حوار مع مبدع

سليم صبري .. الدراما السورية قدمت مشاكل المجتمع

سليم صبري .. الدراما السورية قدمت مشاكل المجتمع

4131 مشاهدة

سليم صبري .. الدراما السورية قدمت مشاكل المجتمع

 لكنها مؤخرا توجهت نحو القضايا الجنسية للاغراء وليس الاصلاح
سليم صبري .. رسام ومخرج وممثل سوري وأب لعائلة فنية متميزة

التقته: فاطمة عطفة

القدس العربي 7/2/2011

فنان مسرحي رائد يتمتع بتجربة فنية عميقة ورؤية فكرية جادة لدور المسرح وأهميته في فهم مشاكل المجتمع وإضاءة الطريق أمام التحول في سبيل التقدم والازدهار. ومن مزايا هذا الفنان الكبير أنه متعدد المواهب والأنشطة فهو رسام ومخرج وممثل، إضافة إلى أنه بنى أسرة منسجمة ومتماسكة فكريا وفنيا جعلها في مأمن من العواصف التي تحكم معظم المشتغلين في الفن.
وهذا الفنان الوطني المستنير يؤكد على أن قضية فلسطين هي مسؤولية العرب جميعا ولا يحق لأحد أن يتهرب من هذه المسؤولية. إنه الفنان القدير سليم صبري الذي رحب بلقاء " القدس العربي "  في دمشق ليحدثنا عن لمحات من تجربته الفنية الطويلة.
*
أنتم من العائلات الفنية، ألا يشكل ذلك بعض المتاعب الاجتماعية والخاصة؟ أم أن التواصل من خلال الفن مع المجتمع هو بحد ذاته سعادة؟
* '
لم تحدث عندي أي مشاكل أبدا، من بدايتي الأولى كان أبي متفهما ومثقفا جدا، كذلك أمي وأخواتي وكلهم من القراء ويحبون الموسيقى، لما أخبرتهم بأني سأدخل الفن ويمكن أن أحترف احترموا هذا القرار وهذه الرغبة، وقيل لي وقتها نحن نعرف أنك تحترم نفسك، فقط نترجاك أن تكون جديا وتحافظ على احترام نفسك. لم يكن عندي أي نوع من المشاكل، ولم تحدث أي مشكلة لا مع زوجتي ولا مع الأولاد في قضايا الفن. هذا السؤال اواجهه كثيرا، لكن أستغرب وجود مشاكل، لأن الإنسان إن كان ماشيا في طريق جدي بالتربية الحقيقية الصحيحة، لا أظن أن تكون عنده مشاكل. صحيح الفنان يكون متميزا أحيانا في المجتمع، لكنه مقبول من الطبقات ومن جميع الفئات. أنا لم أصطدم يوما، لا أنا ولا أحد من عائلتي، بأي شيء مما يسمى بالصدام الاجتماعي، حتى مع الناس المتعصبين والمتزمتين، بل كان معهم نوع من الترحيب الفكري العاقل بهذا الموضوع. يمكن نحن بصورة عامة، سواء أنا وزوجتي أو بنتي، نمارس العمل الفني بهدف واضح بسلوكنا وبأعمالنا كلها هو المسلك الجدي الرصين والذي يحترم هذه المهنة أولا وأخيرا، هذا هو رأينا، وهذا الشيء نحن عممناه منذ سنوات طويلة بالوسط الفني، أن العمل الفني بصورة عامة هو وسيلة لخدمة هذا المجتمع ولتصويبه ولتنبيهه، وليس للتسلية. الفن في بلادنا ليس للتسلية، ربما في أمريكا وفرنسا يكون للتسلية. أما في بلادنا فهو الخط الأول، يجب أن ينتقد وأن يوجه الناس. أنا على ما أذكر كنت أشتغل في التلفزيون السوري 1960 وكنت مسؤولا في سنة 1972 عينت بالتلفزيون كمخرج ثم أعطوني إدارة الممثلين والتمثيل والمنوعات، في تلك الأيام كان رأيي أن نبدأ بالإنتاج الفني وأن تعطى له مساحة فاقترحت على وزارة الإعلام تغيير شكل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وإنشاء مديرية خاصة بالتمثيل. فعلا تمت الموافقة بعد تعب طويل، وأنشأنا مديرية جديدة اسمها مديرية الإنتاج التلفزيوني، واختصاصها أن تستكتب الكتاب بما تريده من مواضيع وتطرحها على المخرجين ونناقشها معهم ثم تنفذ وتقدم على شاشة التلفزيون. هذا الكلام تم بناء على رغبتنا بأن يكون الفن موجها لمصلحة الناس، وكان دائما همنا الرئيسي ضمن مراقبين وكتاب يشرفون منهم زكريا تامر، علي كنعان، عبد العزيز هلال، الياس الفاضل، وهناك عدد كبير من الكتاب وقراء النصوص كمراقبين، لكن الحقيقة يساعدون في التوجيه الأدبي والفكري والإنساني. كان الهدف أن نقدم تمثيليات وأعمالا مشوقة للناس، لكن فيها ما ينتقد الناس وما يصلح من شأنهم وأن يوضح أفكارهم واتجاههم في هذه الحياة. كان هذا هو هدفي الرئيسي للفن. أعتقد هذا ما جعل مسيرتي فيها نوع من الصعوبات، لأني جدي ولا أحب الهزل، لأن الهزل عندما يأخذ الفن ويكرسه لشيء آخر، مثل المسخرة والنكت غير الملتزمة، أحيانا تصل إلى البذاءة وتساهم في تدمير بنية المجتمع والجيل.
*
الإخراج لم يكن له الحظ الأوفر لديك، بينما استحوذ التمثيل على الفنان سليم صبري، هل هذا يعود لعدم الرغبة بالتنوع أم لسبب آخر؟
*
السبب الذي جعلني امارس العمل الفني: سنة 56 جرت حرب السويس، كنا طلابا في المدرسة ودخلنا في المقاومة الشعبية، لبسنا لباسا أخضر ورحنا نتمرن على إطلاق النار، ونحن شباب صغار، ثم ندور في البلد ونقوم على حراستها خوفا من أي إنزال محتمل. بعدها أصبح عندي شعور مهم جدا، وهو أن لي أهمية بالبلد، بمعنى أني كنت حارسا عليه. وصار عند الشعب تداعيات، يقال: ليش هذه المقاومة؟ الشباب لابسين أخضر والبنات يلبسن بنطلونات. كان رأيي أننا نحن الشباب لازم نتسلح ونكون دائما جاهزين، مع هذا الإحساس الذي وجد داخلي، فجأة كنت ماشي لفت نظري مسرح 'سينما فريال': عبد اللطيف فتحي يقدم مسرحية. دخلت اكتشفت أن هذا المسرح هو عبارة عن منصة ليقول الإنسان ماذا يريد، بعدها نزلت إلى السوق وأخذت كل ما هو موجود عن المسرح من كتب تتضمن ما كتب عن المسرح من قديم وجديد، مرورا بأبسن وشكسبير وغيرهم. بناء على ذلك بدأت أكتب، كتبت مسرحية سميتها وقتها  'قسما بالدماء' اتحدث فيها عن حياة أسرة تدور فيها الآراء بين الشباب والبنات وبين أهلهم عن الأشياء التي كانت شائعة في ذلك الوقت. لكن جاءت فكرة المسرحية أننا يجب أن نقاوم، هذا لا يشكل بالنسبة لنا خسارة، بالعكس يشكل قوة لنا نحن الشباب. المسرحية أردت أن أنفذها فاخترت من أهل الحارة من بنات وشباب وعملت (بروفات) في بيتنا. والدي وقتها سمح لي، بعدها رحنا إلى المركز الثقافي للسفارة المصرية في شارع أبو رمانة ، هو الآن المركز الثقافي العربي، وطلبنا من مدير المركز بأن يعطينا إياه لنعمل مسرحية. طبعا هو في البداية لم يصدق، قال: 'عاوزين إيه؟ المسرح حاجة كبيرة'. لما اطلع على المسرحية ذهل وقال: 'هذا المسرح والمركز كله على حسابكم'. ثم طبعنا البطاقات ورحنا بعدها أنا ورفاقي، منهم بسام لطفي الفنان المعروف، بتوزيعها بأنفسنا في البيوت، وكان سعر البطاقة ليرة وليرتين. ثم أحضرنا نجارين وفصلنا خشبة مسرح، وجلبنا برجكتورات للإضاءة وقدمنا المسرحية على ثلاثة أيام. كانت مذهلة لدرجة أن العائلات من أبو رمانة كلها جاءت وحضرت. وأذكر أننا بعد أن انتهى أول عرض وحيينا الجمهور، بقينا خلف المسرح لخمس دقائق واقفين نتطلع ببعض مذهولين: نحن ماذا عملنا؟ بعدها أخذت شقة في نفس الحارة وعملنا فيها ناديا. أنا احب الحس القومي بالنسبة للمسرح، سميت النادي 'المسرح القومي'، وأصبحنا نقدم كل شهرين أو ثلاثة مسرحية في نفس المركز. استمر هذا إلى دخولي للجامعة، كلية الحقوق. قبلها حضر تقديم إحدى المسرحيات الفنان صبري عياد، قال أنتم لستم هواة أنتم محترفون، وأخبرنا أنه سيقدم مسرحية اسمها 'صرخة دمشق'، ذهبنا معه أنا وبسام واشتغلنا بعدها معه، شكلنا فرقة جديدة اسمها 'أنصار المسرح' ومؤسسها صبري عياد، واشتغلنا فيها مع المحترفين على مسرح الحمراء الذي كان سينما، وهي أول مسرحية في صيف 59. هذا كان أول عمل احترافي. وأول شيء عملته في الجامعة ذهبت الى المسؤول عن الطلاب عبد الكريم أنصاري، قلت له أنا أريد أن أعمل مسرحا اسمه المسرح الجامعي، قال لي: ماذا تعرف عن المسرح؟ وراح يطرح علي الأسئلة وأنا أجاوبه. قال أنت هنا ستدخل الحقوق أو خريج مسرح؟ قلت أنا أحب المسرح. تحدثنا حتى وصلنا إلى أبسن، قال مارأيك به؟ قلت له أبسن هو الطليعة التي بدأت في المسرح الأوروبي وعمل القفزة الأولى وحكى عن المجتمع بعمق، قلت له أريد أن أعمل مسرحية لأبسن وهي 'نورا'. وفعلا أعطانا تسهيلات ومساعدة مالية وقدمنا مسرحية 'نورا' في الجامعة، وأخذت صدى هائلا جدا، واضطررنا أن نمدد العرض عدة مرات، ثم فتحناها للناس العاديين من خارج الجامعة ليحضروها.
كان هذا في أوائل الستينات، وقتها تشكل المسرح القومي. لم أتقدم للمسرح القومي، لكن جاؤوا من المسرح القومي فحضروا المسرحية، وأعجبوا بها. كان معهم نجاة قصاب حسن ورفيق الصبان و نهاد قلعي مدير المسرح القومي، بعدها جاءوا إلى المسرح وقال لي نجاة قصاب حسن: 'يا بني أنا أعرف والدك، غدا تعال لعندي وأنت من بكرة عضو في المسرح القومي، فعلا رحت وتم تعييني. كان يقدم مسرحيات عالمية. مارست قليلا من التأليف والتمثيل والإخراج، لكن أول ما دخلت المسرح القومي اشتركت بعدد من المسرحيات العالمية الطويلة السرد 'مروحة الليدي وندرمير'، 'لكل حقيقته' وغيرها، خلال سنتين قدمت أكثر من سبع مسرحيات برزت فيها كممثل. بعدها أردت أن أعمل بالإخراج، وطلبت أن أقدم مسرحية محلية، استغربوا في المسرح القومي لهذا الطلب. اخترت من عند وليد مدفعي مسرحية 'البيت الصاخب'، أخرجتها وكانت أول مسرحية محلية يقدمها المسرح القومي. هذا الكلام كان في الـ64، ثم واصلت العمل بالتمثيل كما أخرجت عدة مسرحيات حتى سنة 76. هنا صار عندي شعور بالانتشار، لقيت أن انتشار التلفزيون أقوى فطلبت من وزير الإعلام أن أكون بالتلفزيون وافق نقلت من وزارة الثقافة إلى وزارة الإعلام، وعينت مخرجا. هنا بدأت الإخراج وخففت التمثيل.
اقترحت على أصدقائي أن أقدم مسلسلا له هدف اجتماعي، وتوصلت مع صديقي الفنان عمر حجو إلى فكرة أن نقدم عن الناس الذين يدعون المسكنة، منهم مساكين في الحقيقة ومنهم من يدعون المسكنة. كتب عمر حجو عددا من الحلقات التمثيلية بالاشتراك مع عدد من الكتاب وعملنا مسلسل 'مساكين': كل حلقة تختلف عن غيرها وتظهر هذه الفئة على حقيقتها، وكان المسلسل ملتزما. ثم بدأت أبحث عن المزيد من النصوص، بينما كان هوس التمثيل موجودا عندي وكل سنة أقوم بدور . حاولت أن أكتشف بعض الوجوه، نزلت على المسرح الجامعي الذي كنت أشتغل فيه والتقيت بمجموعة من الشباب تحدثت معهم وقلت لهم غدا أريدكم عندي في التلفزيون، طبعا فرحوا كثيرا. من بين هؤلاء عباس النوري، سلوم حداد، رشيد عساف، صبحي سليمان، وأسماء أخرى جاؤوا إلى التلفزيون وأعطيتهم أدوارا وكان تدريبي لهم ناعما وموجها، وبعدها عملت مسلسلا ثانيا وشاركوا فيه وانطلقوا انطلاقة مهمة جدا، وهم اليوم من النجوم الموجودين على الساحة. هذه المسيرة هي التي جعلتني أتابع بين التمثيل والإخراج، الشيء الذي لم أعد ألتفت له هو التأليف. لا أريد أن أكون مؤلفا لكن أقترح على الآخرين ما أريد. عندما نجتمع مع الأدباء كنا نناقش المشكلات الموجودة بالشارع، بعدها نكلف كاتبا ونجلس معه ونتحدث طويلا، بعدها يكتب ويؤلف حسب ما طرح معه. في أواخر الستينات رحت إلى اتحاد الكتاب العرب وقلت لهم أنتم تبحثون عن دار نشر، ونحن عندنا دار جديدة هي التلفزيون، أهلا بكم بما تكتبون ورحبوا بالموضوع، وبهذه المناسبة تعرفت على خيري الذهبي وشرحت له كيف تكتب النصوص للتلفزيون، وقلت له أنا معجب برواية من رواياتك اسمها 'ملكوت البسطاء' حولها من رواية إلى تمثيلية من حلقات متعددة، وكانت أول عمل يقدم لخيري الذهبي 'البسطاء'. هذا أحد الأساليب الذي كنا نستقطب فيه العقول الروائية، حتى نكرسها للكتابة التلفزيونية لأننا لا نريد أن نقدم أشياء مجانية. دائما كان الهدف الرئيسي أن لا يقدم أي فكر أو مشهد في التلفزيون مجانا، يجب أن نقدم ما يهم الناس وما يصلح من أفكارهم بالشكل غير المباشر. يمكن طال الجواب لكن لا بد من أن أوضح هذا هو الخط الذي جعلني أتراوح بين التمثيل والإخراج، وبين عام 80 و 97 توقف التلفزيون عن الأبيض والأسود نتيجة تأخير في وجود المواد، وكنت لا أزال أعمل في الإخراج. فاقترحت أن نصور مسلسلا سوريا في الخارج، سافرنا إلى اليونان واستأجرنا أحد الاستديوهات، وأحضرنا الممثلين وقمنا بإنتاج مسلسل سوري في اليونان، كان اسمه 'حارة الصيادين'. في إحدى السهرات رأيت شخصية لطيفة ووجهها جميل جدا، سألتها إن كانت تحب التمثيل، قالت: 'أحبه، لكن أخاف من أخي هو لا يرضى. أخوها، اسمه جورج خوري، وافق على أن تعمل معنا. كانت بطلة  'حارة الصيادين' هذه البنت هي ناديا خوري التي أسمت نفسها بعد ذلك نادين، بدأت بحارة الصيادين. وبعده عملنا عدة مسلسلات، ثم طلبوني بالكويت من مؤسسة إنتاج البرامج المشتركة، يريدون مديرا للعمل في برنامج اسمه 'سلامتك'، وهو برنامج توجيهي وصحي. بقيت مديرا ومخرجا لهذا البرنامج مدة أربع سنوات، بعدها عدت إلى سورية واشتغلت مع القطاع الخاص، أول شيء عملته بدأت بالإنتاج وعملت عددا من المسلسلات أهمها حولت 'كتاب الأغاني للأصفهاني' إلى مسلسل تلفزيوني وأخذت كل مطرب وعملت حلقة كاملة عن حياته وعن أغانيه بكاملها، أعتقد أنه كان من أجمل وأقوى المسلسلات على الإطلاق. ولا يزال موجودا في أبو ظبي ويقدم في كل أنحاء الخليج، كان البطل فيه الياس كرم له أكثر من 12 أغنية، أصالة نصري في حلقتين قدمت فيهما 14 أغنية، أمل عرفة في دور المغنية العربية المعروفة عزة الميلاء، لها فيه تسع أغاني. هذا المسلسل كان بالنسبة لي مطالعة مهمة. وعملت مسلسلا آخر هو 'شجرة النارنج' ثم 'قلوب خضراء' نفذ في منطقة حلب، وقتها هيثم حقي أراد أن أمثل معه وأعطاني نص 'خان الحرير ' ، قرأت الدور وكونت الشخصية لدرجة أنني استوعبتها، وكانت هذه من الأسباب المهمة، لدرجة أن هيثم لم يسألني عن شيء أول مشهد أديته، جاء هيثم وقال أنت عامل شخصية جديدة وعجيبة تقدر أن تستمر فيها. كانت علامة فارقة أدت إلى أن نعمل جزءا ثانيا. هذا هو سبب تركي الإخراج وتفرغي للتمثيل. بعد خان الحرير، قمت بإخراج مسلسل اسمه 'جلد الأفعى'، بعده جاءني الجزء الثاني من خان الحرير ثم 'الفصول الأربعة'، وهو مسلسل كبير وضخم. وبعده توقفت عن الإخراج لفترة طويلة وتفرغت للتمثيل.
*
هناك بعض الشعراء وفي أعمار متأخرة بدأوا يرسمون وأقاموا معارض لأعمالهم، سليم صبري الرسام أيضا، أين وصل ولماذا لم تقم بعرض أعمالك في معارض؟ حدثنا عن هواياتك في الرسم ولوحاتك وأين تجد نفسك فيها؟
*
الرسم بالنسبة لي كان بداية الحياة، كنت بالصف الثاني الابتدائي وعمري 8 سنوات، كانت هوايتي الوحيدة هي النحت والرسم، وصار أهم حادث في حياتي عندما كنت جالسا في الصف، وقدامي لوحة أرسمها، إضافة إلى منحوتة أنحتها بالمخرز الذي تشتغل فيه أمي وقد أخذته من البيت. المعلمة كانت تدور بيننا وهي تلقي الدرس، فجأة توقفت وأصبح هناك صمت، رفعت رأسي لقيت المعلمة واقفة جنبي تتفرج علي، خفت.. وسرعان ما أخفيت الرسمة ووضعت المنحوتة على جنب . أخذتني لعند المدير وأعطته اللوحة والمنحوتة. استدعى والدي وتوقعت أن أطرد من المدرسة، لكن ثاني يوم وجدت والدي قد اشترى لي صندوقا فيه كل أدوات الرسم والنحت، قال لي: 'هدول لك، لكن بتنحت وترسم بالبيت، بالمدرسة لا!' من يومها أصبحت هوايتي الرئيسية هي النحت والرسم. لكن بدأت وغرقت بهذا المنهج، طبعا أنا أخواتي كلهم يرسمون وهواية الرسم موجودة بالعائلة أختي لميس ضاشوالي رسامة معروفة موجودة في أمريكا، سليم صبري هذا اسمي الفني، أسمي سليم صبري الضاشوالي، لما اشتغلنا بالمسرح أخذنا أسماء فنية، أنا على اسم أبي سليم صبري، بسام أبو غزالة سمى نفسه بسام لطفي. استمر الرسم معي فترة طويلة وكنت أهدي أصدقائي من هذه اللوحات وما زال عندي قسما منها، استمر معي الرسم لسن 16 سنة حتى الحرب على قناة السويس. دخولي على المسرح ألهاني عن الرسم، في وقت الفراغ أرسم، أصبح الرسم هواية، يمكن بعد سنة أو سنتين أعمل معرضا لأعرض القديم والجديد من أعمالي.
*
هل تعتقد أن الدراما السورية والعربية تقدم موضوعات هامة وعلى معايير صحيحة.. أو بدأ يظهر شيء من الخلل خاصة في السنة الأخيرة؟
*
أولا، سأتحدث عن الأساس وبعد ذلك عن الأخطاء. الدراما السورية حتى اليوم تسير على المنهج والخط الذي رسمناه منذ سنوات، وما كنا نناقش في ما يهم الناس. هذا الكلام نقلناه نحن للأجيال بعدنا وما بعدها. أعتقد أن جميع الأجيال والكتاب يلتزمون بهذا الاتجاه، وخاصة في العشر سنوات الأخيرة. الدراما السورية كانت جدية في تقديمها للمواضيع، وتختلف عن كل أنحاء العالم، ليس عن العرب فقط، لأنها قدمت المشاكل الموجودة بالمجتمع بشكل غير مباشر. طبعا، هذا النجاح لا يمنع وجود الأخطاء لأن كل عمل فيه من الشهرة ما يجعل الناس بأن يرتكبوا بعض أخطاء في سبيل شهرة جديدة، حيث يدخلون مواضيع غير متزنة او موجهة بشكل صحيح. وهذا الذي صار خلال السنتين الأخيرتين، حيث صار توجه نحو الوقوع في أخطاء جنسية عند الفتيات والشبان لدرجة أنها أصبحت تشذ عن الإصلاح إلى وجه آخر هو جزء من الإغراء. هذه ناحية مهمة. أيضا قضايا التدخين، هناك أخطاء يجب التنبه لها، والمشكلة الكبرى في الوسط الفني ما فيه شيء اسمه إدارة موحدة، الإدارة الوحيدة هي الإدارة الفكرية المتوارثة. نحن ورثنا أجيالا من بعدنا تفهم ما معنى الالتزام، وهي تضع الخطوط الرئيسية للعمل الذي تقدمه، هناك أخطاء لكن أعتقد أنه سيتم إصلاح هذا التوجه بشكل أو بآخر.
*
هناك قانون يحكم الفن، ألا يوجد قانون يحكم الدراما من خلال ظهور الممثلين المتكرر أو الإطالة بالمشاهد أو بتقديم الإعلانات، والمسلسل يتضمن كل هذا بهدف الربح المادي على حساب المغزى؟
*
المشكلة الأولى هي أن المحطات التلفزيونية تأخذ المسلسل المؤلف من 30 حلقة بناء على طلبها لأن رمضان ثلاثين يوما. ولأن الدعايات تدر عليها الربح الكثير، لذلك يخنقون الإنتاج التلفزيوني بها، وهذا شيء سيء جدا. ثانيا، الإعلانات الطويلة التي تفرض في المسلسل تعمل زحزحة درامية بالنسبة للمشاهد، كذلك عندما تحكمك التلفزيونات بـ 30 حلقة يمكن للمؤلف أن ينتهي الموضوع معه 17 حلقة لما يكون جادا ودون مشاهد مجانية، لكنه يعمله 25 ويطلب من المخرج أن يزيده إلى 30! المخرج هنا يطول المشاهد، هذا النوع من التطويل صار يرتكبه المخرج بطلب من المنتج، وهذه المشكلة لا يوجد لها حل لأنها بيد المنتج الذي يتقيد بالمحطة وشروطها، إلا إذا أردنا أن نجازف حسب المسلسل إن كان 12 أو 15 فليكن، سواء رفضته المحطات أو قبلته. لكن السؤال من سيجازف؟ المنتج ليس لديه علاقة فكرية بالمسلسل، له علاقة مادية فقط، يعطيه للفنانين ويقول اعملوه فقط بالشروط التالية. وهذه مشكلة من الصعب معالجتها ولا يوجد حل لها.
*
ألا يؤدي التكرار للفشل؟ وهل تجتمعون لمناقشة المشكلة من أجل التغيير لتقدموا الحلول المفيدة؟
*
من يمكن أن نناقشه؟ المحطات لا تسمع. أنا أقترح اقتراحات مختلفة جدا، لا أعرف أن المنتجين ينفذونها لأنها مكلفة. المسلسل المؤلف من ثلاثين حلقة ممكن أن يعاد إنتاجه في عشر حلقات تكون هائلة، وممكن بهذا الشكل أن يسوق إلى أوروبا أو أمريكا بعد أن يترجم، كما نعرض نحن المسلسلات المكسيكية والتركية والبرازيلية . إذا انفتح التسويق الأوروبي يمكن للمسلسلات نفسها أن تختصر وتصبح جادة ومقبولة أكثر، لأن في الغرب لا يعرض المسلسل المطول مثل ما تعرضه الفضائيات عندنا. كذلك هذا الشيء يدعونا أن نتحدث عن قضايا المسرح، هو الفتح الأعظم إلى أي أمة، لأن المسرح هو الأول والأخير في التوجيه المباشر، فعندما يأتي الناس إلى العرض المسرحي يستوعبونه استيعابا كاملا. كان عندي اقتراح لنهضة المسرح، أعتقد أن المسرحيين السوريين هم من أهم الفنانين في العالم، وليس في ذلك مبالغة. اقتراحي هو أن المسرح في سوريا يحتاج إلى الأموال حتى ينتج. هذه الأموال ضئيلة لأنه ليس من ورائها اي كسب مادي. اقتراحي أن تنشأ مؤسسة عربية أو سورية ترعى المسرح على الشكل التالي: كل مجموعة مسرحية تقدم نص مسرحية مع الممثلين والمخرج، ونحن مستعدون أن ننفق على إنتاجها. بالطريقة هذه ستجدين أنه طلع من سوريا فقط بالسنة أكثر من 150 مسرحية. إذا هذه المؤسسة رعت هذه المسرحيات، الدخل يكون إلى الممثلين. هكذا يصبح عند الممثلين قوة بأن يقدموا، على مدار سنتين ننتج 300 مسرحية، وقتها سيكون لدينا كم كبير وخبرة عالية في المسرح، وكلمة ذات أهمية لأن المسرح لا يقدم مجانا. هذه المسرحيات المنتجة يأخذ منها 10 إلى 15 مسرحية، تدفع للعرب في الدول العربية بكاملها. وبالتالي يكون في كل دولة عربية 10 مسرحيات سورية تعرض المسرحيات الأفضل في سوريا. هذه المؤسسة إذا تحملت هذه النتيجة لمدة سنتين فقط لا غير، أنا واثق بأن المسرح السوري سوف يطلب من فرنسا، ومن أوروبا كلها. أنا أفهم دور المسرح بأنه يعمل نهضة أدبية وثقافية مهمة جدا. وعندما نطلع إلى الدول العربية يعني نحن نناقش أيضا مشاكل المجتمع عندهم، لأن المسرح الجاد الذي يناقش قضايا الناس غير موجود حتى في أوروبا. توجد عندهم مسرحيات فكاهة وجنس، لكن يهمهم أن يقدموا مسرحيات لها طابع إنساني حين يجدونها عند العرب، بالتأكيد يطلبونها . بهذه الحالة نحتاج إلى الاهتمام بالمسرح ونقله من السورية إلى العالمية.
*
هل يوجد كتاب نصوص كما كان سعد الله ونوس، ومحمد الماغوط هل النص المسرحي متوفر؟
*
إن تراجع الكتابة للمسرح لها سبب واضح جدا هو عدم عرض المسرح الآن. عندما يكون هناك عرض مسرحي كبير، تأكدي تماما بأن كل الكتاب سوف يتجهون إلى الكتابة للمسرح لأنها هي التعبير الأقوى والأكبر مباشرة. كل الكتاب عندهم استعداد أن يكتبوا للمسرح، لكن ليسوا على استعداد أن يكتبوا مسرحية ويرموها بالمكتبة بدون ما تتنفذ. هذا يفتح الطريق أمام الكتاب إلى أن يكتبوا أشياء جريئة للمسرح مباشرة، بذلك نكون فتحنا الطريق أمام الكتاب والمخرجين والممثلين.
*
التعاون بالإنتاج الدرامي بين سوريا ومصر برأيك هو لصالح الطرفين أو لحساب طرف واحد؟ وهل الدراما في مصر بدأت بالتراجع بعد تميز الدراما في سوريا؟
*
ممكن يكون هذا أحد الأسباب بأن الدراما المصرية تراجع نفسها تحاول أن تدخل وجوها جديدة معروفة وتعمل شكلا جديدا. برأيي، التعاون العربي ليس غلطا بل هو صحيح. من فترة حصل بيننا تعاون ولو قليلا بين الكويت والأردن، لكن الآن أصبح إنتاجها مع مصر بالنسبة للتلفزة قويا وكثيفا، ويحتاج دائما إلى التجديد. وجدوا أن السوريين وجوه جميلة وجادة، وفي مصر يحاولون أن يحسنوا ويدخلوا على الطريقة السورية بالمواضيع الأكثر أهمية بالنسبة للشعب. كان عندي مشاركة سنة الألفين بمسلسل اسمه 'الرقص على سلالم متحركة' كانت تجربة جميلة، لكن لم أكررها لأني لم أرَ حاجة إلى ذلك.
*
سنعود إلى البيئة الدمشقية سواء البيوت القديمة والأشجار والنباتات التي تعيش فيها وبحرة الماء (النافورة) والخصائص التي تعرفها عن البيت الشامي وما قدمته الدراما وتقدمه، هل استطاعت أن توصل البيئة الشامية للمشاهد، أو حصل بعض التجني على هذه البيئة؟
*
أعتقد أن البيت الشامي هو مقر إنساني مهم، لسبب له خصائص مختلفة، أولاً فسيح، ثانيا فيه فسحة هي أرض الديار، وفيه دائما ماء هي البحرة، إضافة إلى ذلك هو كبير وهذا يعني جمع الشمل . العائلة السورية، سواء في حلب أو حمص، البيت الكبير هو الذي يضم الأولاد وأولادهم، بكل جناح تجدين ولدا وزوجته، هذا يعمل التفافا عائليا، وهذا شيء مهم للمجتمع أن تكون العائلة مجتمعة وأن تكون صداقاتها مع جيرانهم وجيران جيرانهم. إضافة إلى ذلك البيت العربي هو الفسيح الذي يحوي على الهواء وعلى شيئين رئيسيين شجرة الليمون وشجرة النارنج، وطبعا الياسمين والورد البلدي، وهذا من التراث الموجود في البيت الشامي، ولهما ميزات مختلفة أولاً من الأشجار المعمرة، وهما مركز في البيت يضيء ويحمي في نفس الوقت، يضيء البيت بهذا اللون وهذا الشكل الجميل، ويحميه من الحرارة ومن الشمس ومن الأمطار. وشجرة النارنج المعمرة تحمل ذكريات للأولاد، يعرفونها وهم صغار، وعندما يكبرون ويزوجون أولادهم يعرفون أن هذه الشجرة، هذا التعمير الكبير، هو جزء من البيت العربي. لذلك هو أساس في كل شيء ولا يمسح من ذاكرتنا إطلاقا. أما عن الدراما، لحد الآن فيها محاولات غير مباشرة لتوصيل الفكرة، في كثير من الأحيان كانت صائبة وفي أحيان أخرى كانت خاطئة، خاصة عندما كرسوا البيت الشامي لشيء غير صحيح وغير موجود في البيئة الشامية، لأنه من المعروف جدا أن البيت الشامي بيت سلام وتآلف ومحبة. أذكر تماما أننا لما كنا نلعب في أرض الديار كان مسموحا لنا أن نعمل كل شيء على الإطلاق. كانت إمي تقول لنا اعملوا ما تريدون لكن صوتكم ما يطلع حتى ما تزعجوا الجيران. هذا شيء مهم. لم يكن هناك شجار على الإطلاق بصوت مسموع بين أي كان، لا كنة وحماتها ولا امرأة وزوجها، يعني هذا عيب في البيت العربي مستحيل أن يكون. كما أن البيت العربي يشدنا إلى الحارة الشامية، الناس فيها يحترمون بعضهم جدا، لا يمكن أن يخطئ شخص مع شخص آخر، وإذا أخطأ معه وعرف أحدهم أنه يوجد خلاف بين شخصين، لا يتدخل معهما بل يقول لكبير الحارة، وهو ليس كما يصورونه في المسلسلات، هو العاقل الكبير الذي يستدعي الشخصين، يقدم لهم القهوة ويطلب من الكبير أن يقول ما هو الخلاف ويطلب من الأصغر كذلك ويحكم بينهما، هذا الحكم ينفذ سواء أعجب هذا أو لم يعجبه. إذاً، الحارة كان فيها نوع من الأصول في التربية، مثلا: لو احتاجت واحدة أن يطلع زوجها إلى السطح لربط شريط الغسيل، تطلع هي قبله وتقول يا جيران زوجي طالع يربط الشريط دستور، يطلع هو ورأسه في الأرض يقول دستور، يربط الشريط ويقول - الله وينزل. هذا نوع من الاحترام بالإطلالة على الآخرين، لأن البيوت العربية مفتوحة على بعضها كل واحد يمكن يطل على الثاني، هذا النوع من الألفة والاحترام، هذا الذي يجب أن يكرس في الأعمال الشامية. مع الأسف، أحيانا نجد نوعا من الشطط، سواء جاء من الكاتب أو من المخرج غير دارس الوضع الشامي، إضافة إلى شيء مهم جدا كان يحصل معنا. في وقت كان عمري حوالي 13 سنة عندما دعاني أحد الأصدقاء إلى بيته، كنا في رمضان، بيته كان في حارة بالميدان، لعبنا دون أن نشعر بالوقت، حتى قرب وقت الإفطار. حاولنا أن نرجع إلى البيت، لكن أمه قالت: لا خليكم افطروا معنا. خبرنا أهلنا، فطرنا عندهم. لكن الغريب بالموضوع الذي لم يكن على بالنا أن السيدة أو رفيقنا وفطرتنا عندهم في البيت هي مسيحية، بعد ذلك تذكرت وسألت رفيقي يوسف أنتم صايمين؟ رد وقال: 'طبعا صايمين لكن شو؟ صحيح نحن غير مفروض عندنا الصيام، لكن معقولة ما نصوم؟ هذا رمضان' هذا النوع من التآلف كان مهما، الغريب أنه في عيد الميلاد نزلنا لعند نفس الشخص هو يوسف شويري، حتى نعايدهم في عيد الميلاد أمه عاملة شجرة في الدار، وإذا دق الباب ودخلوا الجيران كلهم ومعهم الهدايا والألعاب جاؤوا ليعايدوهم وكلهم إسلام، هذا التآلف أعتقد غير موجود بالوطن العربي كله إلا في الشام.
*
بعض المخرجين والكتاب يأخذون أسماء شعراء كبار مثل نزار قباني، واليوم الشاعر محمود درويش، هل برأيك بعد هذه التجربة الفنية مقبولة؟ وهل يستحسن أن يقدم مسلسلا عن محمود درويش أو يفضل أن يمضي عليه فترة زمنية أطول ليدرس جيدا؟
*
أنا مع أن نحيي ذكرى أدبائنا الكبار سواء نزار أو محمود درويش أو غيرهم، يجب أن لا يغيبوا عن ذاكرة الأجيال الجديدة، لكن يجب أولاً أن تدرس حياتهم دراسة واقعية حقيقية. أعتقد أن هذا صعب لأن نزار مثلا كان عنده كفاح من عمره 13 سنة عاش إلى 75، أنت كيف يمكن أن تجمعي هذا الكنز في مسلسل تلفزيوني؟ كيف يمكن أن يروا الحقائق التي كان يعملها نزار لا يمكن. إن كانت توجد محاولة لإحياء ذكراهم يجب التدقيق، إذا كانت لا توجد حقيقة ، الأفضل أن لا نعملها . 

التعليقات

اترك تعليقك هنا

كل الحقول إجبارية