دراسات أدبية

جدلية الانتماء والخيانة في مسرحيات يوسف الصائغ

جدلية الانتماء والخيانة في مسرحيات يوسف الصائغ

45 مشاهدة

جدلية الانتماء والخيانة في مسرحيات يوسف الصائغ

مجلة الفنون المسرحية

#جدلية الانتماء والخيانة في مسرحيات #يوسف الصائغ

#صباح _هرمز _الشاني

 

1- #ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب

2- #الباب بين عصرنة المثيولوجيا والانتماء

3- #العودة بين الخيانة والانتماء

 

أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب

مثلما أستقى "يوسف الصائغ" مسرحية (الباب) عن قصص الف ليلة وليلة، واستفاد منها، ووظفها في مسرحيته هذه، كذلك فقد أتبع نفس المنحى، بالتعويل على مسرحية(عطيل) لشكسبير في مسرحية (ديزدمونة)، من حيث عصرنة أحداثها، وسحبها من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين، ورسم ابعاد شخصياتها، بما تحدو الخيانة فيها، تنتقل من شخصية واحدة الى خمس، اي بإضافة اربع شخصيات اخرى، وهى عطيل وديزدمونة واميليا وكاسيو، وهي كل شخصيات المسرحية تقريبا لتغلف بذلك الخيانة الجو العام للمسرحية ويسود مبدأها المطلق بدلا من النسبي.

+ ولإشاعة هذه الحقبة مناخاتها، فقد استخدم المؤلف الوسائل الحديثة التي كانت غير متوفرة ومعروفة في القرن السابع عشر، كألة التسجيل، وصوت منبه السيارة، ورنين جرس الهاتف، والحقنة، بالإضافة الى استحداث شخصية (المحقق) باعتباره ممثلا عن القانون.

يعتمد المؤلف على احداث المشهد الثاني من الفصل الخامس لمسرحية (عطيل) شكسبير المتكونة من فصلين والدائرة في سرير( ديزدمونة)، ويرتئي "الصائغ" أن يطلق على المكان الذي تنام فيه ديزدمونة ( مخدعها )بدلا من سريرها، كما ويؤاثر أن تضيء الشموع غرفتها بدلا من مصباح شكسبير، وان يبدأ عطيل أول ما تبدء المسرحية بجملة (ازفت الساعة فليكن ما يكون ) بدلا من جملة ( تلك هي العلة يا نفسي )، وكلا الجملتين تعطيان نفس المعنى، وهو ضعف رجوليته وهذه الجملة المعروفة تأتي على لسان ( ياكو) في ديزدمونة بعد مرور خمس صفحات على بدايتها، ولكن ليس بنفس المعنى وإنما لاستعادة الكون انسجامه.

ولو أمعنا في الجمل التي جاءت في بداية المسرحيتين، تحديدا في الصفحتين الاولين منهما، لوجدنا تقاربا وتشابها كبيراً بينها، على سبيل المثال: ديزدمونة في (عطيل): أتذكر الموت؟

وفي ديزدمونة: وأي موت؟.

 ديزدمونة في (عطيل): لا..لا الان... (أي لا اريد ان أموت الان).. في ديزدمونة: لو أنتظرتني إلى غد... (أي لو قتلني غدا)...

وفي كلا المسرحيتين يقبل عطيل ديزدمونة قبل خنقها ديزدمونة في عطيل: ليس من المألوف قتل المحب من اجل حبه. عطيل في ديزدمونة: فنحن بسبب المحبة ولفرط الرجولة والشجاعة .. نتعب ونحزن .. ونخاف .. فنقتل زوجاتنا...

إن جديد هذه المسرحية بقدر ماهو انقلاب على احداث وشخصيات (عطيل) شكسبير مع الاحتفاظ بتسميتها الرئيسة وهى الصراع القائم بين الشرق والغرب او لنقل بين التخلف والتطور، يسعى المؤلف بمروره عبر هذا المنفذ ايجاد منافذ اكثر حداثة وعصرنة لها، وذلك من خلال اللجوء الى ترتيب اصطفاف شخصياته على أساسها الطبقي، ورسم أحداثها على ضوء ممارستها للخيانة، بتقسيم الشخصيات على فئتين، وتوزيعها وفق علاقتها مع بعضها، وبالمقابل خيانتها للآخر، وعلى هذا الاساس تضم الفئة الاولى كلا من عطيل وأميليا والفئة الثانية كلا من ديزدمونة وكاسيو وياكو وبذلك تكون ديزدمونة قد خانت عطيل مع كاسيو، وخانت أميليا ياكو مع عطيل.

قد تبدو الغرائبية في شخصية عطيل تجاه أميليا وبالعكس أميليا تجاه عطيل قياسا بمسرحية (عطيل) شكسبير، ولكن بالنسبة لمسرحيتنا هذه تتجرد العلاقة القائمة بينهما من غرائبيتها، ذلك لما تتسم به من مسوغ الاقناع، وتتلخص هذه المسوغ، بنأي ديزدمونة نفسها عن مخدع عطيل، للإهانة رجولته بهذه الطريقة الخسيسة، حيث ترتفع على طبقته، ولاتنتمي إلى انحداره البدوي المغربي حتى وإن كان قائدا للجيش في البندقية، وتلعب لون بشرتهما لون بشرة عطيل السوداء وبشرة كاسيو البيضاء، دورا كبيرا في هذا التمايز والتفاضل وهذا ما ينطبق على اميليا ايضا باعتبارها وصيفة ديزدمونة وزوجة رجل شرير معروف بالدسيسة والنميمة تطمح ان تحتل موقع ديزدمونة وتتبوأ مكانتها كعشيقة عطيل سيما ينحدران بالانتماء الى نفس الطبقة .

وثمة اكثر من جملة تأتي على لسان عطيل تعبر عن انحداره من الاصول الشرقية، وتبنيه لعاداتها وتقاليدها الباليين والمتخلفين، عقلا وفعلا.

1- عطيل: لماذا يتوجب على الرجل ان يكون رجلا وعلى المرأة ان تكون إمرأه .

2- عطيل: ترى بماذا تحلم هذه المرأة؟ وعلام تبتسم هذه الابتسامة اللغز؟ إن ذلك لعمري يمس المرء في رجولته.

3- عطيل: ما الذي يدفع رجلا مثلي إلى قتل زوجته؟

 قد يكون بسبب الحب .. او الغضب .. او الضجر.. من يدري؟

 صدقني لو كنت اعرف جوابا على سؤالك لما قتلتها...

واقتران المنديل كعنصر اساس في حبكة المسرحية بانجذاب أميليا إلى عطيل من جهة، وديزدمونة إلى كاسيو من جهة اخرى، وامتداد هذا العنصر كحلقة وصل بينهما بين الضدين، زاد من مسوغ توظيف هذا العنصر، باتجاه السير في خطين متوازيين إلى النهاية، وعدم رجحان كفة ميزان فئتي شخصياته الاربع التي اتخذت من وضعية التقابل شكلا لمعمارية بنائها المسرحي أميليا من خلال سعيها سرقة منديل ديزدمونة واكتشاف عطيل لهذه السرقة وإعطائه لها لتغدو هذه الحادثة ذريعة لاميليا للإفصاح عن كرهها لــ ياكو وحبها لــ عطيل، وكاسيو عبر ايجاد عطيل منديل ديزدمونة عنده ودعوته لمراقبتها.

1- عطيل: وهل تحسبين المنديل قادرا على ان يجعلك تحبينه، أحريصة انت على ذلك؟

أميليا: أه ياسيدي .. انه لعذاب أن نعيش مع من لا نحب..

2- عطيل: ما بالك ترتعش ايها الفارس .. ايكون ما تكتمه

فظيعا الى هذا الحد؟ صدق حدسي .. قل .. اذن .. ديزدمونة أليس كذلك؟

كاسيو: (لا يجيب)

عطيل: مع من يا صديقي؟

كاسيو: اشهر سيفك واقتلني .. فذاك أهون..

ونأي ديزدمونة بنفسها عن مخدع عطيل، تحت ذريعة إصابتة بالعجز الجنسي، ونفي أميليا لهذا الأمر له دلالتان، فاذا كانت الدلالة الاولى تشير الى عجز الشرق عن التقدم والتطور والانفتاح على العالم الخارجي بسبب اغلاق الغرب للمنافذ التي تؤدي إلى ذلك، فأن الدلالة الثانية، وإن كانت بهذا القدر أو ذاك تومئ إلى نفس المعنى عبر كشف أميليا علاقتها الجنسية بعطيل، إلا أنها في الوقت نفسه تمنح معنى مغايرا للمعنى الاول، وهو عدم عجز الشرق اللحاق بالغرب واختراقه فيما لو توفرت الظروف المتاحة والفرص السانحة له.

ان المؤلف يضخ مسرحيته بالرموز القابلة للتأويل بهدف تكوين تشكيلات جمالية من جهة كما في ميزانسين تقابل فئتيه، ومن جهة اخرى لإزالة بعض الغموض والضبابية القائمين في (عطيل) شكسبير، وخاصة في حوارات (ياكو) بعدم التميز بين الحوارات الجادة وغير الجادة، أو التي تنطوي على الاكاذيب، كما جاء مثلا في المشهد الأول منها تصريحه الكاذب بعدم معرفة (كاسيو) شيئا عمليا بالمرة عن الحرب.

أقول لإزالة هذا الالتباس، استعان بشخصية (المحقق) الرامز

إلى العصر الراهن والتكنولوجيا المتطورة، للتحري عن جريمة قتل (ديزدمونة) والعلاقة القائمة بين الشخصيات مضافا جعل هذه الشخصيات بألا تبقى على وعيها، أما عن طريق زرقها بالحقن كعطيل، أو تخديرها بالكحول كياكو، لترجع إلى واقعها وتصبح اكثر جرأة في قول الحقيقة، كما حصل لياكو في أول لقاء له مع المحقق، حيث أعترف حالا بتحريض عطيل على قتل ديزدمونة، أما في اللقاء الثاني فقد حاول التراجع عن اعترافه الاول بدعوى النعاس، إلا أن المحقق كان اكثر ذكاء منه عندما استعان بصوت اميليا لتنهار معنوياته ويرضخ للأمر الواقع. أما عطيل فبعد محاولة خنق ديزدمونة الفاشلة يفقد عقله حيث يقول بذهول: هش.. لا اسئلة.. كل سؤال هو جريمة جديدة داعيا اميليا الى السرير وطالبا منها أن تعطيه يدها والا تخاف منه، ذلك ماتلبث يدها أن تدفأ بين كفيه وهو يجلسها على السرير إلى جانبه، وهذا ما كاد ينطبق على تردد أميليا وكاسيو بعلاقة الاولى بعطيل، والثاني بديزدمونة، إلا انهما تحت ضغط المحقق وذكائه يستدرجهما إلى الكشف عن هذه العلاقة.

  1. المحقق: لا تغالي يا صاحبي إنني لأتحسس تحت لسانك قلبا ينبض لأسئلتي؟

كاسيو: فأكتف اذن .. وصدقني .. خائنة .. ها أنا اقولها للمرة الاخيرة.

  1. المحقق: وسرقته..؟

أميليا: .. أجل في أحد الايام التي جمعت شجاعتي واخذت المنديل، وفي اللحظة التي أوشكت فيها أن اخفيه بين ملابسي دخل سيدي المخدع .. ورأني ..

تهدف إعادة كتابة الصائغ عطيل برؤية جديدة إلى أمرين أثنين، أولهما إن عنونة مسرحيته باسم شخصية أخرى تبزعطيل وهي ديزدمونة، تنم انه كتبها كرد اعتبار لديزدمونة التي همشها شكسبير، ولم يعنون المسرحية باسمها، ظنا منه ان شخصيتها لا تقل شأنا عن شخصية عطيل، إن لم تكن تضاهيها، مبررهنا على انها هي الشخصية الرئيسة وليس عطيل، وثاني الامرين هو انه كتبها كرد اعتبار لعطيل من حيث سرعة تصديقه بدسيسة ياكو في ايجاد منديل ديزدمونة عند كاسيو، ونعت عطيل على اساس هذا التصديق السريع بالمغفل، فلجأ المؤلف الى قلب هذه المعادلة عبر تظاهر عطيل بتصديق ياكو، مستفيداً من هذه الكذبة لقتل زوجته، مدركا ان الكذبة لن تلبث أن تفضح، وبذلك تقلب الادوار فيصبح ياكو هو المغفل الأكبر.

وإن دل هذا الإخفاق والعجز من جهة، والقدرة على الإخصاب من جهة ثانية، وبالمقابل الانقلاب على ياكو من جهة ثالثة، إن دل كل هذا على شيء، فإنما يدل على أن شخصية عطيل مركبة، لتحليها في اكثر من صفة، والشخصية المركبة غالبا ماتكون قوية، إلا أن خيانة ديزدمونة له أضعفته، ليبدو أقل شأنا منها، وتتفوق عليه، وهي تموت وتعود إلى الحياة، وتنتحر، ويصرخ باسمها بعد انتحارها بوحشية معترفا بهزيمته أمامها بعدم قدرته على إماتتها وهو يقول إلى كاسيو: صمتاً ياغراب النميمة.. وأعد سيفك إلى غمده .. وسأكسر أنا سيفي .. اجل .. اناما استطعت ولن استطيع. (أي لا يستطيع قتلها).

كما إن شخصية ديزدمونة بتركيبتها الجامعة بين صفتين، وهما الانجذاب لعطيل، أو هذا ما تبدو عليه، وخيانتها، تميل أن تكون مركبة، ولكن تحليها بالصفة الأولى تجاه عطيل وقتية، إذ سرعان ماتزول لان كان ذلك قبل الزواج، قبل ان تستحثه، فأختطفها ذات ليلة .. وعند ذلك أمتلأت شماتة...

أما شخصية ياكو فهي واضحة، وما يقلقه هو انتهاك القوانين، ولا يرجع قلقه هذا الى حالته الطبيعية، ‘لا باستعادة الكون انسجامه، وتلك هي علته، وذلك هو إحساسه بالظلم، علته هي الجمع بين القرد والحمامة، أي بين عطيل وديزدمونة، بين البشرة السوداء والبشرة البيضاء بين الشرق والغرب.

ياكو: برهان انه من الممكن أن ينبت للقرد قرنان .. وضعت المنديل تحت أنفه وقلت له .. شم أيها المغربي هذا منديل تعرفه جيداً .. وجدته عند ملازمك كاسيو...

بينما أتسمت شخصية (كاسيو) بالجمع بين حبه واحترامه لعطيل بشكل غير مألوف وجنوني من ناحية، وترقيته من قبل عطيل مساعداً له من ناحية ثانية، وبين خيانته له مع ديزدمونة من الناحية الأخرى، بافتقاره، افتقار هذا التناقض المبني على الحب والاحترام والمنفعة، مقابل الخيانة إلى مسوغات الاقناع. واغلب الظن ان علاقة كاسيو بديزدمونه قد جاءت من منطلق انسلاخ ديزدمونة من طبقة عطيل، وتبنيها لطبقتها من جديد عبر كاسيو، وبعبارة اخرى ان ديزدمونة هي التي أغوت كاسيو نحو الخيانة، خيانة الاثنين لعطيل، هي كزوجة، وهو كصديق أمين ومساعداً له لذلك بدت شخصيته باهتة، تسعى اللهاث خلف الشخصيات الاخرى للمسرحية، علها تلحق بها، ولكن دون جدوى.

من الملفت للنظر إن الجملة التي تومئ إلى غيرة الرجل الشرقي على زوجته، وعدم توانيه إماتتها بفعل أبسط هفوة صادرة عنها، تتكرر على لسان عطيل أكثر من سبع مرات، وفي كل مرة بصيغة تختلف عن الأخرى.

في المرة الأولى في جملة: فنحن بسبب المحبة ولفرط الرجولة والشجاعة.. نتعب ونحزن.. ونخاف.. فنقتل زوجاتنا.. أو نقتل أنفسنا...

وفي المرة الثانية وكأنه يتحدث لنفسه: شيء عجيب لماذا يتوجب على الرجل ان يكون رجلا.. وعلى المرأة أن تكون امرأة..

والمرة الثالثة: ... بماذا تحلم هذه المرأة؟ وعلام تبتسم هذه الابتسامة اللغز؟ ان ذلك لعمري يمس المرء في رجولته..

الرابعة: قل لي ايها الغريب.. ما الذي يتوجب على المرء ان يفعله ليظل رجلا.. فإذا لم يستطع فبأيما وسيلة يمكنه إن يستعيد رجولته؟

الخامسة: ما الذي يدفع رجلا مثلي الى قتل زوجته؟ قد يكون بسبب الحب او الغضب او الفخر، من يدري؟ صدقني لو كنت اعرف جوابا على سؤالك لما قتلتها..

السادسة: انت على حق لشد ما تتشابه النساء ..... ألم يقتلك ياكو حتى الآن ايتها الوصيفة؟

السابعة:(مرة أخرى) ما الذي يدفع رجلا مثلي

الثامنة:(مرة أخرى) قد يكون بسبب المحبة أو الغضب

التاسعة: يالها من مهنة اسمها الزواج .. ان تحب امرأة لكي تقتلها.. مدركا.. انك دون ذلك تفقد حقك في ان تكون وفيا....

العاشرة:(مرة ثالثة) فنحن بسبب المحبة...

واذا كانت كل هذه الجمل تفضي الى مغزى واحد، وهو تخلف العقل الشرقي، فأن تكرار جملة (اسألوا ياكو يعرف كل شيء) على لسان عطيل لثلاث مرات تقف في مواجهة التخلف، بما تعنيه، من أن سبب هذا التخلف هو مؤامرات الغرب، متمثلا بياكو، وكذلك تتكرر جملة (الإعداء كثيرين) على لسان عطيل اكثر من مرة، لتمنح ذات المعنى.

عمد المؤلف الى ادخال عنصر ثالث في الحوارات الدائرة بين الشخصيات وهي اصواتها، مستخدما إياها في ثلاث حالات، وهي حالة نوم الشخصية او تخديرها، كما في حالة عطيل، او حجبها واخفائها عن الشخصيات المتحاورة كما في ديزدمونة، وفي الحالة الثالثة عن طريق الفلاش باك، كما في اميليا، والهدف من هذه الاصوات غير المرئية او المباغتة للشخصيات المتحاورة، هو الكشف عن ابعاد الشخصية والوقوف على حقيقة حوارات الشخصيات الاخرى بشكل أفضل كما في اصوات عطيل من جهة، ومن جهة ثانية، لتقديم الشخصية مبررات تصرفها كما في اميليا، ومن جهة ثالثة، لتنبيه الشخصية المتحاورة والكشف الاكثر عن حقيقة صاحب الصوت، كما في ديزدمونة، وقد جاء توظيف صوت عطيل واحد (21) مرة، وديزدمونة (8) مرات، أما أميليا (3) مرات فقط.

إن معظم الاصوات التي جاءت على لسان عطيل عبرت عن شخصيته الشرقية، وارتيابه بالمرأة، وسبل إماتتها، نتيجة غدرها وخيانتها، ماعدا همهمتين تصدران عنه رداً على أميليا، في المرة الأولى تأكيداً على قتل ديزدمونة من قبل ياكو من خلال تحريضه عطيل، والثالثة أيضا للتأكيد على شماتة ديزدمونة منه بعد الزواج. ويأتي ثلاث مرات على كلمة (كذابون) رداً على حوارات كاسيو مع المحقق، ومهدداً وواعداُ مرتين.

إما أصوات ديزدمونة الثمانية، فأن الستة الاخيرة منها، كشفت العلاقة التي تربطها بـ كاسيو بصورة اوضح من خلال وصفها له بالمنافق والشهم، وتحذيره، ومحاولتها ان ينفي كلامه، وقولها وافضيحتاه، ودعوتها لتلعنه السماء.

بينما اكتشفت أصوات اميليا الثلاثة الدفاع عن نفسها حيال علاقتها بعطيل، وسرقتها للمنديل.

1- صوت اميليا: توهمني زوجته.. فجمدت في مكاني - وانتابني إحساس عجيب بأنني زوجته حقا.. وهفا له عقلي وقلبي..

2- صوت اميليا: فلتقطع يداي إن أنا سرقت أي منديل

3- صوت اميليا: أعطاه لي مولاي..

وأخيرا هل استطاع "الصائغ" إيصال شفرة الخيانة للمتلقي، وبالإضافة إلى ذلك، هل أفلح بالانتقام من شكسبير في قلب معادلة تبادل الادوار بين عطيل وياكو، وبالتالي الصراع القائم بين الغرب والشرق؟ ...

لعل هذه الاسئلة وغيرها من الاسئلة تظل عالقة في ذهن المتلقي، وهو يأتي على تلاوة أخر سطر من سطور مسرحية ديزدمونة، هذه القطعة الفنية الرائعة الفريدة من نوعها بين النصوص العالمية...

ثانيا: الباب بين عصرنة الميثولوجيا والانتماء

ندرة من الشعراء العرب خاصة، والأدباء العراقيين عامة، سعوا خوض تجربة الاشتغال على أكثر من جنس أدبي، مثلما اشتغل أدباء أوربا وأمريكا ودول العالم الأخرى في القصة والرواية والقصيدة والمسرحية. والشاعر "يوسف الصائغ" هو واحد من هذه الندرة الذي استطاع أن يتجاوز الاستئثار والتفرد بكتابة جنس من الأجناس الأدبية إلى كتابة الرواية والمسرحية وأن يبز منافسيه في تدوين كلا الجنسين. فقد كتب في المجال السردي ثلاث روايات هي: المسافة، سرداب رقم 12، واللعبة. أما في المسرح وهو الجانب الذي يعنينا في هذه الدراسة، فقد كتب خمس مسرحيات، وهي: الباب عام 1985، العودة 1986، ديزدمونة1989، العباءة، والبديل.

باستثناء مسرحية العودة، بالنسبة لمسرحياته الثلاث الأولى، لم يستق ثيمتها عن الحكايات القديمة، كما استقى مسرحية (الباب) عن قصص (ألف ليلة وليلة) تحديدا من الليلة الثالثة والخمسين بعد الخمسمائة، والليلة الرابعة والخمسين بعد الخمسمائة، واستقى مسرحية (ديزدمونة) عن مسرحية (عطيل) لشكسبير ولكن بمنأى عن متنها الحكائي وأحداثها وابعاد شخصياتها.

والشخصية الرئيسة في مسرحية (الباب) هو السندباد البحري، ويرتئي المؤلف أن يرمز إليه في المسرحية بكلمة (هو)، الذي ترسو به سفينته في بلدة غريبة، حيث يضطر أن يمكث فيها مدة طويلة من الزمن، ومن ثم يتزوج أحدى فتياتها. ويكتشف بعد فترة قصيرة من زواجه، أن الزوجة أو الزوج، لا فرق، إذا مات أحدهما، يدفن الثاني معه حياً وهذا التقليد موروث عن الأجداد منذ القدم، حتى لا يتم التفريق بين الزوج والزوجة في الحياة ولا في الممات، وهو مثلما ينطبق على أهالي هذه البلدة، كذلك ينطبق على الأشخاص الغرباء، وعندما يطلع السندباد البحري على هذه الحقيقة، يخاف أن تموت زوجته قبله، فيدفنوه معها حيا وهذا ما يحدث فعلا، إذ تمرض زوجته وتمكث أياما قلائل وتموت، وبعد أن يتم مراسم الدفن ينزلوه مع زوجته في الجب وهى مغارة كبيرة تحت الجبل، وهناك يرى أمواتا كثيرين روائحهم نتنة كريهة وكما تشير الحكاية: وصار لا يعرف الليل من النهار وهو خائف أن يفرغ ماعنده الزاد والماء، فقد كان في كل يوم يأكل أو أكثر أكلة ويشرب شربة ولكي يطيل بقاءه، لايتوانى قتل الأشخاص الأحياء المدفونين مع الموتى ليأخذ خبزهم ومائهم مثلما فعل مع المرأة التي انزلوها القبر مع زوجها الميت، إذ قتلها في الضربة الثالثة بالقصبة وتقول الحكاية : إلى انه كان نائما يوما، واستيقظ وسمع شيئا يكركب في جانب المغارة، فقام ومشى نحوه ومعه قصبة، فلما احس به فر وهرب منه، فإذا به وحش فتبعه إلى صدر المغارة فبان له نور من مكان صغير مثل النجمة .... فعند ذلك تحققتُ انه خرق في تلك المغارة ... ومشيت إلى ناحية النور وإذا به نقب في ظهر ذلك الجبل من الوحوش نقبوه وصاروا يدخلون منه إلى هذا المكان ويأكلون الموتى حتى يشبعون ويطلعون من ذلك النقب، فلما رايته هدأت روحي واطمأنت نفسي وارتاح قلبي، وايقنت بالحياة بعد الممات وصرت كأني في المنام، ثم إني عالجت حتى طلعت من ذلك النقب.

لقد أعتمد المؤلف على أحداث هذه الحكاية مضيفاً ما هو ضروري للبناء الدرامي لمسرحيته، وحاذفا ما هو غير مفيد، ابتداءْ من نزول (هو) في الجب، والاحتفال بمراسم دفنه مع زوجته، مروراً بطريقة تعامله مع الأشياء المدفونة معه، أو الموجودة في القبر، كالخمرة، واللحم، والتفاح، والخبز والماء، وانتهاءْ بخروجه من الجب. إذ يلتقط الجمل التي تجئ في الحكاية، ويقوم بعملية صياغتها من جديد، ووضعها في إطار فني جميل، محولاْ إياها من طابعها السردي القديم إلى صورة درامية، وبجملة مقتضبة جدا، كما يأتي في بداية الحكاية على لسان السندباد البحري، عندما يرى في المغارة أمواتا كثيرين روائحهم نتنة و كريهة، لائما نفسه على فعلته، باستحقاقه لما يجري له، وصار لايعرف الليل من النهار، ويتقوت باليسير، وينام على العظام، ويتمنى الموت فلم يجده. إذ يختزل معاني كل هذه الجمل في جملة متكونة من كلمتين وهما:(أهذا معقول؟) وهذه الجملة تحدو المتلقي أن يتخيل معاناة بطل المسرحية بشكل أعمق وأوسع، قياسا بما جاء في الحكاية الأصلية، ويرسم لها صوراْ جديدة من عندياته. وهنا تكمن لذة القراءة، وصدق وقعها، كما لو إن المتلقي هو صانع الكلمة، بتحويلها من حاسة السمع والبصر، إلى تجسيدها كعنصر درامي. وبأشكال وألوان قد تتضارب مع مارسمه المؤلف، وتتجاوز عليها في ذات الوقت، ليقوم بتأليف ثاني للنص إن لم يذهب أكثر فيتولى عملية إخراجه.

وإذا كان المؤلف، اكتفى بتوظيف معاناة بطل المسرحية بجملة (أهذا معقول؟) لتجسيدها دراميا، بدلا من الوصف الخطل الذي جاء في الحكاية، إلا انه في نعت مراسم دفن زوجته، من خلال غسلها وارتدائها أفخر ما عندها من الثياب المصاغ، ورؤيته شيئا كثيرا من الحلي والحلل والقلائد والجواهر والمعادن مع المرأة التي قتلها في الحكاية الأصلية، يقوم بتوظيف هذه الحلل والجواهر في مسرحيته، بما يدعو إلى التهكم والسخرية منها ومن نفسه في أن بجعله ملكا أثناء مراسم دفنه، احتفاء بهذا الطقس، بوضع الإكليل على رأسه، وهو ينتزعه ويتأمله.. يضحك.. يعيده إلى رأسه.. يصيح من مكانه: طابت أوقاتكم أيها الموتى.. يضحك.. يصيح من جديد ..هو ذا الملك قادم.. فأنهضوا...(يخلع الإكليل عن رأسه ويرميه في الهواء ثم يتابعه وهو يسقط فوق احد التوابيت.. وينحدر أثر ذلك حتى يصل أرض المقبرة....).

أما معالجة نهاية الجنسين، السردي والدرامي، وإن جاء باجتياز بطل الحكاية وبطل المسرحية لمعاناته، عبر الخروج من الجب، الأول.. بحراً على ظهر زورق. حيث يصل مدينته بغداد، بعد أن أخذ معه من القبر شيئا كثيرا من أنول العقود والجواهر وقلائد اللؤلؤ المصاغ من الفضة و الذهب المرصع بأنواع المعادن والتحف، والثاني من خلال تصديه مع المرأة التي أحبها وأحبته لمعاناتهما، أقول وإن جاءت معالجة نهاية الجنسين سعيدة، إلا أن معالجة الثاني، وعلى الرغم من استفادته من الجنس الأول في تكراره لمفردة الخرق مرتين، ونفس الشى بالنسبة لمفردة النقب، فقد نأى عن الحلول التقليدية والجاهزة، وعول على مبدأ المنطق والحكمة، باعتبار أن كليهما الواحد منهما بحاجة إلى الأخر، للخروج من مأزقهما الكبير إلا وهو الموت، فاتخذا من الحب أنجع السبل لتحقيق هذا الهدف.

وإذا أمعنا في المقارنة بين الجنسين من حيث شخوصهما، لوجدنا أن "الصائغ" مثلما استفاد من أحداث الحكاية الأصلية، بنفس القدر يستفيد من شخصياتها، سيما الثانوية والتي تأتي بشكل عابر، ولا يترك أبعادها عند حد الحكاية، وإنما يطورها ويضيف عليها لتأتي اتساقا مع الأحداث وتصب في خدمتها، كما في شخصية الملك في الحكاية، وفي المسرحية(حبيبة).

إن النزعة السلطوية، المتمثلة الأولى بالملك في الحكاية، ومدعى العام في المسرحية، قد لاتطفو إلى سطح الأحداث بشكل واضح ودقيق ومباشر في الأولى، سيما وان البطل يرضخ لتقاليد البلدة، بدفن الزوج والزوجة معا. وهذه النزعة هي أهم ما في الحكاية ويستغلها "الصائغ" بإيجاد قوة مواجهة لها، وهي حرية الفرد المتمثلة ببطل المسرحية، إذ يتحول من شخصية ذليلة وقنوعة إلى شخصية متمردة، تأبى الموت. وهذا ما ينطبق على المرأة التي يقتلها بطل الحكاية. إذ تعينه في المسرحية على النجاة. لقد استحدث المؤلف شخصية( المدعي العام) لتحل محل شخصية الملك، وان كان رئيس المحكمة موجودا، فقد استحدثها، لا ليظهر النزعة السلطوية لكل الحكومات فحسب، وإنما ليكشف عن خداعها لشعوبها أيضا، وان هذه النزعة لن تزول إلا بالانتفاض عليها. وقد ظهر هذا الخداع في بداية المسرحية سبع مرات من قبل المدعي العام لبطل المسرحية، في المرة الأولى بالقسم في شرفه، والثانية باكتفاء الشموع لبضعة أيام، مع أن اتفاقهما على إخراجه من الجب كان بعد يومين، والثالثة مخاطبته بـ (وداعا) بدلا من (إلى اللقاء)، والرابعة بمسك المدعي العام وقوله له: لاتكذب عليَّ أرجوك، والخامسة بدفع المدعي العام له، والسادسة بتشبثه بمدعي العام قائلا له:(أرجوك)، والسابعة بتخلص المدعي العام منه، وهو يختفي...

تبدأ المسرحية بمحاكمة(هو). ويبدو من وصف المؤلف لقاعتها بأثاثها القديمة، وعتمتها إلى حد كبير، إدانته لأعضائها المؤلفة من رئيس المحكمة، والمدعي العام و عضوين، انحيازه إلى (هو). ولعل الإشارة إلى المدعي العام بأنه أعور، وفقد إحدى عينيه في حادث جرى له قبل سنوات، وبالعكس بالنسبة لـ (هو) حيث يصفه في كونه غريب الملامح، لكنه وسيم، يزيد من هذا التأكيد على إدانة المدعي العام وانحيازه لـ (هو) ووصف (هو) بأن لامجال لتحديد عمره من ملامحه، فهو بين الثلاثين والخمسين، إشارة واضحة الى اعتماده على عرق جبينه، في الحصول على معيشته ومعيشة أطفاله، وأنه خلال هذه السنوات، وبفعل تعرضة للمخاطر والإرهاق يصعب تحديد سنوات عمره، ونعت عضوي المحكمة، بعدم تبين ملامحهما. إيماءة إلى عدم الأخذ برأي العضوين من قبل رئيس المملكة والمدعي العام.

وإذا كان تمرد (هو) يقترن بحرية الفرد في مواجهة النزعة السلطوية، فأنه في المقابل يعبر عن رفضه للانتماء من خلال عدم التزامه بالعهد الذي وقعه مع زوجته على الوثيقة، بدفنهما معا، بدعوى انه لا يريد أن يموت، وانه لم يعد يحبها بعد موتها، باعتبارها جثة. وهذا الموقف، موقف (الانتماء) يذكرنا بشخصية (يانك) في مسرحية الغوريلا، أو القرد ذو الشعر الكثيف "ليوجين أونيل"، حيث كان يانك قبل أن يلتقي ب (ميلدرد) ابنة صاحبة المصنع، (راضيا عن المكان الذي يعمل ويعيش فيه، ولا يرى مكانا أفضل منه، وعملا أخر اشرف منه، وانه ينتمي إليه انتماء تاما، إلا انه بعد اللقاء بها، تغشاه سورة من الغضب والارتباك ويشعر كأنما أهين بطريقة منكرة في صميم ما لديه من كبرياء، ذلك لأنها عندما وقع نظرها عليه، خرجت صيحة أليمة وصرخة مخنوقة منها، وهي تبتعد واضحة يديها أمام عينيها لتقول، (أبعدوني عن الوحش المفترس)1 إذ من هنا يفقد (يانك) الشعور بالانتماء، شأنه شأن (هو) حيث كان يعيش مع زوجته بسعادة، وراضيا عن حياته، ولكنها ما أن تموت، يفقد هذه السعادة، وبالتالي حبه لزوجته.

الحاكم: والحب هو: طار يا سيدي ...صار طيرا.. تبخر.. صدقني يا سيدي ففي اللحظة التي وجدتها ميتة بين يدي حدث أمر عجيب. كنت أعانقها يا سيدي وكانت بين يدي كما كانت دائمة.. عامرة بالحياة.. مليئة بالرغبة.. مستجيبة. صارت شفتاها من قماش مشمع، وشحب وجهها.. وحين تطلعت إلى عينيها الجامدتين.. اجل أصابني رعب وغثيان.. لم يخطر الحب لي آنذاك.. بل الغربة والخوف والغثيان والهرب..

ولكن "الصائغ" لم يفعل ببطله كما فعل "أونيل"، بإطلاق عنانه، بحثاً عن ميلدرد للانتقام منها، والاعتداء على الأثرياء من أبناء الطبقة الرأسمالية ومن ثم سوقه إلى حديقة الحيوانات، ليصبح حيواناً، وإنما تركه يصارع عذاباته داخل الجب، منتظراً قدوم المدعي العام لإنقاذه، مع أنه يفطن مسبقاً بأن هذا لا ولن يحصل، وبدلا منه تأتيه امرأة (هي) مع زوجها الميت، ومن هنا، الحب الذي يجمع بينهما، يبدأ التحول في شخصية (هو) نحو الانتماء. أي بعكس (يانك) من الانتماء إلى اللانتماء، بينما (هو) من اللانتماء إلى الانتماء.

وهذا الموقف كما يبدو لي استقاه المؤلف عن تجربته الشخصية، أثناء إنخراطه في أحد الأحزاب ، وتعرضه للتعذيب، بهدف نيل الاعترافات منه، ظنا منه بأن الصمود لا جدوى منه، أزاء عدم وجود موقف للجهة التي ينتمي إليها الضحية، كما إن هول التعذيب لا يستحق الانتماء، وان يضحي الإنسان من أجله، وثمة تراكيب لغوية ولفظية في النص تؤكد، إخفاء المؤلف لتجربته الشخصية تحت غطاء التمرد على المحكمة، أي إن هذا النص قابل للتأويل، وموضوعة نكث العهد، ما هي إلا واجهة لمسألة أخرى.. أعمم.. وأكثر عمقاً.. واتساعاً...

1) هو: كتبته في حالة حب، أي (العهد).. في غيبوبة أشبه بغيبوبة الشعر... (والمقصود من حالة الحب هذه .. الجهة التي ينتمي إليها.)

2) هو: إن المحب لا يكون حين يحب في وضعه السوي.. ربما تجعله حالة الحب أشجع وأكثر إرهافاً وأسرع استجابة وثقة بنفسه، ويسلك بأكثر ما يستطيع وما يزيد ... إن الحب يبدل الإنسان يا سيدي.. يرتفع به .. وتلك هي ورطة .. (إي انه كان يحب تلك الجهة حد الجنون والتطرف.)

3) الحاكم: افترض إن المحكمة حلتك من عهدك واعفتك من مسؤولية العهد الذي اخترته.. وقالت عد إلى حياتك .. فهل تستطيع عند ذاك مواجهة نفسك..؟

هو: ليس بوسعي إن أفكر بذلك .. إن ما أفكر فيه الآن هو مجرد أن لا أموت..

الحاكم: شئ غريب .. أما من احترام تنطوي عليه للقيم والمثل .. و.. ؟

(ومعنى هذه الحوارات، إن الشخص الذي يوقع على البراءة يفقد قيمه ومثله، ولا يخجل من مواجهة نفسه فقط، وإنما من مواجهة الناس ايضاً، والمواجهة الثانية أقسى من الأولى، وبالتالي يغدو مكروها وغير محترم.)

4) هو:

- إن هذه الطيبة هي التي قادتني إلى هذا الفخ الرهيب.

- لكننا حين نحب، نتوهم أن الموت ليس مخيفاً.

(وكلا الجملتين تعطيان نفس المعنى، من أن انسياقه للجهة التي ينتمي إليها، لم يكن الاّ بعاطفة مراهق صغير، يشوبه تصور، بعدم قدرة أي قوة انتشاله أو إبعادها عنها، قاصداً، حتى شراسة التعذيب في السجون.)

5) هي: أما من طريقة نستطيع أن نوقد بها هذه الشموع؟

هو: ما عادت شموعنا تضئ.

تسأل هي، عن إمكانية إعادة الجهة التي ينتميان إليها إلى مسارها الصائب والسليم، (فيقطع عليها هو هذا الأمل، بأنْ لم يعد لها موقف وانتهت..)

6) هو: فسأموت حقدأ عليكم....

(أي على الجهة التي كان ينتمي إليها.)

7) هو: اخترناه وكنا مخطئين..

(يقصد الجهة أيضاً.)

8) هو: وإنها كانت تعذبك وإنها كانت تكلفك الكثير في عملك وحياتك...

(إشارة إلى النضال في تلك الجهة بإخلاص وتفاني.)

إن تأثيرات مسرحية "أونيل" السالفة الذكر واضحة على مسرحيتنا هذه، فبالإضافة إلى مسألتي الانتماء و اللأنتماء، تردد في المسرحيتين كلمة(الوحش) أكثر من مرة، وفي ذات الموقف والمكان، أي بتحويلها من الانتماء إلى اللانتماء وبالعكس، وفي إثناء نزولها القبو(يانك) في قبو المصنع، لحظة مواجهته لميلدرد، وهي تنحدر فتحة الفرن، و (هو) أثناء انحداره درجة واحدة إلى القبر، وكلاهما تفلت منه صرخة. ومن هنا هذه الصرخة يتحول(هو) من إنسان اعتيادي إلى حيوان، وهو يقول: أهذا معقول؟

لبلوغه أقصى درجات اليأس، بعد أن يغلق باب القبر، ويصبح وحيداً مع الموتى.

وتتكرر حالات اليأس عنده ثلاثين مرة، ففي حالات السبع الأولى منها، شعوراً منه بانخداعه بالمدعي العام، وفي المرة الثانية سخرية من نفسه ومن زوجته، وفي المرة الثالثة خوفاً من المكان المحاصر فيه وتنتشر فيه الموتى. وهو يقول: الموت في كل مكان. أو مخاطباً الشمعة: أيمكن أن تكوني أخر رمز تبقى من الأمل، احترقي رويداً رويداً، لا شك إن انطفأت قتلتيني، وفي الرابعة مناجيا نفسه وهو يقول: أنا مغرور ومذل مثل تابوت، وفي الخامسة ميؤوساً من الانتظار: اعرف أنه لن يجئ..، ومتوسلاً: أرجوك لا تخادعني. والسادسة فاقدأ الإحساس بالزمن، وهو يقول: ذلكم هو الموت الإحساس بالزمن، وفي المرة السابعة يبلغ يأسه حالة الجنون وهو يصرخ: لماذا كل هذا الجنون..

لماذا كل هذا الحقد.. ( مخاطباً الموت): كف عني لا تفكر بي، وسأجن لا محالة، بالإضافة إلى الجمل التالية:

• إن قلي يفقدني اتزاني

• أي عذاب وعلام من اجل لاشئ.. من اجل جثة.

• أما من طريقة يهرب الإنسان من الموت؟

• اجل أنا خائف

• ماعادت شموعنا تضئ

• وقد لا يأتي ابداً

• كل ما حولنا يجرنا إلى الموت

• كل ما حولي يوحي بالخوف والموت والمذلة

• بل سأموت

ويتخلص من هذا اليأس، آتيا الأمل إليه، بعد نزول (هي ) القبر، حيث تتكرر حالات الأمل كما في حالات اليأس ثلاثين مرة تقريباً، أي إن الصراع الذي عاشاه (هو) و (هي) بين الأمل واليأس، تطابق وتساوى مع بعضه الأخر إلى درجة كبيرة، بالتعبير عن نفسه في ثلاث صيغ وهي الاصرار، والحلم، والحب.

والصيغتان الأولى والثانية، أي الإصرار والحلم، تتمثل في شخصية (هو) أكثر من شخصية (هي). فمن مجموع سبع صيغ، يصر عليها (هو) تفتقر (هي) إلى أي صيغة، وتتضاعف في حلم (هو) من أربعا إلى أثنين بالنسبة إلى هي، بينما في الحب، تتفوق هي على (هو) بـ ستا مقابل واحد. ويأتي هذا الإصرار من خلال مقاومة (هو ) للموت، ومن أجل ذلك سيحفر الطريق بأسنانه وأظافره، ولن يستسلم، وبعناده هذا سوف يجتاز الباب، لذلك فأنه يجرب إن ينتصر بان ينظر باستعلاء إلى كل ما في هذه المقبرة. ولأنه لا يريد أن يموت، عليه لن يموت، إصراراً منه، على أن يحيا معاً، او يموتا معا أيضاً.

وفي الصيغة الثانية التي هي (الحلم) يسعى (هو) تقوية معنوياته من جهة من خلال مخاطبة زوجته الميتة في جملة (سيجئ الخلاص يا زوجتي) وتقوية معنويات (هي) من جهة أخرى، عبر دعوتها التفكير بأشياء جميلة ووثوقه بإيجاد الخلاص، وإيمانهم بالحياة يمنعهم على الموت. بينما حلم (هي) ينطوي على خروجهما معا من القبر، في جملة (هل سيفتحونه؟) وإحساسها بالاطمئنان بوجود (هو) معها.

أما الصيغة الثالثة التي هي (الحب) وانْ تأتي المبادرة من (هو) للاقتراب من (هي) عندما يطلب منها أن تسمح له المجئ إليها، إلا إنها، وبفعل سحر التراكيب اللغوية التي يستخدمها (هو) وطريقته للإقناع العجيبة، وتحليه بالصبر، كل هذه العوامل جعلتها أن تنجذب أليه، وتقتنع بحديثه، وتثق بشخصيته، ومن ثم تغازله، وتستلم المبادرة منه، بحيث تغدو هي المهيمنة عليه، من خلال مد يدها إليه، وقولها هاك يدي، وشرب نخبه، ودعوته لعدم تركها، ومخاطبته، بوجودك حياتي، ومعانقته.. وقولها: ما أجمل الحياة...

لقد رافقت حالة اليأس(هو) قبل وأثناء نزوله القبر، وبدأ هذا اليأس يخف تدريجيا مع نزولها (هي) ويحل محله بصيص من الأمل الذي طفق ينمو ويتطور خطوة أثر خطوة. وكلما تقدمت حواراتهما، إلى إن شرع يشع، ويصل ذروته، ويتفجر متمخضا عن خروجهما من الجب، محققا املهما هدفه المنشود. وإذا كان الأمر كذلك، أي مرافقة اليأس لـ (هو) قبل وأثناء نزوله القبر، وحلول الأمل بعد نزول (هي)، ولكون اليأس والأمل، يتناقضان أحدهما مع الأخر، ويتعارضان، فهذا معناه إن النزول أستحدث حياله، حالة أخرى، إلا وهي الصعود، ليصبح النزول رمزاً لليأس، والصعود رمزاً للأمل. وباتخاذ وضعيتهما الواحد مقابل الأخر( وجها لوجه) ولصق قاعدتهما، نحصل على الرقم (7). والرقم 7 يحتل مكاناً بارزاً في الفكر العراقي القديم. إذ أستقى المؤلف أحداث مسرحيته، باتجاه عصرنتها عن سكان بلاد الرافدين القدماء، واغلب الظن أنها تعود إلى العهد السومري، لأنه في هذه الفترة والفترات التي تلتها، كان يودع مع الميت الأدوات التي تجعله قادراً على الحياة، ظناً منهم، بأنه سوف يرتفع الى السماء بعد وفاته، كقوارير الخمر، والماء، والخبز، والتفاح، واللحم، موظفاً المؤلف كل هذه الأدوات في هذه المسرحية، بالإضافة إلى استخدامه مفردتين أثنتين وهما(الجب) و(المغارة) بدلا من (البئر والكهف) المستخدمتين في العهد السومري في دفن موتاهم، وهذا النصان دليل على ذلك:

1- يرد في نبوة دانيال 39:14 (وفي اليوم السابع أتى الملك ليبكي على دانيال فدنا من الجب ونظر فإذا بدانيال جالس2)...

2- وعندما ماتت سارة عن عمر يناهز (127) سنة ودفنت في مغارة مكفيلة حزن عليها إبراهيم كثيراً. وأقام لها مأتما سبعة أيام (تكوين 25:12) 3)

كما إن اعتقاد العراقيين القدماء، أن روح الميت تبقى على صلة بعالم الأحياء، فتسمع ما يجري بسبعة أو عشرة أيام بعد الموت، وورود معنى مشابه لمعنى هذه الجملة في المسرحية أيضا، يضاعف هذا التأكيد:

هو: أتعتقدين إنهم يسمعوننا حقا(يقصد الموتى)

هي: ربما .. يقال إن الموتى في أول أيامهم يسمعون...

لقد أحتل الرقم سبعة، كما يقول حكمت بشير الأسود، (مكانة بارزة في الفكر العراقي القديم نتيجة تفاعل عوامل عديدة منها ما هو متعلق بالعالم الإلهي والسماوي في تفكيرهم ومنها ما هو مرتبط على الأرض، فكان أن أوجدوا علاقة بين الإلهة من جهة والكواكب السيارة السبعة من جهة ثانية، ثم الارتباط ذلك بالعالم البشري في مسألة خلق الإنسان عندما كانت البداية بداية الإنسان لخلق أول سبعة ذكور وأول سبعة إناث، هذين العالمين الإلهي والبشري ارتبطا مع بعضهما من خلال تصور العراقيين القدماء بوجود سبع سماوات وتعيش فيها الإلهة وسبع طبقات للأرض خصصت للإنسان، وأخيرا كان للرقم سبعة حضوراً في عالم الزمان من حيث تقسيم الزمن إلى وحدة قياسية مفيدة وهي الأسبوع الذي ارتبط بظهور أوجه القمر المختلفة كل هذه العوامل جعلت من الرقم سبعة رمزا كاملا ومقدسا في الفكر العراقي القديم، ومنها كانت البدايات في التعامل مع هذا الرقم في المعتقدات الدينية والاجتماعية كافة، فضلا عن النتاجات الأدبية والفكرية والتاريخية القديمة منذ إن ظهرت الكتابة في ارض الرافدين قبل ما يزيد عن خمسة ألاف سنة مما يدل على أهمية واضحة وقدسية معينة حظي بها هذا الرقم العجيب)4).

وإذا كان النزول= (اليأس) يبدأ بجملة (أهذا معقول؟) وينتهي بالنوم الرامز إلى الموت، أو ما يشبه ذلك، فأن الصعود=(الأمل) يبدأ من النهوض من النوم، وهو يقول: لقد سمعت صوتا. كأن شيئا تحرك، وينتهي بـ جملة ( ما أجمل الحياة) بتفجر المقبرة نجوماً وزهوراً...

وبقدر أهمية تشخيص هاتين الحالتين، بنفس القدر من الأهمية تأتي ضرورة معرفة كيفية بلوغهما إلى هذين المستوين، وبعبارة أوضح، كيفية حدوث عملية النزول ومن ثم الصعود.. لأن هذه العملية هي التي تقودنا إلى تقنية المسرحية. تتكون المسرحية في الأصل من ثلاثة أقسام، فالقسم الأول الذي لا يتعدى أكثر من صفحتين، مكرس لتقديم حكاية السندباد البحري المستقاة عن قصص إلف ليلة وليلة، والقسم الثاني للمحكمة، ويبلغ عشرين صفحة، والثالث وهو الأساس، حيث تدور الأحداث في القبر ويبلغ بحدود خمسين صفحة. ولكن القسم الثالث، وان لم يجر المؤلف عليه هذا التقسيم فهو يتكون من قسمين، القسم الأول مكرس لــ هو بحدود خمس عشرة صفحة، وهو وهي خمسين صفحة.

بلوغاً للحالة الأولى التي هي ( النزول= اليأس) أستخدم المؤلف كل ما كان يودع مع الميت من الأدوات التي تجعله قادراً على الحياة، كالخبز الذي جاء بحدود عشر مرات، والخمرة لخمس وعشرين مرة، والباب ست عشرة مرة، والتفاحة عشر مرات، والشمعة ثلاثين مرة. ولكنه في الحالة الثانية (الصعود=الأمل) نادراً ما أعتمد على هذه المفردات، واكتفى بتكوين التراكيب اللغوية الشفافة والشاعرية، بقصد ترويض المرأة(هي) التي نزلت إلى القبر مع زوجها الميت، حيث كانت في البداية قد استسلمت للموت، وفاءً للعهد الذي قطعته مع زوجها ولبلوغ هذه الحالة يستخدم أكثر من ثلاثين تراكيب لغوية. مفردات النزول:

1- الشمعة: يستخدمها مرة خوفاً من الموت، إذ في حالة انطفائها فستكون آخر ما تبقى له من الأمل، وذلك يعني موته.

وفي المرة الثانية، بجعلها للأشياء زمنا، وتذهب الوحشة والغرابة.

وفي الثالثة يتخذ منها حبيبة متفانية وصامتة ومتواضعة وحزينة.

وفي الرابعة يشبهها بالمرأة ويخاطبها بالآنسة، وهو حين يخاطبها كذلك، فأنه يعني ذلك، ويزيد فيسميها شمعة، وهو يشعر إزاءها بالحب كما يشعر المحب تجاه أي آنسة أنثى يحتاج إليها ويثق بها.

وفي الخامسة يجعل منها رمزاً للحرية، عندما تطلب منه (هي) أن يجد طريقة يستطيعان بها إيقاد إحدى الشموع، ويرد عليها: ما من طريقة مع الأسف.. ما عادت شموعنا تضيء، إي أن كل الطرق مغلقة =اليأس.

2- التفاحة:

يوظفها في كونها محرمة، نمضغها ونتذوق عصيرها الإلهي الفذ، كما لو أنه يفعل ذلك للمرة الأولى أو كما كان يفعل المرة الأخيرة، مع ان طعمها كريه باعتبارها تفاحة اللاموت واللاحياة ومثل كل الموتى تحتفظ بطعم ــ تافه غير مثير.

وأحيانا للحب وهو يتناولها، حب زوجته عندما كانت حية وأحيانا ثالثة للاحب، عندما يرمي بقايا التفاحة.

3- الخمرة:

يعول عليها في مقاومة الزمن، والدفاع عن الإحساس بالجوع في المرة الأولى.

وفي المرة الثانية لتكون معه ضد الخوف وإعادة رجولته، بعد أن ينحني أمامها ويقدم لها اعتذاراته العميقة.

والثالثة لقتل الظمأ

والرابعة في نخب الموت

والخامسة لأعاده الدفء

والسادسة للسكر

والسابعة للانتشاء، وهي تطلب منه أن تشرب الخمرة بعد أن كانت ترفض شربها. والسابعة لضرورة أن تجعل الخمرة يعيشا مع بعضهما، وعلى هذا الأساس تحول بينهما وبين الموت.

4- الباب:

للتخويف وزرع اليأس في نفس البطل مرة وهو يسمع صوته الحديدي ويتوقف ويلتفت إلى الباب بعد أن ينحدر بدرجة إلى القبر.

وفي المرة الثانية لإدانة الحياة.

والثالثة إيمانا بالحياة

والرابعة لعدم الموت

والخامسة ومن خلال استخدامه مع الخمرة للدلالة على قدسية ما يقومان به:- أي التمرد على الموت.

وإذا ما أمعنا في المفردات التي أستخدمها المؤلف، لوجدنا انه يجعل من الشمعة فقط دون المفردات الأخرى مصدرا لانبعاث بصيص من الأمل، وإذا كانت بعض المفردات الأخرى تتسم بذات الشيء كمفردة الخمرة مثلا، فإنما هذا الأمل لا يعود إلى الحالة الأولى = اليأس، وإنما إلى الحالة الثانية = الأمل.

واستثنى الشمعة من هذه الحالة، لأنها بطبيعتها هي كذلك رمزاً للأمل، وبالإضافة إلى ذلك فأن هذا الاستثناء سوف لا تجعل من شخصية(هو) شخصية مهزوزة ومستسلمة، تمهيداً للانتقال إلى الحالة الثانية = الأمل، حيث يحض (هي) على الخروج معه من الجب.

أقول إذا ما أمعنا في هذه المفردات لوجدنا أنه وظفها لجمالية البناء الدرامي لمسرحيته، ارتباطا بعصرنة الميثولوجيا، امتداداً للعصر الحالي، سيما في توظيفه لمفردتي التفاح والخمرة مشبها(هو) بآدم عبر قضم التفاحة للمرة الأولى أو كما كان يفعل للمرة الأخيرة، فالجملة الأولى إشارة إلى خطيئة آدم مع حواء بأكل التفاحة المحرمة وطردهما من الجنة شأن شخصيتي(هو) و (هي) ارتكابهما خطيئة التوقيع على العهد، ونتيجة لذلك مواجهتهما أقسى أنواع العذاب في الجب، أي(الانتماء). والجملة الثانية إيماءة، وبفعل نفس الخطيئة أنزال الله بالبشر عاقبة الموت. والخمرة بسكره، وجعل الشمعة حبيبته، واعادة موتى القبور الى الحياة وفي مقدمتهم زوجته فهي تجيد الرقص والحياة والقتل، وهذه الجملة عودة الى حواره مع المدعي العام، وتنطوي على معنيين، المعنى الاول، هو أنه كان في حالة سكر عندما أنتمى اليها وأحبها بصدق، والمعنى الثاني واضح، اذ قتلته رغم حبه لها...

هو: كيف أصور الأمر؟ هل أقول كنت مخدراً، غائبا عن الوعي، يصح ذلك ياسيدي ولا يصح .. لكن من المؤكد إنني كتبت ذلك .. اتخذت قراري .. وأنا في حالة حب .. إلا يشبه ذلك مثلا إن يتخذ المرء قراره وهو في حالة سكر؟ . . .

مفردات الصعود:

يبدأ الصعود عند(هو) كما ذكرنا سابقا من نهوضه من النوم وهو يقول: لقد سمعت صوتا، كأن شيئا يتحرك، أما عند(هي) فيتأخر هذا الصعود لعزمها على الوفاء لزوجها، إلى أنْ تستجيب لمنطق هو، وذلك بعد أن تطمئن إليه، وتقتنع بكلامه، وتثق به، وتبدأ هذه الاستجابة شروعا من دعوته لها بالسماح له بالجلوس.

هو: ... هذا الموت الذي تبحثين عنه.. هو أصعب مايطلبه إنسان.. هل تسمحين لي أن اجلس؟

لا ترد عليه، وعدم الرد هذا معناه موافقتها. ويستمر هذا الصعود بالتناوب بينهما في انجذاب أحدهما للأخر، مروراً بطلبها منه الا يتركها، مع انها في البداية كانت تخشاه، وتقول له: لا تقترب مني. ثم توافق على أن تأكل الطعام الذي كانت تشمئز منه، كما وتسمح لـ هو أن يجيء اليها. هو: هل تسمحين لي أن أجيء اليكِ؟

هي: كما تشاء

وأن تمد يدها إليه، وتحس بقربه، وأن ينتبه من الجثامين المبعثرة على أرضية المقبرة، لئلا يتحجل بها ، وتعيش في حلم فتح الباب، في الوقت الذي كانت فيه تريد الموت، وترجوه الا يذهب، لأن وجوده يعطيها نوعا من الإحساس بالقوة، وانتهاءً بطلبها منه ان تجس نبضه، وتمسح عرق جبينه، وتلمس شاربه، وأن يشدها إليه، ويعيد إليها أنوثتها.. حيث يتعانقان، وتنتهي المسرحية بأخر جملة تقولها: ما أجمل الحياة..

إشارة إلى خروجهما من الجب، وتوكيداً على أن الانتماء لا يتم الا عن طريق الحب، وليس من خلال العهود والمواثيق.

ولئن بناء هذه المسرحية يقوم على الموت، وأفعال شخوصها تستند إلى التخلص منه، فأن حبكتها تتموضع في هذين المحورين (الموت واللاموت)، وذلك من خلال خلق أجواء ومناخات سوداوية وقاتمة ، وصراع الشخصيات مع نفسها، ومع بعضها البعض، والمكان الذي زجتهم السلطوية، وهو الجب، لكي يموتوا فيه، حيث تنشأ من مجموع هذه العناصر التي تنتج بدورها الفعل الدرامي، صيغة بناء المسرحية، بشكل أفقي= مستقيم، نظراً لما تتوافر الشروط الجمالية في أركانها الأساسية الثلاثة وهي، حوادثها ودوافع شخصياتها وانتقالات أفعالها، اعتباراً من جملة: (أهذا معقول؟).. مجهداً شخصية(هو) هذين المحورين بكل ما تحتويهما هاتين الكلمتين من المغزى المكاني والنفسي على حد سواء. ولا ينحرف اتجاه بنائها نحو شكله العمودي، الاّ بعد نزول (هي) الجب لحظة نهوض (هو) من النوم. وكلا الشكلين لا يأخذان مساراً واحداً، وإنما يصادف كل من منهما انحرافات قصيرة نسبياً، ثم سرعان ما يعودان إلى مسارهما الأول. أو كما يقول "سام سيلي" في كتابه ( كتابة المسرحية- بناء الفعل): (الاتجاه مهم في المسرحية الأفقية، ثم الانحراف بشكل عمودي. فالمسرحية التي تتحرك أفقيا مبنية بناء سبباً، حيث يسبب الحدث حدثا تاليا... ودوافع الشخصيات أمر مهم لكي يكون التسبب محتملاً وواضحاً... وتكون القصة هي المتحكم في المسرحية الأفقية. أما المسرحية التي تتحرك عموديا فبناها أصعب نسبياً وتعتمد على ما هو عرضي وغير متسبب يقع الحدث لصالحه وليس كمسبب سابق أو متابعة لحدث لاحق...) 15.

ويبدأ الشكل الأفقي اعتباراً من انحداره هو درجة واحدة نحو باب المقبرة وهو يتفحصه ويتلمسه بيده .. انتهاء إلى صراخه (لكنني لن أموت) حيث يأخذ هذا الشكل بانحرافه عموديا إلى فترة قصيرة جداً قد لا تتجاوز لحظات مكملا الجملة الأولى .. (قد أصاب بالجنون .. آه لو أصدق نفسي) ثم سرعان ما يشرع بالنزول ثانية في جملة (أنا مغدور مثل تابوت فارغ ...) وهكذا إلى جمل لا تعد ولا تحصى نزولاً وصعوداً...

وإذا كان الشكل العمودي يبدأ عند (هي) من نقطة عدم الرد عليه، إلا أنه سرعان ما يخبو ويعود أفقيا، عندما ترفض أن تأكل وتصرخ وتشعر بالغثيان، وينحرف مرة أخرى عموديا بقولها له: (لا تتركني) وهكذا يتناوب شكل هذا البناء أفقيا وعموديا عند (هي ) إلى إن تقول (أجل ما الذي بوسعنا إن نفعله؟) إذ من هذه الجملة يكاد الشكل العمودي عند (هي) أن يستقر، ويأخذ مساره إلى نهاية المسرحية وهكذا:

الأفقي

العمودي

• لا تصرخ، لا تقترب، أبتعد، تبكي، أنا خائفة من كل شيء

• لا ترد، قبل كل شيء، حادث اصطدام

• ينبغي أن أموت

• لا ترد، لم أكن خائفة في البداية، توهمت

• أنك تخيفني، لا تتحدث بهذه الطريقة، أنت حاقد، أسكت،

• لا ترد، لا تغضب مني، كيف، أرجوك، لا تتركني..

• أسكت أرجوك. أن يكون الإنسان وحيداً إن الذي أحببته مات، لا تقل ذلك ، أيها اللعين.. أنا حزينة

• أجل .. ولكن ما الذي بوسعنا أن نفعله، ساكتة، إنني أفكر بما تقوله، وهل يعيدنا رفضنا، حسنا كل ما تقوله مفهوم، ماذا نقاوم، كيف؟، أنا لا أرفض أن أكل، لو كان الأمر بيدي، أنا فضلت الحبيب، بل تحدث .. شكراً، من صوتك....

ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء

اذا كانت مسرحية (الباب) لمؤلفها "يوسف الصائغ" الى جانب مسرحية (ديز دمونة) قد حازتا على افضل نص مسرحي في ايام قرطاج المسرحية، الاولى عام 1989، والثانية عام 1987، فأن مسرحية (العودة) حازت على افضل نص مسرحي من مركز المسرح العراقي عام 1987، اي في نفس العام الذي حازت فيه مسرحية (ديزدمونة). وهي أقصر من مسرحيتيه السابقتين، ولا يتعدى عدد صفحاتها على الثلاثين من قطع الحجم المتوسط، ومسرحية (الباب) أطول من كليتهما ويربو عدد صفحاتها على السبعين صفحة، بينما يبلغ عدد صفحات (ديزدمونة) بحدود الخمسين. وتتكون من فصلين ايضا مثلهما، وتضم خمس شخصيات هي: الأب حسين العراقي الذي لا يظهر إلا كشبح في بداية ونهاية المسرحية. حيث يفتح باب غرفته في نهاية المسرحية، والضياء على وجهه الوقور والدموع تسيل من عينيه. الأم: زوجته. محمود: أبنه الاكبر. سميرة: زوجة محمود. أبو الشهيد: أبو سميرة.... وأخو الأم.

كتب هذه المسرحية عام 1986 تحديداً في نهاية حزيران، أي بعد عام من كتابة مسرحبة( الباب) الذي كتبها نهاية تموز 1985، بينما لم ينجز مسرحية (ديزدمونة) الا بعد مضي ثلاث سنوات على كتابة (العودة)، وأربعا على (الباب).

وهى كــ (ديزدمونة) تتناول موضوعة (الخيانة) عبر شخصية (محمود) الذي ينهزم من جبهة القتال، إلا أنه خوفا من انضباط والده العسكري القديم في الجيش العراقي وصرامته ازاء الذين يتقاعسون في أداء واجبهم الوطني، يلجأ مختفيا في دور الاقرباء والاصدقاء ولكنه سرعان ما يعجز ويدب في نفسه الياس والملل، فيضطر اللجوء الى دار والده، حيث يحتل مع زوجته سميرة غرفة في الطابق الثاني، اذ بدخول محمود الدار، تحديدا حيث تنام زوجته تبدأ المسرحية.

بالرغم من أن موضوعة الوطن وخيانته من الموضوعات المطروقة على نطاق واسع ، إلا أن قلة من النصوص المسرحية أستطاعت توظيفها دراميا دون أن تنزلق في متاهات التقريرية والمباشرة، ومسرحية (العودة) هي واحدة من النصوص التي استطاعت أن تتبوأ صدارة هذه القلة وبجدارة، وذلك من خلال رفدها بالرموز وبالاعتماد على لغة ثرية بالأدبية والدرامية والشعرية، لغة أقرب الى قصيدة الشعر العمودي منها إلى قصيدة الشعر الحر وتفوح منها رائحة الحروب القديمة اكثر من الحروب الحديثة، لغة صاغ المؤلف كل جملة منها بدقة وعناية بالغين بحيث كاد أن يغدو نصه هذا أو هو كذلك أشبه بجرة تنزاح منها كل المفردات والعناصر الموظفة بعد أن تتجمع فيها لتصل الى المتلقي، وبهذا الإنجاز لا يكون "الصائغ" قد دون نصا دراميا عربيا فحسب يأخذ طريقه إلى العالمية إلى جانب بعض النصوص العربية التي قد لا تتجاوز بعدد أصابع اليد الواحدة، وانما بالإضافة إلى ذلك نصا أدبيا ونصا شعريا.

يكرس الصفحة الاولى من النص لوصف أكسسوارات الديكور، بالتعويل على الرمز، إبتداء من أول جملة تأتي فيه وهي: (منزل من طراز قديم نسبيا) بمعنى صاحب هذا المنزل وان كان ضابطا قديما .... تكمل الجملة الثانية معنى الجملة الاولى وهى: (ولكن اكثر أثاثه حديث)، أي أن فكره وقاد ونير. وتأتي الجملة الثالثة نعتها لأثاث البيت مقرونا بالبساطة والرصانة، اشارة واضحة الى التفكير الواقعي الذي يتحلى به صاحب البيت (حسين العراقي)، وجملة (وموزعا بنظام واضح) إلى التزامه بتوزيع أوقاته بما تلبي حاجاته وانتصاب ساعة كبيرة طوليا وسط الصالة وهي تراقب مايجرى من خلال عقاربها وبندولها الطويل وهو يتأرجح برصانة ورتابة ومن خلال دقاتها التي تتردد أصداؤها في البيت، إيماءة الى التاريخ ووجود صور ضابط كبير بملابسه العسكرية في أعلى الصالة يتطلع باعتداد وثقة إلى المستقبل دلالة على صرامة هذا الضابط وقوته وثقته الكبيرة بالانتصار وتحقيق الهدف المنشود.

أما أن يرتئي بوضع المدخل إلى يمين المسرح يجاوره باب السرداب القديم، وان يكون هذا الباب قديما وحديديا وصغيرا، فمعناه ان الأب يمنع دخول ابنه الدار، ذلك ان اليمين كما هو معروف في المسرح إيحاء الى الجانب السلبي من الموقف والشخصية، ويجاور المدخل باب السرداب القديم، والسرداب رمز للسقوط والانحدار ومكان لمأوى الزواحف والحشرات، وبالنسبة للناس، الفارون عن وجه العدالة كأبنه (محمود)، وتمنح جملة غرف اخرى تدل عليها أبواب مغلقة في الطابقين، تمنح معنى على ان الذين يعيشون في هذا البيت يعانون من مشكلة كبيرة ومشكلتهم هي فرار محمود من جبهة القتال، وعلى هذا الاساس فأن الغرف الاخرى تبدو مغلقة وبالرغم من ذلك فثمة ضياء خافت في غرفة محمود حيث تنام زوجته، وهذ الضوء الخافت يرتبط بمحاولات سميرة في استعادة زوجها الى جبهة القتال.

واذا ما ظهر الأب في بداية المسرحية فأنه يظهر لمتابعة خطوات دخول أبنه محمود الدار وتوجهه نحو الغرفة التي تنام فيها زوجته سميرة ملثما وبخطوات حذرة، ودخوله بهذا الشكل هو تشبيهه باللص والخوف من والده، واكتشاف باب الغرفة مغلق إلى حلول مصيبة كبيرة بزوجته حيث استشهد شقيقها (مهند) في جبهة القتال.

وتأتي أهمية استخدام الرمز في قطع اكسسوارات الديكور بالإعلان المبكر عن ثيمة المسرحية ولا يتوقف استخدام هذا الاسلوب عند هذا الحد وانما يمضي به قدما، مستخدما إياه في حوارات الشخصيات، وهو بذلك يضيف ايجابية أخرى على موضوعة النص المتعاطف معها المتلقي تلقائيا، وهي امتصاص جزء كبير من ميلودراميتها. ويبلغ هذا الاسلوب ذروته أي بلوغه درجة كتابة سيناريو تنشطر فيه فقرات النص إلى خطة اخراجية متقنة، بضخ الحوارات لشروحات تعزز مغزى هذه الحوارات، وتنقل صورتها الى ذهن المتلقي اذ من بداية حوارات المسرحية الجارية بين محمود وسميرة، يعلن المؤلف من خلال نهوض سميرة من فراشها في حركتها المتثاقلة وتقدمها بخطى متعثرة، انها لا تعاني من مشكلة فقدان شقيقها، بل فقدان زوجها كذلك، بفعل موقفه المخزي ازاء الفرار من جبهة القتال، والانتقال خفية من مكان وبيت إلى أخر، كما ان وقوفها في مكانها بعد دخول زوجها الغرفة، مستندة بظهرها إلى الباب، وإغلاقه بألية، اشارة واضحة إلى أنها رغم رفضها لموقف زوجها المخزي من الوطن، انها تحبه وحريصة على حياته وتخاف عليه من والده الذي هدد بقتله، وقولها له (ما كان لك أن تجئ) تعطي نفس المعنى. ولا يخبر المؤلف المتلقي الحالات المرضية التي تعاني منها سميرة بشكل مباشر وانما عن طريق اللمز والغمز، هي تقول لزوجها: هذه التي في يديك للنوم، وتقصد الادوية، وتلك للخوف.. والشراب الذي في العلبة للنسيان. فالجملة الاولى تهدف إلى قلقها من نتائج فراره الوخيمة، والثانية من تهديد والده، والثالثة استشهاد شقيقها، ويعقب هذه الجمل، صوت القصف، للدلالة على ان الحرب هي التي جاءت بحالات سميرة المرضية .

ومع أن سميرة تبدو قاسية مع زوجها بخصوص تسليم نفسه للقوات العسكرية والتحاقه بالجبهة، وتحمل نتائج فراره وخيانته للوطن، لأنها قد تربت في كنف عائلة تسري الوطنية في عروقها، مع هذا انها تحبه بشكل غير مألوف وطبيعي، ويتضح هذا من خلال ثلاث جمل، في الجملة الاولى تبكي وهى تخبره، بقسم والده، إن راه .. يقتله. وفي الجملة الثانية. حين سمعته يدق على الباب.. بدا لها في نومها (تحلم) أن شيئا لم يحدث، أي انه عاد الى البيت وكأنه يعود من جبهة القتال، وليس فارا منها، والثالثة بكاؤها على زوجها وليس على أخيها.

(الجملة الاولى) سميرة: سيقتلك. محمود: يقتلني؟ سميرة: أجل..(تبكي)

(الجملة الثانية) سميرة: حين سمعتك تدق على الباب.. بدا لي في نومي، ان شيئا لم يحدث.. كما كنت تعود سابقا.. ثم.. لم أيقظتني؟

(الجملة الثالثة) : الناس حسبوا أنني أبكي على اخي.. ما كانوا يعرفون أني أبكي على زوجي...

وهي في الوقت الذي تحلم فيه لأن يكون بطلا، يسئ فهمها هو، على انها تريده كذلك ليقتل، وتتباهى بموته، ويعترف بأنه ماكان يصح ان يجئ إلى البيت، لأنه لم يكن يعرف بأستشهاد شقيقها، وعندما يهم بالانصراف، تحذره من أبيه، لأنه اذا راه سوف يقتله، ويسئ فهم هذه الجملة ايضا، على انها حاقدة عليه، لذلك يحاول ابتزاز مشاعرها عبر سؤاله. ان كانت ستكون أسعد حظا.. لو قتلوه وجعلوا منها أرملة؟

فترد عليه بكل حكمة: ... وماذا تراني الان؟ الست ارملة؟ بل انا أتعس بين الارامل.. والان أذهب .. واذا شئت ابق .. سيان .. أن ما أعانيه وتعانيه لن يتبدل .. مابالك واقفا تنظر إليّ بهذه الطريقة .. هيا أذهب ما دمت تريد ذلك..

ولتصوره بانها تطرده من بيته، فيلح على البقاء، وترد على تصوره هذا بحكمة اقوى من سابقتها عندما تقول له: أهو بيتك حقا؟ مابالك لاتستطيع الدخول اليه في وضح النهار؟ لماذا جئته ملثما في ساعة متأخرة من الليل .. ما بالك تدخل اليه مثل لص؟.. لماذا لا تملك فيه الا ان تتحدث همسا.. وتسير على حذر .. تقول بيتي؟ هيا اذن انزل، ان كنت تستطيع، ودع والدتك المسكينة تراك وتعانقك .. أقرع الباب .. وسلم على ابيك .. وتبلغ بها القساوة حد تهديده بما يشبه الطلاق، عندما تخاطبه، بأن حتى زوجته، ماعادت زوجته. وهنا يحذرها من قتل نفسه التي تسخر من تخويفه هذا واصفة اياه بالبطولة. وعندما يشعر بأنها تسخر منه وتدفعه الى اليأس، يتوسل اليها بأنها ملجأه الاخير، وبتخليها عنه .. لا يبقى له ما يربطه بالحياة، إلا أنها لا تصدقه، وتعد توسله هذا نفاقا، ويعود ليتوسل بها، بأنه لا يستحق منها هذه القساوة، ذلك لأن الذي يفعله، لأنه يحبها، غير إنها لا تسمح له بأن يلقى مسؤولية عاره عليها. وحيال عناد وإصرار سميرة البقاء على موقفها، يضطر محمود الركون إلى الأسلوب الهادئ، ومداهنة زوجته عبر نعتها بالعادلة والمنصفة وتساؤلها عن الأسباب (عدا حبه لها) التي حولته عن سجيته فيصير جبانا؟ أما هي فتعتقد بأنها خدعت به، ذلك إنها اختارته لتوهمها بأنه رجل .. وعلى هذا الأساس راهنت على رجولته، إلا انه خذلها. ويقر مرة أخرى بأنها على حق، ولو كان رجلا، وعنده مقدار ذرة من شجاعة لقتل نفسه ألان، وسرعان ما يخرج مسدسه.. يفتح مسمار الأمان .. ويلقم أطلاقه .. وهو يتطلع خلال ذلك إلى زوجته بابتسامة غريبة. سميرة وهي تراقبه: اجل هيا أسرع. محمود! (يضع المسدس على رأسه) سميرة: (تنهار باكية) أوه.. يالتعاستي. محمود: ( ينزل المسدس من رأسه) أيتها الملكة يا حبيبتي.. ألا ترين لا تريدين لي الموت..

ويقترب منها، فتبعده عنها، بقولها لا تلمسني. ويرد عليها لا أستطيع تلك هي مشكلتي.

ومن هنا، من هذه الجملة ألهاملتية، تبدأ بظهور ملامح شخصية محمود، والعلة التي يشكو منها، بالإضافة إلى ملامح شخصية زوجته وشخصية والده وشخصية والد زوجته (أبو الشهيد). إذ يشكو محمود من مركب نقص حب الوطن مثله مثل هاملت الذي كان يعاني من عدم حبه لأمه، وعطيل أرتيابه بزوجته، مما أدى هذا النقص في شخصية محمود، ليملأ الفراغ الذي يعاني منه، إن يتحول إلى حب زوجته سميرة، هذا الحب الذي ما استطاعت الحرب نفسها إن تبعده عنها، ولم يستطع الخوف ولا الموت ولا القنابل والمدافع .. وكل أسلحة العالم، ليبقى حيا، ويحبها: كنت أحس أنهم يطلقون النار على سعادتنا ولهذا هربت.. اجل سميرة لا تسخري مني .. مشكلة السعداء إن عندهم ما يخافون عليه، ولهذا يصيرون جبناء.. شجاعتهم الوحيدة هي الدفاع عن سعادتهم...

على الرغم من موقف محمود السلبي تجاه وطنه، فأن المؤلف لم يدعه دون إعطاءه فسحة للتحرك عليها، بهدف إيجاد المسوغات لأفكاره، ذلك إن هذه الفسحة هي التي تفتح المجال للاختلاف في الافكار، وبالتالي التوازن بين الشخصيات، بل والتقاطع فيما بينها. ويستخدم المؤلف طريقتي التقابل والتقاطع بين شخصيات المسرحية، بتقابل وتقاطع محمود مع سميرة، وتقابل وتقاطع أبو الشهيد مع حسين العراقي. محمود وسميرة، التقابل من خلال الحب الذي يجمع بينهما. والتقاطع بمدى حب الوطن، وأبو الشهيد وحسين العراقي، التقابل في حب الوطن، والتقاطع في كيفية تربية الأبناء.

أن شخصية محمود شخصية متمردة، مثل شخصية (هو) في مسرحية (الباب)، فكلاهما يتمردان على السلطوية، (هو) برفضه النزول إلى الجب، ومحمود بعدم دفاعه عن الوطن. ويبدو لي أنها امتداد لمسرحية (الباب) ومتممة لها، ذلك إن حب الرجل للمرأة،

شأن مسرحية (الباب) يلعب الدور الرئيس في معالجة المشكلة، في (الباب) بالخروج من الجب، وفي هذه المسرحية بالخروج من (السرداب) وكلاهما الجب والسرداب يرمزان إلى العفونة والخسة.

إن المؤلف يمنح فسحة لشخصية محمود للتحرك عليها، لا دفاعاً عن نفسه، بل ليعبر عما يختلج في قرارة داخله بصدق تجاه الوطن من جهة، وبقصد إدانة السلطوية من جهة ثانية، المتمثلة في الأب حسين العراقي. صحيح إن الأب، دافع عن وطنه، وأحبه كما أحب فلذات أكباده، لكنه أحبه كما يعبد الإله، أو كما يقول محمود: أرادنا جميعا إن نحب الوطن ونفهمه ونؤمن به ونتفانى لأجله.. بالطريقة نفسها التي فهم بها هو الوطن .. وتفانى له .. تلكم هي العلة .. أي من هنا، بدأ خلاف الابن مع الأب، من إتباع طريقة والده نفسها في حب الوطن، ذلك إن الوطن من وجهة نظره ليس ترابا، ولا مجرد أرض وماء وسماء.. وينبغي لكي نحبه ونموت له... إن يتحول فينا إلى كائن حي .. جميل.. وذكي ومحبوب.. نراه، ونلمسه، ونتفاهم معه.. ونختصم، ونتصالح...

وهذه الجمل القصيرة، الكبيرة بمعناها، ما هي الاّ إدانة واضحة إلى ضباط الجيش الكبار التي تستولي عن طريق الانقلابات على دست الحكم، وتفرض سلطتها بيد من حديد على رقاب الشعب.

إن محمود لم يفر نتيجة جبنه من ارض المعركة، ولكن لحاجته إلى من يعلمه أن يكون قادراً كالآخرين بحب الوطن. والعجب إن أحداً لم يساعده، بيد أن زوجته لا تقتنع بهذا التبرير. تحت ذريعة أن ما يتفوه به ليس إلا مجرد نفاق. ويدعوها إلى أن تعينه، وهذه الدعوة فاتحة أمل للرجوع عن موقفه السابق، الالتحاق بجبهة القتال، وتعاتبه لأنه لم يلجأ إليها منذ البداية، قبل أن يهرب، إيماناً منها، إن يلجأ الإنسان إلى من يحبه حين يكون ضعيفاً، مسألة طبيعية جداً. ذلك حين ذاك قد يستقيم كل شيء، لأنه في الخطوة الأولى التي أبتعد عنها عن الجبهة، إنما كان يزحف بعيداً عن الحياة، ولهذا تحضه على الانتصار على نفسه، وهذا التوجه هو الطريق الوحيد ليستعيد نفسه، ويستعيد زوجته، وكل شيء .. ويأتي هذا الانتصار بتسليم نفسه، ويقر بخطئه، ومن ثم انه يستحق العقاب .. لكنه لا يروقه ذلك، في تصور منه، أنها تحكم عليه بالإعدام سلفا، ويطلب منها أن تتريثه ريثما يصدر العفو، فيروح عند ذاك ويسلم نفسه .. وتصر زوجته على أنه لا يسترجع نفسه إلا بمواجهتها. فيعتذر عن قبول شريعتها، مخاطباً إياها بالقاضي، هكذا: أيها القاضي الذي لا قلب له.. أنا أعتذر عن قبول شريعتك .. لماذا تريدين أن تدفعيني إلى الطريق المسدود؟ حسب أن تتمهلي عليّ .. غداً أو بعد غد .. يصدر عفو .. ما عبثا أنهم يعطون فرصة لأمثالي، أنهم يعرفون أن هارباً يمكن إن يعود إلى القتال .. ويأخذ فرصة جديدة من اجل إن يكون بطلاً .. أعطيني أنت هذه الفرصة .. ولن تندمي .. سأغسل كل الأردان التي لحقت بي .. وغداً.. من يدري؟ قد أعود بك بطلا تباهين بي....

ويبدو أن زوجته تقتنع بإعطائه فرصة، ريثما يصدر العفو ليقوم بتسليم نفسه، عندما تسأله: فإن صدر ولم تفعل؟ ويرد عليها قائلاً: عند ذاك افعلي ما تشأئين ... ولكنني أحلف لك ... فتمنعه أن يحلف، ذلك انه لم يكذب عليها يوما، وتصدقه دائماً، واعتباراً من جملة (أصابني الوباء، أنا مريض يا سميرة... )

يبدأ محمود بالانتصار على نفسه، مقراً ومعترفاً بخطئه وهو يقول: لم أنفك أقول لنفسي فيها.. لقد أخطأت .. ومرات هممت أن أركب أقرب سيارة وأعود إلى الجبهة .. وأقول عاقبوني...

وعقب اعترافه بخطئه، تدعوه إلى غسل وجهه، علها ترى فيه الصورة التي عرفتها من قبل، أو كأنما يغسل كل الأردان التي علقت به، ويطهر نفسه منها، ثم يتوجه نحو الباب، مصراً على الخروج من الدار والذهاب إلى أقرب معكسر لتسليم نفسه، إلاّ أنها تردعه، وتطلب منه الانتظار إلى طلوع الفجر، خشية من أن يراه والده، الذي يسمع صوت سعاله في الطابق الأول، إشاره إلى انه مريض، ولكن رغم مرضه، فهو ما زال يقظاً، ويتمتع بذهنية المراقبة من حيث معرفته لما يجري في الدار، أي بوجوده فيه.

يبدأ الفصل الثاني بعد يومين في الصالة، ومعظم الحوارات الدائرة فيه، تكاد أن تنحصر بين سميرة وأم محمود، باستثناء مشهد حلم سميرة، حيث يظهر فيه محمود، وقبل نهاية المسرحية بصفحتين تقريباً، يشترك أبو الشهيد (والد سميرة) مع أم محمود وسميرة، في بعض الحوارات للعثور على مفتاح السرداب، ظنا من أم محمود وسميرة، بأن محمود قد اختبأ في السرداب، وان والده الذي كان قد أقسم أن يقتله إذا ما رآه، قد أغلق باب السرداب عليه وأخذ المفتاح. وتفكير سميرة بهذا الاتجاه لا غبار عليه، لان والده كان قد رأى محمود أثناء دخوله الدار، الاّ ان أم محمود تنفي حدوث شيء من هذا القبيل، بدعوى أنه لو أراد ذلك، كان بإمكانه إن يدخل عليه في السرداب ويقتله مباشرة.

ولمرور يومين على عدم ظهور محمود، واختباءه على الأغلب في السرداب، لأنه عندما كان صغيرا، ما يفتأ إن يعبر عن غضبه باللجوء إلى نفس المكان، يصر الاثنان على فتح باب السرداب، حرصا على حياة محمود من الموت فيه، ولكن المفتاح ليس بحوزتهما، ولا يعرفان مكان وجوده، لذا يقرران، بالأحرى تقرر سميرة، بكسر الخزانة الخاصة بوالد محمود، ظنها منها بان والده قد أخفى المفتاح فيها، وتحذرُ أم محمود سميرة من مغبة ما يمكن إن يحدث إذا عاد الأب ووجد خزانته العزيزة مكسورة وترى سميرة ان كسر الخزانة ليس أسوأ من فتح باب السرداب، ورؤية محمود ميتاً، وهي التي تتحمل مسؤولية ما تقوم به، ومواجهة الأب في كسرها، وبعد أن تكسرها تجد فيها : مسدساً.. عدداً من النياشين.. قرانأ.. صوراً.. وشدة أوراق ملصقة عليها زهرة يابسة..

والمفتاح هنا، يقابل ويماثل فتحة الجب في مسرحية (الباب) وهو رمز لكيفية خروج محمود من مأزقه، وطريقة التحاقه بجبهة القتال.

وكل واحدة من هذه الأشياء لها مدلولها، وتعبر عن شخصية الأب، وعندما لا تعثر سميرة على المفتاح، وتعود تجرب أن تغلق باب الخزانة ولا تستطيع، تطلب من أم محمود أن تساعدها، بعدم التخلي عن محمود، إذا صدر عفواً أن يذهب ويسلم نفسه، وتؤيد أم محمود توجيه زوجها اللوم عليها في إفساده، إذ كان عندما يرتكب خطأ ويغضب عليه والده، وهو طفل صغير يلجأ إلى السرداب نفسه، واصفة السرداب الحالي، مع انه نفس السرداب بالقبر، لتذكرنا بقبر مسرحية (الباب)، ونزول (هو) إليه، ليدفن ويموت فيه، و(محمود) إلى السرداب، لئلا يعفن نوم غرفته الزوجية، وتبقى العفونة عالقة في جسمه إلى صباح الغد، حيث يسلم نفسه، ولكن كما يبدو أن محموداً لم ينزل إلى السرداب بعد إن نامت سميرة وأخبرها بأنه سينام فيه، وإنما ذهب ليسلم نفسه حالا. ولذلك فان باب السرداب، وهنا يباغت المؤلف المتلقي، بأنه لم يكن مغلقا، بل مفتوحاً، وينفتح، وهي التفاتة ذكية أخرى من المؤلف، على يد أبو الشهيد (والد سميرة) بما معناه أن النصر لا يتحقق إلا على يد أمثال هؤلاء المضحين من اجل الوطن.

أبو الشهيد: (يذهب إلى باب السرداب.. يتفحصه.. يضرب بقبضة يده عليه.. يهزه.. مرة.. مرتين.. فجأة ينفتح الباب.. يرجع أبو الشهيد إلى الخلف.. لحظة.. يصرخ!) الباب مفتوح .. انه مفتوح .. اُنه مفتوح .. أيها المساكين .. ( يفتح باب غرفة الأب.. ويرى للأول مرة والضياء على وجهه الوقور والدموع تسيل من عينيه..)

وإذا كانت الشخصيات في هذه المسرحية، تنحو منحى التقابل والتقاطع، فأن حدثها يسير في ثلاثة خطوط متوازية، تظهر في البداية بضبابية لا تزول، وتتضح قبل نهاية المسرحية بقليل وهي

1- دخول محمود الدار وتوجهه نحو الغرفة التي تنام فيها زوجته، ومراقبته من قبل والده.

2- حلم سميرة بـ محمود، حين دق على باب غرفتها وهي نائمة، وقد عاد، وكأن شيئاً لم يحدث.

3- إصرار محمود الاختباء في السرداب.

هذا ما تقوله سميرة لأم محمود، بينما في الحوار الدائر بينهما، لاتوجد أي جملة توحي إلى ذلك، أو حتى إلى هذا المعنى، وكل مايقوله محمود إلى سميرة بعد أن تطلب منه إن يرتاح على السرير، بأنه سينام على الأريكة، وسيوسخ السرير.. يعبر الخط الأولى باكتفاء الأب مراقبة أبنه، وعدم سعيه باتجاه حل مشكلته، أو حتى زجره بأي شكل من الإشكال، يعبر عن شخصيته غير المعروفة، باُعتباره شخصا نظريا أكثر من أن يكون عمليا، بدليل أنه جلس في ساعة متأخرة من الليل في غرفته يطالع كتابا ما. وبمقارنة الأب مع أبو الشهيد، فان الثاني استشهد ابنه في جبهة القتال، بينما الأول أبنه فار منها، وان دل هذا على شيء فإنما يدل على نقص ما في تربية أبنه محمود. وهذا النقص هو تربيته كما تربى هو، وبالطريقة نفسها، وفي محاولة لجعله نسخة طبق الأصل منه.

كما إن اكتفاءه بالمراقبة تعبر عن الوجه الأخر لشخصيته، فبالإضافة إلى انه يتمتع بالصرامة والشهامة والبطولة وحب الوطن، كونه ضابطا قديماً يفيض في الوقت نفسه بمنتهى مشاعر الحب والإنسانية، ولعل مشاعره هذه هي التي جعلته غير قادرٍ على مواجهة أبنه، لذا فقد اكتفى برؤيته فقط..

أما الخط الثاني المتمثل ب حلم سميرة، عائداً زوجها من جبهة القتال في بداية المسرحية، لاتتوضح تفاصيله إلا قبل نهاية المسرحية بقليل، وهو من أجمل مشاهدها، لاعتماده على الإضاءة الحالمة، وكلما تقدم المشهد زاد معنى الحلم من خلال الحركة والصوت والأداء. وهذا الحلم إن لم يأت كنهاية للمسرحية، إلا انه كذلك، فأن المسرحية تنتهي به، أي إن المؤلف يستخدم تقنية جديدة في معالجته الدرامية، وهي تقديم هذه المعالجة، وعدم التعويل على النهايات التقليدية، ذلك ان اختتام المسرحية في هذا المشهد، كان قد أفسد كل شيء، بسبب حتمية وقوعها في متاهات التقريرية والمباشرة.

تحلم سميرة بمحمود وهو في صدر الغرفة مرتديا ملابس قتال.. رأسه وذراعه مضمدان.. وعلى صدره بضعة نياشين، أو كما يقول المؤلف وهو يصف محمود، رأسه إلى الأعلى، عيناه تحدقان في فراغ، وعلى شفتيه ابتسامة غامضة.. حين يتحدث تبدو وفي صوته نبرة مغايرة لما سمعناه في الفصل الأول.. فاذا تحرك، كان في حركته ثقل واضح ... ومثل بطل مسرحية (الباب) يتحول محمود من اللأنتماء إلى الانتماء، عبر التحاقه بجبهة القتال وإصابته بالجروح. واصراره على العودة ثانية إليها، ذلك لإعطاء نياشينه، حيث ينتظرونه، ويقصد الشهداء، ليصبح شهيداً مثلهم.

بالنسبة للخط الثالث، فقد تم تسليط الضوء عليه، بما لا يحتاج العودة إليه ثانية.

وكما تكررت بعض المفردات كثيراً في مسرحيتيه (الباب) و(ديزدمونه) كذلك في هذه المسرحية، تتكرر كل واحدة من مفردتي (المفتاح) و (السرداب) أكثر من عشرين مرة. وإذا ما قمنا بتركيب جملة مفيدة من هاتين الكلمتين، فستتكون لدينا جملة(مفتاح السرداب) وهي جملة قابلة للتأويل. بالأحرى إن بلوغ تأويلها ليس صعبا، لاحتوائها المتن.

ومثل هذه الجملة تجعل المتلقي ان يطرح هذا السؤال على نفسه:

- ترى ماذا بـ مفتاح السرداب؟

الجواب واضح وبسيط، ان المفتاح مفقود. ثم يعود فيطرح سؤالا آخر، وفي هذه المرة عن السرداب: وماذا في السرداب؟

يأتيه الجواب بنفس قدر وضوح وبساطة الجواب الأول. في السرداب تعيش الحشرات والزواحف، وأحيانا البشر غير السويين

إذن ثمة مشكلتان، يتحتم إيجاد الحلول الناجعة لهما، أولهما ضياع المفتاح الذي ينبغي العثور عليه، وثانيهما السرداب الذي تعيش فيه الحشرات الضارة والبشر الضارين، الذي هو الآخر بحاجة إلى هدمه للتخلص من أضراره.

ولم يلجأ إلى السرداب سوى محمود مذ وان كان صغيراً، فالمفتاح هو عنده إذن، فالعثور على المفتاح في هذه الحالة، هو ليس للدخول إلى السرداب وإنما للخروج منه، وفي هذه الحالة أيضا فمحمود ليس بحاجة للسرداب، لذلك فيتوجب هدمه، ولكن ليس بجهوده، وإنما باشتراك زوجته معه، وحبها الكبير له .

وبناءا على هذا الفهم للمسرحية، فلو كان المؤلف قد أطلق عليها عنوان ( مفتاح السرداب) بدلا من ( العودة ) لكان هذا العنوان يعبر عن فحواها أكثر .....

 

 

المصادر:

1- صباح هرمز: قراءات في المسرح المعاصر ص149 وزارة الثقافة والشباب، المديرية العامة للثقافة والفن والرياضة والشباب/ أربيل، مديرية فن المسرح من منشورات الدورة الثالثة مهرجان اربيل الدولي للمسرح عام 2013

2- الرقم سبعة في الحضارة العراقية القديمة المؤلفة حكمت بشير الأسود. ص212. الطبعة الأولى 2013

3- المصدر نفسه السابق. ص 212

4- المصدر نفسه السابق. ص 39-40

5- كتابة المسرحية – بناء الفعل، لمؤلفه سام سيلي ترجمة سامي عبد الحميد – مراجعة سهيل سامي نادر الطبعة الأولى ص130