حوار مع مبدع

المسرحي فرحان بلبل النص الذي انقضى عصره يعاد إعداده إلى الحياة بحيث يناسب العصر الجديد

المسرحي فرحان بلبل النص الذي انقضى عصره يعاد إعداده إلى الحياة بحيث يناسب العصر الجديد

45 مشاهدة

#كتابه النص المسرحي الكلمة والفعل مرجع لبعض كليات الدراما العربية

المسرحي فرحان بلبل النص الذي انقضى عصره يعاد إعداده إلى الحياة بحيث يناسب العصر الجديد

 تشرين ثقافة وفن

#حوار _نضال _بشارة

#المسرحي _فرحان _بلبل _خاض في مجال الكتابة والبحث والنقد والإعداد والإخراج، وساهم في تأسيس فرقة المسرح العمالي بحمص عام 1973، وظل يترأس إدارتها لعام 2011، وقد شارك في لجان تحكيم مهرجانات مسرحية عربية ومحلية عديدة، وكرّم في بعضها كما كرم في أكثر من مدينة سورية. يتميز من بين أقرانه المسرحيين باشتغاله في التأليف المسرحي والاقتباس والإعداد (للكبار والأطفال) وبكتابته التأريخية والنقدية والتعليمية والتنظيرية في المسرح، التي تجلّت في كتبه التي باتت مراجع مهمة على المستويين المحلي والعربي. وقد تنوعت تجربته من خلال الممارسة العملية على خشبة المسرح وفي كواليسه، مخرجاً ومدرباً للتمثيل ومدرساً لمادة الإلقاء في المعهد العالي للفنون المسرحية. عاد مؤخراً من القاهرة بعد مشاركته في فعاليات معرض الكتاب الدولي، عن هذه المشاركة كان اللقاء الآتي:

• كتابك (النص المسرحي: الكلمة والفعل) الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، استعرضت في قسمه الأول (الكلمة) أركان الدراما في شكلها القادم الذي يمكن أن تكون عليه بعد تخليصها من شوائبها، وفي القسم الثاني (الفعل)عرضت أسلوب تجسيد النص المسرحي على الخشبة، وكيف تتبادل الخشبة مع النص التأثر والتأثير، ومحفزات كتابك هذا – كما وردت في حناياه – هي انحسار حضور النصوص المسرحية وما أصابها من ضعف درامي، وغايتك منه التحفيز على كتابة النص المسرحي القوي لكن وفق شروط جديدة، من دون تواضع، ألا يستحق كتابك أن يُدرَّس في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق؟

•• لم أسأل نفسي هذا السؤال، ولا شك في أن لأساتذة الدراما في المعهد – وهم ذوو باع طويل في المعرفة – أبحاثهم الخاصة بهم، وأظن أنه يمكنهم – إن أرادوا – أن يستنيروا بما قدمته من رؤية متقدمة لأركان الدراما، ولكني أعرف تمام المعرفة أن كتابي هذا صار مرجعاً في عدد من كليات الدراما في عدد من الأقطار العربية. ولكل إنسان الحق في أن يختار ما يريد من أسلوب في التعليم.

• لماذا أعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب طباعة كتابك هذا دون غيره، وذلك بعد أكثر من سبعة عشر عاماً من صدور طبعته الأولى في اتحاد الكتاب العرب بدمشق؟

•• لعل الهيئة وجدت في كتابي هذا ما رأيته أنت وغيرك من أساتذة الدراما في بعض الجامعات العربية من أهمية في ميدانه، فأعادت طبعه رغم أنه مطبوع من قبل، ولها الشكر على ذلك.

• تقول في مقدمة كتابك: إن الإمبريالية في شكلها الجديد أغرقت البشرية في نتاج جمالي فارغ المحتوى، فكان أن استقر المسرح على الشكل الذي صار عليه، كما استقرت بقية أنواع الفنون والآداب على الشكل الذي نعرفه اليوم. فإن كنت أوافقك– على الأعم الأغلب – فيما آل إليه المسرح، فإن المسألة ليست دقيقة فيما يخص بقية الفنون. فثمة شعر ورواية وأفلام روائية ومسلسلات تلفزيونية – وعددها ليس بالقليل – لا تندرج تحت تعميمك. وهي تُعنى بالحوامل الفكرية التي تدافع عن قضايا الإنسان وإن تزينت بحوامل فنية جديدة. فماذا تقول؟

•• أتمنى أن يكون كلامك صائباً وكلامي خاطئاً. فأنا أغتبط بكل ما يدافع عن الإنسانية وعن قضاياها. ولا أنكر أن هناك فنوناً وآداباً تقوم بهذه المهمة، لكن إلى جانبها هناك طوفان من النتاج الفني والأدبي ينقض ما تقدمه تلك التي تدافع عن الإنسان. ولعل تذكيرك بأفلام «الأكشن» المرعبة والمسلسلات القائمة على الحروب ووحشيتها بشكل فاتن خير دليل على انحياز الفنون الجديدة إلى تدمير الروح الإنسانية، وحاول أن تشاهد المحطات الموجهة إلى الأطفال والعربية منها على الخصوص، فسوف تَعجب كل العجب من العنف الذي يسودها. ولو حاولت الاستماع إلى تعليقات الأطفال على ما يشاهدونه، لتكررت على مسامعك ألفاظ مثل: (قتله – دهسه – دمَّره ) مرفقة بالضحك والسرور، ولو أتيح لك أن تطلع على كثير من الروايات التي لم تترجم إلى العربية، لوجدتها مملوءة بالجنس الداعر والعنف الإجرامي. مرة أخرى أقول: أتمنى أن أكون مخطئاً وأنت المصيب.

• ليس هو الكتاب الأول الذي طبع لك خارج سورية، فلعلك تذكرنا بكتبك التي طبعت خارجها، سواء في مصر أو الإمارات أو غيرها، أو أعيدت طباعته في سورية.

•• أول كتاب صدر لي في مصر هو (المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً)، وقد صدر ضمن منشورات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1998. والجدير ذكره أن المهرجان ظل عشرين عاماً يصدر كتباً مترجمة عن عدة لغات. وكتابي هذا هو الكتاب الوحيد لكاتب عربي. ثم أصدرت مكتبة «مدبولي» في القاهرة طبعة ثانية لكتابي (أصول الإلقاء والإلقاء المسرحي) الذي صدر قبل ذلك عن المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق. ثم أصدرت الهيئة العامة المصرية للكتاب في عام 2013 كتاب (سلطان السرور ومسرحيات أخرى)، وفي هذا العام أصدرت الهيئة كتابي هذا، وفي لبنان صدر لي مسرحية (القرى تصعد إلى القمر) عن دار الكلمة و(ثلاث مسرحيات غير محايدة)، وفي دولة الإمارات صدر لي (شؤون وقضايا مسرحية) عن مجلة دبي الثقافية عام 2012، وعن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة صدر لي (أصول الإلقاء) عام 2012 و(مراجعات في المسرح العربي) عام 2016 ومسرحية (الممثلون يتراشقون الحجارة) عام 2012، وسيصدر كتاب (أصول الإلقاء) عن دار الينابيع في دمشق قريباً.

• أستعيد معك ما جاء في كتابك من أن النصوص المسرحية بعامة تموت بعد ثلاثين سنة أو تزيد، هل هو دفاع مسبق عما قد توسَم به نصوصك المسرحية؟

•• ليس هذا ما قلته، بل قلت إن المسرح في تاريخه الطويل عرف عدة موجات كبيرة. وكل موجة لم تعش أكثر من ثلاثين عاماً. وضربت مثلاً على ذلك بالمسرح اليوناني الذي لم يعش في ازدهاره أكثر من هذه المدة. وكذلك مرحلة «شكسبير» والكلاسيكية الفرنسية وغيرها، ومرحلة الازدهار المسرحي العربي العظيمة عاشت بين منتصف ستينيات القرن العشرين ومنتصف ثمانينياته، فهذا الحكم استخلصته من مراجعة تاريخ المسرح، لكن كل موجة كانت تنتج عدداً كبيراً من النصوص، فلا يبقى منها أبد الدهر إلا القوي في بنائه الدرامي وعمق إنسانيته، ومسرحياتي –كمسرحيات جيلي – سيغربلها الزمن شئنا أم أبينا، فيبقى منها ما هو قوي في بنائه الدرامي وعمقه الإنساني، والنقاد الذين شاركوا في ندوة مناقشة كتابي هذا في القاهرة وقفوا طويلاً بإعجاب عند هذه النقطة لأنها تجلو تاريخ المسرح وتضعه في تصنيفه الصحيح.

• على الرغم من أنك تؤكد ضرورة إحياء النصوص الميتة من خلال إعدادها بيد كاتب أو معدّ محترف، فإلى ماذا تعزو استمرار مشاهدتنا عروضاً تعتمد على نصوص ميتة لا تلقى أي تفاعل من المتفرجين؟

•• في كلامك مغالطة وتحريف لما قلت. فأنا أؤكد أن كل نص مسرحي يبدأ يموت بعد الانتهاء من كتابته رغم كل قوته. وذلك لأنه يخاطب جمهور عصره، لكنه في الوقت نفسه يحمل عناصر بقائه. وهذا هو سر المسرح الأكبر الذي كثيراً ما نجهله أو نتجاهله.

• توضيح: ربما خانني التعبير فالذي قصدته بسؤالي أن ما يعرض هو نصوص لم تُعدّ بشكل يناسب العصر الذي يعيش فيه جمهور المسرح اليوم!

•• النص الذي انقضى عصره يعود إلى الحياة بالإحياء، أي بإعداده بحيث يناسب العصر الجديد الذي يُقدَّم فيه، ولهذا لا نزال نشاهد المسرح اليوناني والشكسبيري والفرنسي وغيرها، ونتمتع بها كأنها كُتِبت لنا، ولو راجعت ما قُدِّم من هذه المسرحيات لوجدت أن الرائع منها تم إعداده بمهارة. والمسرحيات العربية الشامخة قادرة اليوم على العيش فوق خشبة المسرح بجدارة مدهشة، لكن المسرحيين العرب اليوم يخافون منها لأن أكثرهم لا يملك المهارة اللازمة لإحيائها وإظهار عظمتها، وأجزم أنه لن يستطيع المسرح العربي أن يستعيد عافيته ويرسم مرحلة صاعدة جديدة إلا إذا عاد إلى النصوص القوية الأجنبية والعربية بعد إحيائها بأقلام المعدّين الماهرين، وسوف يكون ذلك دافعاً للكتّاب الجدد لكي يكتبوا نصوصاً قوية لم نعد نرى الكثير منها، وابتعاد المسرحيين عن هذه النصوص القوية أو خوفهم منها هو الذي يجعل الكتّاب الشباب عاجزين عن تقديم النصوص الجديرة بالوقوف على خشبة المسرح رغم مواهبهم الرفيعة في التقاط سمات العصر وأوجاعه، فهم يحسّون بما يجري حولهم، وينفذون إلى آلامه وآماله، لكن تخذلهم قوة البناء الدرامي، وأنا أقول هذا القول لأنني قرأت أو شاهدت عشرات المسرحيات العربية التي تبهرك بموضوعها، وتخذلك ببنائها، ولعل كتابي هذا الذي صدر أخيراً عن الهيئة المصرية للكتاب أن يهديهم سواء السبيل في كتابة النص المسرحي القوي.

• كيف وجدت فعاليات معرض الكتاب في القاهرة، وما المتميز فيها وترى أنه يمكن أن يُعمَّم على بقية المعارض، وماذا عن دعوتك لندوة أقيمت عن كتابك لو تسلط لنا الضوء عليها؟

•• احتل المعرض مساحة واسعة تجعله أشبه بمدينة، وشارك فيه 150 دار نشر، وزاد رواده على خمسة ملايين شخص، وفيه المقاهي والمطاعم، فهو ارتياد للمعرض ونزهة تقوم بها الأسرة بكاملها من الأم والأب والأولاد، والأهم من ذلك أنك تشاهد عشرات الشباب والشابات يحملون أكياس الكتب التي اشتروها بحيث تُكذِّب قول من يقول: إن العرب لا يقرؤون، وترافق المعرض مع نشاطات ثقافية كثيرة، وكان نصيبي منها أنه عُقِدت ندوة عن كتابي الصادر عن الهيئة، وكان ذلك في مدينة المعرض، وأقيم لي أيضاً في «أتيلييه» القاهرة حفل تكريمي تحدثت فيه عن تجربتي المسرحية الطويلة التي دامت أكثر من خمسة وأربعين عاماً، وفي شوارع المعرض كانت تسير مواكب عسكرية ومدنية موسيقية تغني للوطن، وبهذا الشكل تحولت أيام المعرض إلى احتفالات متنوعة، ولعل تحويل معرض الكتاب في بلدنا وفي أي بلد عربي إلى مناسبة نزهة وفرح يجعل روادها يكثرون، ولعل ترافق أي معرض مع نشاط ثقافي يجعله معرفة وثقافة إلى جانب المتعة التي يتيحها.