مواضيع للحوار

رأي الأستاذ علي ماجد شبو بالمهرجانات العربية

رأي الأستاذ علي ماجد شبو بالمهرجانات العربية

37 مشاهدة

رأي الأستاذ علي ماجد شبو بالمهرجانات العربية ...

#مجلة المشهد المسرحي

               المنصة الحرة

              المحور الثاني

(المهرجانات المسرحية العربية وضرورة ان تعيد النظر بأساليب عملها وتوجهاتها من حيث تكرار العروض و تواجد نفس الضيوف في اللجان والندوات والورش وكضيوف).

متى نتخلص من هذا الوباء في جسم المهرجانات المسرحية العربية ورفد تلك المهرجانات بدماء جديدة) .

كنا قد نشرنا السيرة الذاتية لضيفنا الثالث العزيز الاستاذ "علي ماجد شبو"

الان ننشر لكم رأيه من المحور الثاني للمنصة الحرة

** ضيفنا الثالث الاستاذ علي #ماجد شبو

** #المهرجانات المسرحية العربية

لعل من أقدم الشواهد على إقامة المهرجانات الثقافية العربية هو المهرجان الشعري الذي كان يقام، لمدة عشرة أيام، ضمن " سوق عكاظ "، قبل ما يزيد عن 1500 عام. وفيه كان يتبارى الشعراء من مختلف القبائل والعشائر، ففوز شاعر عظيم، أو قصيدة عظيمة هو فوز للقبيلة والعشيرة. المهرجانات الثقافية العربية المعاصرة، لم تشذّ عن هذا المسار، فهي امتداد واقعي لذلك الإرث، ولذلك "العكاظ". فالمهرجانات الثقافية عموماً، والمسرحية على وجه الخصوص، هي شكل فريد من أشكال الاحتفال العلني، وهو احتفال عام، مع خصوصية جمهوره من فناني المسرح ومريديه. يشغل المهرجان مساحة زمنية محدودة، وله نتائج، لعل أبرزها جوائز المسابقات.

ويقف خلف إقامة هذه المهرجانات عدد كبير من الفنانين والإداريين،  ولكن قبل، ذلك تقف وراء الجميع، "الدولة"، وأعني بذلك، الدولة الراعية للمهرجان فضلاً عن العوامل والمصالح السياسية التي تدعو وتيسّر إقامة هذه المهرجانات. فالمهرجانات في المنطقة العربية، لا تُقام لسواد عيون المسرح، أو جمهوره. لذلك، فإن ظاهرة اهتمام القبيلة التي كانت تفخر بفوز شاعرها في "عكاظ" قد تحول في الزمن المعاصر الى افتخار الدولة، أو الفرقة المسرحية (المدعومة غالباً من الدولة) بالعرض المسرحي الذي يُشار اليه بالتمييّز.

إن تعدد المهرجانات المسرحية العربية ليس بنقيصة، ولكن النقيصة هي في التشابه حدّ الملل بين العروض المسرحية والأفكار والأشكال الفنية التي تُصاغ بها، وكذلك غياب البحث الجمالي الواعي الذي ينتفض ضد البهرجة السطحية التي غالباً ما تُلبس المضمون غموضاً يُبعد المشاهد، بل وحتى المسرحي الصبور عن العرض المسرحي. فضلاً عن أن جميع هذه المهرجانات تكاد تخلو من المفاجآت الهامة، فيما يخص المشاركين في العروض المسرحية أو غالبية المدعوين للحضور أو للمناقشات (مع ملاحظة أن بعضهم لا يحضر أي فعالية من المهرجان سوى حفل الافتتاح والختام والعرض الذي يقدمه بلده) ، فتكرار مشاركة الأشخاص أنفسهم من البلدان العربية، سواء أكانوا مسرحيين، أو نقاداً أو أكاديميين، أو إعلاميين يشي بفقر "المخزون الثقافي" المسرحي العربي. هذا الفقر، إذا أقرّرنا به، ثم  لم نبحث عن جيل بديل أو حتى أجيال بديلة تتعايش مع من سبقهم في هذه المهرجانات، فإن شرعية إقامة هذه المهرجانات ستبدأ بالتآكل وستفقد كل مبررات وجودها. وفي هذا الصدد، كنت قد أشرت في ورقتي التي قدمتها الى الدورة السادسة والعشرون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في أيلول / سبتمبر 2019. الى الآتي:

- " أود أن أسجل، ملاحظتين: الأولى فيما يخصّ الكثير من العروض المسرحية والتي أراها تفتقر الى الهوية المشتركة مما يجعلها بالضرورة فاقدة للمعنى الوجداني العربي، إضافة الى ذلك، فإن مجمل هذا النمط من المسرحيات، وبسبب الاستنساخ الفكري والجمالي المشوه، يكون محملاً بكارثة أخلاقية تتلخص بالاستعلاء على الجمهور الذي تناشده. وهو، في تقديري، ما يُلغي عنها شروط التشارك السري بين الجمهور وخشبة المسرح وتقاليده المعروفة. ولعل البحث في جذور الهمّ الإنساني في المنطقة العربية يمكن ان يفرز أعمالا تتجاوز الحدود القطرية للبلد الواحد وربما تتعدى حدود المنطقة بهوية إنسانية شاملة تحمل هموم وتطلعات وحداثة المجتمع العربي. والملاحظة الثانية، تخص تعدد المهرجانات المسرحية وهو شيء يدعو الى السعادة بذاته، إلاّ ان معظم هذه المهرجانات تفتقر أيضاً الى الخصائص التي يجب ان تنبثق، على الأقل، من الأهداف التي أُنشأت هذه المهرجانات من أجلها، وأعني بذلك خصائص تشكيل هوية أيّ مهرجان وفرادته وتميّزه.  ولعل الدليل الواضح على ذلك هو ان المسرحية التي تقدم  في مهرجان كذا يمكن ان تقدم كذلك في مهرجان آخر وغيره. وباختصار شديد، ان تعدد المهرجانات في المنطقة العربية يستدعي وبإلحاح بأن تكون لكل مهرجان من هذه المهرجانات معايير محددة تتسم بالآتي:

- أن تكون منبثقة من خصوصية كل مهرجان وهويته الفنية المميزة.

- أن تكون ذات أبعاد فكرية وفنية بحيث يتمكن القائمون على المهرجان من رفض حتى الاعمال التي لا تتوافق وهويتها، وإن كانت أعمالاً جيدة.

- يجب ان تمنح هذه المعايير كل مهرجان، خصوصيته، وفرادته، وتميزه".    

أما مسألة التنسيق بين المهرجانات المسرحية العربية، فقد طُرح هذا الامر مرات عديدة، بهدف إيجاد أو وضع آلية تنسيقية - تخفي بين طيّاتها آلية "حُسن جوار"-  بين هذه المهرجانات. غير أني أجد في هذا التنسيق او في حسن الجوار "فخّ كبير". فالأسئلة تبرز: من يكون وراء تلك الآلية التنسيقية؟

وماهي معايير التنسيق؟

 وما هي الكيفية التي تضمن تطبيق النتائج الصادرة عنه؟

 مع إدراك أن آلية التنسيق ستكون غالبا "جسما غريبا" على كل مهرجان. وبذلك يصبح من السهولة جداً، أن تكون الآلية التي تهدف الى وضع معايير للتمايز بين كل المهرجانات المسرحية، هي ذاتها الآلية التي تمسخ التمييز المطلوب وتحيله الى نظام للتماثل والتشابه والتوحيد.

إن مسألة التنسيق بين المهرجانات العربية (وتلك التي لها بعد دولي) تتعلق بقضية أخرى، وهي الجهات التي تقف وراء كل مهرجان. فهناك مهرجانات مدعومة من قبل الحكومات، فمثلاً (قرطاج والتجريبي) بشكل من الأشكال هي مهرجانات الدولة، وهناك مهرجانات فرق أهلية مدعومة من الحكومة وجهات مانحة أخرى، (مهرجان المسرح الحر في الأردن) وهناك مهرجان قائم على مبادرة فردية خاصة مثل مبادرة الشيخ الدكتور القاسمي. (مهرجان الهيئة العربية للمسرح) ً. هذا التباين له أثر شديد على بنية المهرجان وهيكليته ومساره. لذلك فإن تشكيل أي هيئة أو لجنة تنسيقية لن يتمكن من تحقيق التوازن المطلوب، وتنتهي اللجنة الى مسارين لا ثالث لهما، أما ان تكون هيئة متسلطة، متخفية بالدعم الحكومي، أو هزيلة تماما لأنها ستكون جسم مضاف من خارج بنية المهرجانات، وستكون أراء واقتراحات هذا الجسم، دائماً، في موضع تنافسي، وفي شك وريبة.

ولذلك، أقترح صيغة واقعية قابلة للتنفيذ تقوم على الآتي:

1. عند انعقاد كل مهرجان من هذه المهرجانات المذكورة تخصص "جلسة تشاورية"، (ربما تبدأ في قرطاج القادم، وينبثق عنها "هيئة تشاورية" مؤلفة من رؤساء ومدراء المهرجانات إضافة الى خبراء من خلفيات متعددة.)، من الممكن ان تكون الجلسة علنية، لمدة نصف نهار او أكثر، يكون المشاركون الأساسيون فيها هم رؤساء أو مدراء هذه المهرجانات مع إمكانية دعوة أفراد من خارج إدارات المهرجانات للمشاركة في النقاشات، على ان يكون الامر مدروساً مسبقاً، أي قبل حضور الجلسات، وبتقديم أوراق عمل، توزع فيما بين إدارات المهرجانات والمدعوين، تتضمن أفكاراً، وآراءً واقتراحات ورؤى يسهم في تقديمها الجميع حول مسار المهرجان الذي يخص كلّ منهم وكيفية التواصل العملي، أي الامتداد مسرحياً من مهرجان لآخر. هذا الأمر سيشكل نمطاً من "كرفان" متنقل من تونس، قرطاج الى القاهرة، التجريبي الى عمان، المسرح الحر والى العواصم الأخرى التي يحلّ فيها مهرجان الهيئة العربية للمسرح.  ولتوضيح الامر، فإن نهاية دورة مهرجان ما، يجب ان لاتنتهي عند إسدال الستار، بل ان يُعلن عن المهرجان الذي يليه مباشرة وعن موضوعه للدورة القادمة، وعن الأسلوب الذي سيتبعه لمواصلة رؤى فكرية وجمالية، ربما بقوالب وهيكليات أخرى.

2. أن يكون لكل مهرجان من المهرجانات الأربعة المسرحية لونٌ خاص به في البحث في الفكر والإبداع المسرحي. مثلاً مهرجان رقم 1 يبحث دائماً في شأن التأليف والإعداد والاقتباس الدرامي، والمهرجان رقم 2 يبحث في رؤى مسرحية وجمالية خارج الصندوق، أي تجارب ليست بالضرورة ناضجة تماماً ولكن إيحاءاتها تفتح الطريق الى رؤى مسرحية وجمالية جديدة وقد تؤسس بمجموعها الى تيّار في المسرح. والمهرجان رقم 3 يبحث في الشكل والجماليات المساعدة (دون إهمال المضمون بالتأكيد)، وربما يتخصص مهرجان آخر في المسرح الشعبي، او السياسي او الطفل أو بمسرح يواكب هموم المجتمعات العربية في كل دورة من دوراته.

3. الاتفاق فيما بين كل إدارة من إدارات المهرجانات على النظر الى الواقع المجتمعي والسياسي العربي الحالي بواقعية، ووعي عميق، وتقديم مقترحات، تعكس هموم هذه المجتمعات. هذا أمر في غاية الأهمية للاقتراب من نبض الناس ونبض المجتمعات، ولكن بدون إبتذال لهيبة "الهم" الإنساني. والصيغة العملية لذلك هي، مثلاً، اقتراح أربعة مواضيع، أو محاور رئيسية (ينضوى تحت كلّ منها عدد آخر من الموضوعات المساندة). كل مهرجان سيختار الموضوع أو المحور الذي سيشغله في دورته القادمة من النواحي الفكرية والجمالية والمجتمعية. بهذا سنكون وضعنا خطوة أولية نحو "تمييز" كل مهرجان عن الاخر.          

ومن كل محور من المحاور المذكورة  ينبثق العديد من التفرعات الثيمية التي تثري تنوع العروض في المهرجان. كل هذه المحاور تكون مسندة بندوات معمقة مختصة بكل محور ولكل مهرجان، مع تنويعات سنوية تتبع ما يستجّد بالمحور، قيد البحث، ومواضيعه عربياً وعالمياً، مع الاستمرار برفد هذه الندوات بالمختصين العرب والأجانب .وأعني بذلك، إن الموضوع المحدد الذي يُطرح للدراسة المعمقة هذا العام - في ندوة - يمكن ان يستمر للعام القادم بل والى سنوات أخرى قادمة، فالمعرفة مرهونة بالديالكتيك ولاتتوقف مطلقاً، لذلك فان الموضوع سيُستزاد في الدورات القادمة بما استجد من فكر ومن ابداع.  مع ضرورة التوقف التام عن عقد ندوات تنشغل بموضوعات إنشائية ومسطحة للغاية لايكون لها أي تأثير لا في الثقافة المسرحية ولا على المسرحيين. وكذلك، التوسع في أدبيات المسرح ليلمس على الأقل بعض العلوم الإنسانية الأساسية وعدم التقوقع فيما يسمى علوم ونظريات وأدبيات المسرح فقط. 

لتكن، إذن، هذه تجربة، ويجب الإصرار على تعزيزها واستمرارها، بشكل واعي وإبداعي ومستدام، حيث أن في مكامن هذه التجربة تبرز حوافز خلاقة لأستيلاد تيار او "مدرسة" لها عيون عربية خالصة في الشكل والمضمون المسرحي.  فحين يستطيع المسرح ان يكون نبضاً حياً للمجتمع الذي هو فيه، يكون بذلك قد خلق هويته.