أخبار أدبية

المدرسة العليا للأساتذة تستضيف الأديب عبد العزيز الراشدي

المدرسة العليا للأساتذة تستضيف الأديب عبد العزيز الراشدي

1173 مشاهدة

خصصت سلسلة "تجارب إبداعية حلقتها (28) للمبدع عبد العزيز الراشدي، بوصفه وجها إبداعيا مرموقا يمثل ثقافة الجنوب والصحراء، وبوصفه كاتبا يتنقل بين أجناس خطابية متعددة، الرحلة، والقصة، والرواية، وقد استهلت الحلقة بتقديم الكاتب من قبل الباحثة نوال الغنم التي ارتأت أن تقدمه من خلال قراءة في كتابة المتميز "يوميات سندباد الصحراء".وركزت الباحثة في مداخلتها على خصوصية الكتابة عند عبد العزيز الر اشدي التي وصفتها بكونها إبداعا يستقي جوهره من سحر الكلمة، ومن التعبير واسطة طاقتها الجمالية الحديث عن هموم الإنسان الذي يحمل في داخله الوطن أينما ارتحل. وقبل الولوج في استنطاق أسرار النص وقفت عند العنوان مفككة دلالات السندباد في الحكي العربي، وكيف استثمر هذا الاسم على نحو جديد يرتبط بالعصر، فاكتسى معها دلالات جديدة.  ورأت الباحثة في يوميات الكاتب الرحلية نوعا من الدهشة التي تجعل من المكان موضوعا لها، وتتخذ منه نافذة لتطل على علاقة الإنسان بالآخر، ومن ثمة يكون المكان سفرا في عمق ثقافي يُرى إليه من الاختلاف بوصفه مؤشرا على حضور نوعي في الزمن لهذا الآخر. ولم يفت الباحثة الوقوف عند تواريخ الرحلات المختلفة وإغفال الكاتب ترتيبها محاولة تحويل هذه الأسئلة إلى فرصة لاستخلاص دلالات في هذا الصدد، ولربما كانت الدهشة هي الناظم الأساس للمحطات المكانية التي يتناولها الكتاب بالوصف المتأمل. إن الأمكنة التي تستحوذ- تقول الباحثة- على عبد العزيز الراشدي ذات ملمح غربي، بينما الأمكنة العربية تكاد تنمحي، أو تغيب من كتابه "يوميات سندباد الرحلة". وهذه الملاحظة قادتها إلى التساؤل عن السبب وراءها، هل الأمر يتعلق بعوائق تعود إلى عدم استساغة العالم العربي الكتابة المعرية للمكان خارج الطابوهات المكونة للرؤية إليه من قبل مواطنيه.

    بعد ذلك تدخل المحتفى به ليتحدث عن تجربته المميزة في الكتابة، فتحدث عن جنس الرحلة وخصائصه، وكيف يرى إليه، وعن علاقته بالأمكنة، وبخاصة منها تلك التي تجعله يدرك ذاته انطلاقا من الفسح التي تسمح له بطرح الأسئلة المقلقة جول ما إذا كان الإنسان تشكله العلاقة بالمكان أكثر من أي شيء آخر، وقد نبه إلى ضرورة تجاوز النظرة الغرائبية في الكتابة عن المكان، والتوجه إلى الحفر في طبقاته لاكتشاف الجوهر الإنساني العميق الذي يكمن خلف المكان، لا بوصفه فضاء فيزيائيا وهندسيا متصفا بالجمال فحسب، بل بوصفه أيضا حركة متنوعة تفضي إلى فهم أسلوب الثقافات في تدبير العيش. ثم انتقل الكاتب إلى حديثه عن روايته الأولى، وعن هوسه فيها بالمكان أيضا، ومحاولة القبض على أسراره، وقد نبه إلى أن هذه الرواية أرادت أن تهتم بالصحراء من حيث هي بناء ثقافي مميز، ومن حيث هي تطرح إشكالية اللامحدود في علاقته بالمحدود. وكيف يعد الإنسان الذي يعيش في هذا الفضاء في تكوينه امتداد لهذه الإشكالية. أما في أثناء حديثه عن روايته الثانية، فقال بأنه طور إمكاناته الروائية ووسيلة السرد فيها على نحو صارت معه الجملة السردية أكثر اهتماما بالصياغة الجمالية التي تمنح حركة السرد تنوعا جماليا. وبين كيف أنه انتقل إلى موضوع مخالف للموضوع التي عالجته روايته الأولى "بدو على الحافة"، فهو أراد من هذه الرواية تصوير مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، والتي عرفت التباسات عديدة على مستوى الفعل السياسي النضالي، وعلى مستوى تعاطي الشخصية مع هذه المرحلة، فتيمة الحب في إبدالاتها الروائية مستخدمة من أجل بناء ملمح جمالي تشخّص عبره العلاقة بين ما هو خاص شخصي، وما هو عام.

    تدخل الأستاذ عبد الرحيم جيران في مداخلة مطولة اثنى فيها على تطور تجربة الكاتب على نحو لافت للنظر، وبرهن على ذلك من خلال الجملة السردية المنتهجة في رواية "مطبخ الحب"، فرأى فيها أن أصبحت طويلة وأكثر قوة، ومفعمة بالحكمة، وتستند إلى استثمار المعرفة، وبخاصة فك ارتباط الجملة الروائية بالجملة القصصية. ولم يفت المتدخل الإشارة إلى ميزات جمالية طبعت هذه الرواية من قبيل إتقان لعبة الانتقال السردي بين مقاطعه المختلفة، والتلاعب بالأزمنة، والقدرة على الانتقال بين  أمكنة مختلفة، مما جعل من الفضاء الروائي متسما بغنى جمالي ملحوظ.  

 

    وتدخل الكاتب مرة أخرى بعد أسئلة الطلبة، فأشار إلى أهمية التنوع في الكتابة، لكنه ربط هذا التنوع بضرورة الإخلاص للسرد، وجعله حاسما في تنظيم الكتابة. ولم يفت الكاتب الإشارة أيضا إلى ضرورة ربط ما هو جمالي بالتجربة الشخصية، وبالمعرفة، والاطلاع على التجارب المختلفة في مجال الرواية، وبخاصة منه العالمية. وفيما يخص اهتمامه بالأمكنة الأوروبية بدلا من الأمكنة العربية، قال بأن أوروبا ديمقراطية وتتقبل الاختلاف، والنقد، والتعريف، لكن البلدان العربية ليست كذلك، للأسف، خصوصا في ما يتّصل بالاجتماعي، ويكون من الصعب البوح  بالحساسية تجاهها. أما في ما يخص اللغة الامازيغية، وإيراد ملفوظات منها في الكتابة، فصرح الكاتب أنه ينتمي إلى الجنوب؛ حيث تتلاقى عناصر ثقافية عديدة، منها ما هو إفريقي وأمازيغي وعربي وصحراوي. ولهذا فهو  يفتخر بانتمائه  لكل هذه المكونات، واستشهد للتدليل على اهتمامه باللغة الأمازيغية بنص كتبه يحمل عنوان "تولينينو"،  وهو نص يتخذ  من لفظة تولينينو تعلة لكتابته. وفي ما يخص سؤال التفاضل بين الأدب المغربي والأدب المشرقي عد الكاتب الأدب المغربي  منافسا قويا، وليس تابعا لأي أدب آخر. وأنه يعرف تراكما قويا على جميع المستويات. وفي الختام ذكر الكاتب برغبته القوية في الكتابة دائما عن ثقافة الصحراء، وسيتوسل في ذلك بجنس الرواية.

التعليقات

اترك تعليقك هنا

كل الحقول إجبارية