره فيه وعلى الرغم مما نقوم به مختلف عن الآخر لأنه ثمة عوامل وأسباب ندعي فيها المهارة المختلفة القابلة للتغير والتبدل الذين نلعب بهما هذه الأدوار التي تؤثر بشكل مباشر في حياتنا.

إنّ أرسطو يخبرنا أن لدينا غريزة للمحاكاة أو التمثيل وإننا نتعلم أول دروسنا عن طريق استخدامنا لهذه الغريزة، وهنا ينتهي أرسطو بالإشارة إلى اللذة التي يجدها الناس دائماً في التمثيل، فهو عندما يخبرنا عن غريزة المحاكاة و أهمية لعب الأدوار عند الأطفال، يقصد هنا أنهم يتعلمون دروساً عن طريق استخدام هذه الغريزة، وذلك من خلال تطهير النفس والعواطف التي طرحها في نظريته للتطهير والتي غايتها هي تطهير النفس من المأساة بإثارة انفعالي الخوف والشفقة، فيقول هنا إن الإنسان يتمتع بمشاهدة مسرحية أو تمثيل للحياة، إذ انه بعمله هذا يمكن لمشاعر الشفقة والخوف إن تستثار بعنف ثم تزال بالتطهير، وذلك بإحساس التفريج المتولد عن أن الكوارث التي عانتها الشخصيات على خشبة المسرح لم يصبه شيء منها، ص8 . (لويس فارجاس).(ألمرشد ألئ فن المسرح) .

وقد أشارت (إيمان البقاعي) في كتابها ( قاموس ألعاب الأطفال) إلى أن أرسطو يعتقد كذلك أن الأطفال يجب أن يشجعوا على اللعب بما سيكون عليهم أن يفعلوه بشكل جدي كراشدين وهذا ما لفت انتباه كبار المصلحين التربويين وعلماء النفس والفلاسفة على الفكرة وتقبلوا بشكل متزايد فكرة أن التربية ينبغي أن تأخذ في اعتبارها ميول الطفل الطبيعية ومرحلة نموه حتى يصل الأمر إلى الإقناع بأن اللعب عبارة عن تفتح لبراعم الطفولة ، لقد أكدت الخطط التعليمية في أغلب دول أوروبا على استخدام اللعب الدرامي كمكان للتفريغ والتعبير عن ما في دواخل الأطفال ، لذلك أخذ أهمية كبيرة لدى المتخصصين في شؤون الأطفال.

الاستنتاجات:

نخلص مما سبق ذكره بما يتعلق بمفهوم اللعب إلى فوائد عديدة أخرى ضمن نطاق استخدامه:

1ـ يضيف مفاهيم وأفكار جديدة للطفل عن نفسه وعن الآخرين من خلال المعايشة في بيئة اللعب

2ـ يقوي بناء جسم الطفل وخاصة الضعيف بدنياً من خلال الحركة.

3ـ يساهم في تقوية الرغبة لدى الطفل المنعزل إلى الدخول وسط محيط اللعب.

4ـ يساعد على خلق أفكار جديدة من خلال التجربة والبحث العملي والتعلم من الأطفال الآخرين.

5ـ يزيل عامل الإحساس بالخوف والفزع من الصغار والكبار، وبالتالي يزرع الثقة في نفس الطفل.

6ـ يقوي لغة الطفل ويساعد في تشخيص ومعالجة بعض المشاكل النفسية والاجتماعية.

7ـ يمنح الطفل الشعور بالمتعة أثناء عملية التعلم .

8ـ يتدرب الطفل على العمل المشترك واحترام سماع الرأي الآخر.

9ـ يساعد الطفل على تقبل الفشل أثناء اللعب.