أخبار الهيئة العربية للمسرح

المهرجان الوطني للمسرح في عدن هل يشكل بداية لمرحلة جديدة

المهرجان الوطني للمسرح في عدن هل يشكل بداية لمرحلة جديدة

65 مشاهدة

المهرجان الوطني للمسرح في عدن هل يشكل بداية لمرحلة جديدة

حمد الأغبري

المصدر: القدس العربي

صنعاء-“القدس العربي”: مجرد تنظيم تظاهرة مسرحية لمدة عشرة أيام في مدينة عدن في بلد يعيش حرباً ويواجه تحديات كبيرة أبرزها المجاعة والتشظي، يمكن اعتبارها تجربة ناجحة على ما شابها من مشاكل وعانته من قصور؛ فيكفي أنها منحت الناس فرصة للخروج من بيوتهم والذهاب للمسرح. هكذا يرى المتفائلون بما حققته الدورة الأولى من المهرجان الوطني للمسرح في عدن، والذي نظمته وزارة الثقافة خلال الفترة 10-20 كانون الأول/ديسمبر بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح في الشارقة.

ومن بين تسعة عروض اشتمل عليها برنامج المهرجان أُعلن الخميس الماضي خلال حفل الاختتام وتوزيع الجوائز، فوز مسرحية “ميس” للكاتب هايل المذابي والمخرج أحمد جبارة، بجائزة المهرجان لأفضل عمل مسرحي متكامل، كما فاز الفنان أحمد اليافعي، بجائزة المهرجان لأفضل ممثل، وذلك عن دوره في مسرحية “اللقاء العظيم”.

الآن وبعد الانتهاء من الدورة الأولى لهذا المهرجان بما له وما عليه، وفي حال انتظام دوراته السنوية على أساس أن تنظّم كل دورة في محافظة مختلفة، يمكن أن نقول إنه قد يسهم في إخراج المسرح اليمنيّ من حالة الموت السريري التي يعيشها منذ نحو ثلاثة عقود، بل سيكون تأثير المهرجان فاعلاً وسريعاً في حال أخذ منظموه في اعتبارهم الحرص على تكريس تقاليد فنية مدروسة تتجاوز مشكلات الحرب والسياسة، وتُعيد الاعتبار للفن في حياة المجتمع بما يُغذي الحاجة لثقافة التسامح والسلام في مواجهة ثقافة العنف والاقصاء والتمييز.

 انتقادات

لقد تعرّضَ المهرجان لانتقادات كثيرة خلال فترة التحضير وفي أثناء برنامج العروض، واتهمت بعض تلك الانتقادات لجان المهرجان بارتكاب مخالفات أبرزها الفساد وغياب العدالة في التعامل مع الفرق المشاركة بما في ذلك هضم الحقوق المالية، وهو ما أعلن عنه مؤلف ومخرج مسرحية “استراحة المقاتلين” منير طلال، في بيان إعلان انسحاب مسرحيته من المهرجان قبيل يوم واحد من انطلاق العروض. وكانت مسرحيته هي العاشرة في برنامج المهرجان، لتقتصر عروض المهرجان، عقب انسحابها، في تسعة عروض.

المدينة والمهرجان

واجه المهرجان تحديات ومشكلات، منذ انطلاق فكرته، فعند اختيار مدينة عدن لاستضافته باعتبارها العاصمة المؤقتة للبلاد؛ كانت المدينة تفتقد لخشبة عرض مسرحي مؤهلة؛ وهو ما مثل أولى المشكلات؛ فكان العمل على تأهيل مسرح “حافون” وقاعة ابن خلدون في جامعة عدن، إلا أن تأهيل هذين المسرحين استغرق وقتاً طويلاً طالت معه فترة التحضير وتأجل معه موعد المهرجان.

 ومن ضمن ما واجهه المهرجان، كانت إشكالية الاسم أيضاً، فبمجرد الإعلان عن المهرجان تحت اسم “مهرجان اليمن للمسرح الوطني” لم تمض سوى فترة قصيرة حتى ارتفعت أصوات في عدن تطالب بتغيير الاسم بهدف إسقاط كلمة “اليمن” من التسمية؛ ليُفاجئ المتابعون بإعلان اللجنة التحضيرية تغيير الاسم إلى”(مهرجان عدن للمسرح الوطني”. وفي تبرير ذلك نفى مدير المهرجان أحمد حسين متحدثاً حينها لكاتب السطور أن يكون تغيير الاسم ناتجاً عن رؤية سياسية مناطقية، وإنما استجابة لمنطق الواقع، فالمهرجانات الفنية تحمل أسماء المدن التي تستضيفها على حد قوله.

وعلى الرغم من اعتماد الاسم الجديد من قبل اللجنة التحضيرية وإصدار شعار جديد وتعميمه فوجئ المتابعون، أيضاً، بتعثر تنظيم أول مؤتمر صحافي يتضمن الإعلان عن موعد وبرنامج المهرجان، وعقب تأجيل المؤتمر الصحافي وتأجيل المهرجان فوجئ المتابعون كذلك بإن التحضيرات الأخيرة للمهرجان جاءت باسم جديد، ما يؤكد أن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة (ممول المهرجان) أقرت اسم (المهرجان الوطني للمسرح – عدن).

وأوضح مُحمَد الرخم مخرج مسرحية “البريئة” التي شاركت ضمن عروض المهرجان، أن الهيئة العربية لم ترفض الاسم الثاني، وإنما رأت أن يكون الاسم شاملا لليمن، ليحمل معه في كل دورة أمس المدينة المستضيفة، بحيث يكون تنظيم المهرجان كل عام في مدينة من مدن البلاد.

العروض

على صعيد النصوص المشاركة استقبلت لجنة إجازة النصوص (27) نصاً واختارت منها عشرة نصوص للمشاركة في المهرجان، وهنا اقتصرت المشاركة على بعض المحافظات مقابل غياب أخرى، إلا أن إدارة المهرجان أوضحت أن الجغرافيا لم تكن ضمن معايير قبول النصوص بل الجودة الفنية، إلا أن ذلك وَضعَ المهرجان في مرمى انتقادات واتهامات أهمها ممارسة الاقصاء المناطقي لبعض المحافظات.

واشتملت عروض المهرجان على مسرحيات: “اللقاء العظيم” تأليف علي باكثير وإعداد وإخراج علي يافعي (عدن)، “إنسى” تأليف عباس الحايك وإعداد سعيد عاطف وإخراج الدكتور عبد السلام عامر(أبين)، “الطوق” تأليف محمود الورواري وإخراج محمد اليافعي (عدن)، “إغراء السنابل” تأليف خالد القحوم وإخراج عبدالهادي التميمي (حضرموت)، “الجوال” تأليف إبراهيم الشاش وإخراج ياسر سّلام (عدن)، “زبد” تأليف وإخراج عمر مكرم (عدن)،”هاملت يستيقظ متأخراً” تأليف ممدوح عدوان وإخراج عدنان ناشر (الحديدة) “ميس” تأليف هايل المذابي وإخراج أحمد جبارة (تعز) “البريئة” تأليف مختار مقطري وإخراج محمد الرخم (عدن).

تفاؤل

 وعلى الرغم مما رافق المهرجان من اختلالات حملتها شكاوي بعض المسرحيين من بعض الإشكالات مع لجان المهرجان، إلا أن ذلك لا يقلل من قيمة التجربة ونتائجها التي يرى المخرج محمد الرخم أنها ايجابية قائلاً “من الطبيعي أن يرافق أي عمل العديد من السلبيات والأخطاء، وقد سمعنا من الزملاء عن بعض الإشكالات التي واجهوها مع لجنة المهرجان، لكن هذا لا يقلل من قيمة المهرجان باعتباره تجربة جميلة في مرحلة حرجة؛ تجربة التقت فيها الفرق الفنية الآتية من عدد من المحافظات، وقدموا عروضاً جميلة لقيت إقبالاً من الناس الذين تعبوا من الحرب وتوافدوا لمشاهدة هذه الأعمال التي منحتهم فرصة لتنفس هواء الفن بعيداً عما يعانونه من تداعيات الحرب. ثمة نتائج إيجابية ملموسة للمهرجان علينا إلا نتجاهلها مهما كانت السلبيات”.

وأشار إلى أن “جميع الأعمال التي شاركت في المهرجان لم تكن لها علاقة بالحرب، بل ناقشت قضايا ثقافية واجتماعية برؤية إنسانية راقية، وبالتالي اعتبر المهرجان تجربة ناجحة مهما كانت المعوقات وجديرة بالدعم لاسيما في هذا الظرف، حيث يظهر الفن فاعلاً ومؤثراً في وجه ثقافة الصراع”.

 مكسب ثقافي

كتاب مسرحيون في صنعاء لم يتسن لهم المشاركة في المهرجان لكنهم نظروا إليه بإيجابية “باعتباره مكسبا ثقافيا كبيرا ومن المهم المحافظة عليه” كما يقول الروائي والكاتب المسرحي وجدي الأهدل، منوهاً بأهمية المهرجانات المسرحية في إعادة الاعتبار للمسرح، وقال: “في سنوات التسعينيات كان هناك مهرجان باكثير المسرحي في صنعاء، وفيه قُدمت على خشبة المسرح أعمال مسرحية يمنية عالية المستوى، ولعلي اتجهتُ إلى الكتابة للمسرح بسبب مشاهدتي لتلك العروض الحية، ورؤية الممثلين يصولون ويجولون على الخشبة، والتفاعل العاطفي الذي يبديه الجمهور مع أحداث المسرحية. تلك الحفلات المسرحية الراقية هي التي جعلتني شغوفاً بالمسرح قراءة وكتابة”.

وتابع: “في بداية العام تواصلت مع اللجنة التحضيرية للمهرجان، وأشعرتهم برغبتي في التقدم إلى لجنة النصوص بنص مسرحي، ولكنني تلقيتُ رداً يفيد بأن موعد استلام النصوص المسرحية قد فات. لقد وجدتُ أن ردهم عليّ يُعد في حد ذاته أمراً حسناً. كنت آمل فقط أن يقبلوا باستلام نصي المسرحي لعرضه على لجنة النصوص، ولكن لا بأس، ربما يتحقق هذا الأمل في السنوات المقبلة إن شاء الله”.

في الأخير

 بين المنتقدين والمتفائلين بتجربة المهرجان لا يمكن تجاهل قيمة التجربة؛ فتنظيم الدورة الأولى منه في ظل ما تعيشه عدن وغيرها من المحافظات من ظروف يمثل انتصاراً لقيم الفن/الانسان؛ علاوة على أهميته بالنظر إلى ما يعانيه المسرح اليمنيّ من مشاكل. وبالتالي فهذا المهرجان بادرة جيدة، وسيكون لهذه التجربة، في حال انتظام دورات المهرجان سنوياً، نتائجها الإيجابية، وبخاصة على صعيد إخراج المسرح اليمنيّ من حالته الراهنة وتمكينه تدريجياً من إعادة الاعتبار لثقافته ومكانته وتأثيره.

وشهد اليمن أول عرض مسرحي حديث عام 1904من خلال فرقة هندية قدمتْ إلى عدن، فيما شهدت المدينة أول عرض مسرحي يمنيّ عام 1910 وهو العام نفسه الذي شهد تأسيس أول فرقة تمثيل يمنية.

ومر المسرح اليمني بعددٍ من المراحل ليشكل عقدا السبعينيات والثمانينيات أزهى مراحل تجربته، والتي ظهر فيها عددٌ كبير من الفرق على مستوى المحافظات؛ وتوفرت العديد من خشبات العروض وانتظمت العديد من البرامج، إلا أن ما شهده المسرح منذ التسعينيات من تهيش سياسي وديني كان كفيلاً بالقضاء على ما تحقق له في المرحلة السابقة، إذ فقد المسرح أبرز مقوماته وتلاشت كثير من إمكاناته، وانحسرت تجربته في أعمال مناسباتية اختفت تماماً خلال الحرب.