أخبار أدبية

رسائل من الشاطئ الآخر

رسائل من الشاطئ الآخر

103 مشاهدة

رسائل من الشاطئ الآخر

#قراءة في الرسالة الرابعة والعشرون

#محفوفة بالحلم رغم هالة الحزن ...

بقلم : #عباسية مدوني _سيدي بلعباس_الجزائر .

     فن الرسائل ما يزال نابضا ، محلّقا في سماء الأخذ والعطاء ، ما يزال يحمل بين طياته وفحوى أبجديته العديد من القضايا والهموم والآمال والحلول ، ما يزال جسرا ممتدا في عالم الإنسانية  باحثا عن مخرج للنور ، مستخلصا قيمة الإنسان ، مستعرضا إحترافية أي كاتب في التعاطي مع الحرف والإحساس والمزج بينهما نحو تفعيل حوار بنّاء من شأنه أن ينحت الجمال والحبور ويؤثث لفعل وحدث أدبي متعدّد الإتجاهات .

    هذا ، تماما ما نلمسه مجدّدا في رسائل من الشاطىء الآخر برعاية من الإعلامي والفنان " حسين دعسة " ، حيث تجمع  بين الكاتب والصحفي  المصري " حسام عبد القادر" والدكتورة " دلال مقاري باوش" المدير المؤسس لمعهد دراما بلا حدود الدولي من ألمانيا ، مرفقة كالعادة بلوحة ساحرة من عمق البعد الدلالي والإجرائي لنص   الرسالة .

وفي الرسالة الرابعة والعشرون وعبر الرابط التالي والموسومة بــ " نهايـة العالـم "  :

http://alrai.com/.../%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9...

    ووفق قراءة متأنية ورصينة لعمقها ، نعود ومن خلال الكاتبين إلى فحوى أزمة الكورونا ، هذا الوباء الذي ما يزال يفتكّ بالعالم ، باسطا قبضته على البشر والعالم بكلّ مكوناته ، أين نلفي للوهلة الأولى إحباط الكاتب الذي بدأ يتسلّل إلى أعماقه الإكتئاب جرّاء عزلة بات يمارسها عنوة لا إرادة منه ، معتزلا صفحات التواصل الإجتماعي بما في ذلك الفايس الذي بات مزدحما بعبارات العزاء غالبا والتمنيات بالحفظ والسلامة إلا قليلا نادرا ، بحكم قوّة الفيروس وسطوته .

الكاتب من خلال سطور رسالته ، كشف حقائق الخوف الذي كان قد تملّكه منذ سنوات الألفين ، إلا أن آخر سنتين باتتا سريعتين ، متّخذتين مسارا غير مرغوب فيه ، مصرّحا بعدم ثقته في المدّ التكنولوجي الهائل الذي بات يهدّد العالم .

في رسالة الدكتور " حسام عبد القادر" قد نلمس غالبا خيبة وإنكسارا ، إهتزاز ثقة وظمأ ، سببه  ( كوفيد 19 ) المجهول والذي عمّر للآن طويلا ، قابضا على أنفاس البشر وعلى طموحاتهم  وآمالهم ، يرى أن السعادة بمعناها الشامل باتت جوفاء وأن الغد بات مرعبا ، متّكأ على أمل قد  نلمس من خلال بيانه أنه هشّ ، لكن يظل الأمل أصيلا .

 في رسالة لا فخاخ بلاغية ولا مكان لصياغة محشوة ، بل ثمّة مسح للحقائق التي عرضت نفسها من خلال نفسيته وأناه الباطن ، فالعقد الزمني الذي نسجه التاريخ بات وللأسف مرعبا ، به الكثير من الهزّات والثغرات رغم التقدم التكنولوجي ، لا وجود للرمزية في رسالته – نهاية العالم – كون الرمزية الوحيدة كانت محبوكة مع الحقائق التي صرّح وأدلى بها .

الكاتب في رسالته إلى " دلال مقاري باوش" استدرك خيبة العالم ووحشية الفيروس بجرعة أمل ، مؤكدا لها مدى وعيه أنه ليس المقصود بعث طاقة سلبية وإنما الأمل كل الأمل في غد أفضل مع جرعة زائدة من الحذر .

لكن الحذر ممّ وممّن ...؟

الأمر مرهق ومرعب في الآن ذاته ، لكن الأمل حلم مشروع ، والفيروس في حدّ ذاته حملنا على أن نمارس الحياة بأكثر من شكل ، وأنه مهما تساقط الأحبة وخطفتهم المنيّة بفعل فاعل ( كوفيد 19 ) لابدّ أن تستمر الحياة وان نعانق الوجود بوجه باسم وإرادة من فولاذ ولو شكليا ، فكل الأيام التي مرّت منذ شرارة الوباء إلى اليوم فقد علّمت كل طرف فينا ومنّا كيف نهب الحب مهما قست الظروف ، لن نسرف في البكاء ولا في التذمّر لكن سنسرف رغما عن أنفنا في الأمل وأن نلوّح للغد بأناقة .

   وفي ردّ للدكتورة " دلال مقاري باوش" نراها كمن يرتّب ضوضاء الخوف الصادر من صديقها الكاتب ( حسام ) ، كمن يرتّب رفوف الأحزان دونما خدش أو تعرية مكمن النزيف ، تفعل ذلك بأناقة روح وبلاغة حرف وقوّة بيان ، تنازل الحرف كما الإنسان البشري وهو ينازل هذا الفيروس اللعين ، تراه خصما ومع ذلك تجدها لبقة في معاملة خصمها فنيا وإبداعيا وإنسانيا ، فمتاحف الحياة مكتظة وتبحث لخصمها عن مكان يليق به ليبقى ودودا ، حتى نحتفظ به  للذاكرة فقط وإن كانت تلكم الأخيرة ( الذاكرة ) معطوبة ...

أي نعم معطوبة ، فحياة البشرية باتت حزينة ، والضحكات باتت معلّبة في درج الذكريات ، وبات الخوف يقضّ مضجع الإنسان ، فالأحجية العالمية كما لقبتها ( دلال ) باتت مفخّخة بالأسئلة ولا مجال لأجوبة تشفي غليل السؤال ، فالكون أضحى ضيّقا ومزدحما بتفاصيل لم نكن ننتبه لها يوما وما ركّزنا فيها ، كنّا نمر عابرين ، معترفة هي الأخرى بخوفها من الفقد ، من الصمت الذي طال ومن التأمل الذي لا ندري بعد إلى ما سيفضي، فهل هذا الحبل السريّ للحياة سينقطع للأبد ...؟

ما ينقذ من كل هذا الفزع ، الإتّكاء على زمن جميل ولّى ولن يعود ، الإتكاء على ذكريات وديعة تحاول جاهدة ألا تفقد بريقها ، وعلى ذاكرة تصارع العالم حتى تظلّ سامقة ونحن نحاول أن نأوي إلى الوجود بكل وداعة ودونما قهر أو صدمات أو خذلان .

  وسنظل نتساءل : أيّ وباء حلّ بنا ...؟ ومتى نعانق شمس الأمل والحياة والتحليق مجدّدا ...؟

  غالبا ليس من العدل أن نتساءل أكثر ، فقد أهدانا الوباء أكثر من فجع ووجع ، فلابدّ أن نغيّر صيغة السؤال ونجابه الواقع : متى يحق لنا العيش بسلام ...؟ دونما فزع أو خيبة ...؟

   وباء الكورونا صقل الكثير بنا وفينا ، الوباء أربك وجودنا أي نعم ، ومع ذلك علّمنا الصمود ، علّمنا الوثوب ولو على ساق واحدة صبرا وأملا وتحديّا ، علّمنا كيف نبحث عن عمق الأقدار المخبّأة ، علّمنا أن نظل على نَفـَسٍ أطول ، على قيد أمل وعلى عناق مستمر للحياة وللإنسان   داخلنا .

   ومهما غالبنا الوجود وقبض على أنفاسنا هذا الوباء لن تكون نهاية العالم ، فنحن بني البشر على دراية وعلى قناعة كيف نحيك من حزننا العميق حقيقة هذا الوجود ، وكيف نصنع من فجعنا حياة مشعّة بالعطاء وحبلى بالضحكات ، كيف نحيك من هزّاتنا فنّ الوجود وفن التعايش .