مواضيع للحوار

صور الاستبداد في المسرح العربي

صور الاستبداد في المسرح العربي

53 مشاهدة

صور الاستبداد في المسرح العربي

 من “أنتيغونا” إلى “الدكتاتور”

#ادكتور _عواد _علي _كاتب _عراقي

 

#إعلام _الهيئة _العربية _للمسرح

#صور الاستبداد في المسرح العربي من “أنتيغونا” إلى “الدكتاتور”

مسرحيات سوفوكليس تناولت شخصيات دموية ولكن تلتها في عصور لاحقة مسرحيات كثيرة تناولت القضية ذاتها.

#غالبا ما ينسب دارسو المسرح أول تناول درامي للشخصية الاستبدادية إلى الشاعر المسرحي اليوناني سوفوكليس في تراجيديته “أنتيغونا”، التي عالج فيها موضوع السلطة بوجهها الدكتاتوري المطلق الذي يمثله الملك الطاغية كريون، ونقيضه أنتيغونا الفتاة الرافضة لقراره بعدم دفن جثمان أخيها الأصغر بولينيس عقابا لتحديه له، ذلك القرار الذي يكسر عقيدة الشعب ويجور على الناس. وقد اكتسبت هذه المسرحية حضورا مركزيا في الثقافة العالمية، فأعاد كتابتها الكثير من الكتّاب برؤى وصياغات مختلفة، وشحنوها بدلالات سياسية متعددة، أبرزهم برتولد بريشت، الذي طوعها لإبراز فعل المقاومة للسلطة بتكوينها الجذري، ومعارضة لمنهجها الاستبدادي.

إذا كانت مسرحية “أنتيغونا” لسوفوكليس هي مفتتح الأعمال التي عرفها تاريخ المسرح في الثقافة الإنسانية، فقد تلت هذه المسرحية في العصور اللاحقة مجموعة مسرحيات شهيرة تناولت شخصيات دموية، أبرزها “ماكبث” و”ريتشارد الثالث” لشكسبير و”أوبو ملكا” للكاتب والمخرج الفرنسي ألفريد جاري، وهي محاكاة عبثية ساخرة ومجنونة لـ“ماكبث”، حيث تدفع زوجة أوبو زوجها إلى الاستيلاء على العرش وقتل الملك ونسلاس الذي عيّنه قائدا للجيش، فينفّذ أوبو خطة الزوجة ويقتل الأسرة المالكة، باستثناء الوريث الشرعي بوجرلاس ووالدته اللذين ينجوان من المذبحة، ويحاول هذا الوريث الانتقام من السفاح أوبو. وقد أخرج جاري النص بنفسه، وقدم العرض على مسرح “التياتر دو لوفر” بباريس عام 1896.

وفي القرن الماضي صور العديد من الكتّاب المسرحيين شخصيات درامية مشابهة، في النوايا والأفعال، لكريون وماكبث وأوبو بمعالجات فنية مختلفة؛ تهكمية، عبثية، كاريكاتورية، فانتازية، فولكلورية، وجادة، منها شخصية دينيس في مسرحية “الدكتاتور” للكاتب الفرنسي جول رومان، التي كتبها عام 1926 حول انقلاب ينفّذه أحد الأحزاب، في ظلّ نظام ملكي دستوري، ويستولي على الحكم دون المساس بالملك، فيضطرّ الملك إلى تعيين زعيم الانقلاب دينيس رئيسا لحكومة جديدة، وسرعان ما يمنح هذا الزعيم نفسه صلاحيات واسعة، ويغدو من خلالها دكتاتورا يضرب بالمبادئ والمثل العليا التي كان يحملها عرض الحائط، ويبطش بكلّ من يعارضه أو يدعو إلى تطبيق العدالة الاجتماعية والدستور.

وقد جرى تمصير هذه المسرحية، وقدمتها فرقة المسرح الحديث في القاهرة، عام 2012، بعنوان “الجنرال” لتدور أحداثها حول كيفية صناعة الدكتاتور من خلال صديقين يناضلان في ميدان التحرير أيام الثورة المصرية، ويقوم الرئيس باستدعاء أحدهما لإقناعه برئاسة الوزارة، فيقبل ويتحوّل إلى دكتاتور، ويقتل صديقه المناضل الذي يظل ثابتا على موقفه.

وكذلك مسرحية “الحفلة التنكرية” لألبرتو مورافيا، وفيها نتعرف على شخصية الدكتاتور تيروزو الذي يرى نفسه الأنموذج الأمثل المتفرد في كل شيء، حتى في العلاقات العاطفية، متناسيا عاهته التي تحرمه في الأقل من سمة الكمال والجمال، وقد زيّن له أتباعه وزبانيته ما كان يرغب فيه حفاظا على مراكزهم وكراسيهم وثرواتهم، في حين أنه في حقيقة الأمر الأنموذج الأكثر رداءة وتسلطا وقسوة حتى على مستوى العاطفة والجمال والألفة مع الآخرين.

الثورات التي شهدها العالم العربي خلال ما سمي بـ”الربيع العربي” فتحت شهية العديد من الكتّاب المسرحيين العرب على تناول هذا الموضوع، فكتب السوري ثائر الناشف مسرحية “ظل الدكتاتور”

وكان للمسرح العربي نصيب في مثل هذه المسرحيات، لعل أبرز نماذجها مسرحية “الدكتاتور” للشاعر والكاتب اللبناني عصام محفوظ التي كتبها عام 1968، وتدور أحداثها حول زعيم مريض ومضطرب يتوهم نفسه المنقذ الذي تنتظره البشرية، وأن ثورته هي التي ستغيّر العالم. ويظهر الزعيم، في صراعه مع خادمه، بهيئته المعتادة طاغية، ممتلئا بالعبارات السلطوية، متضخم الذات، متجاوزا الحدود البشرية، يعيش حالة انفصام عجيبة، وعندما يسقط عنه قناعه يكتشف أنه لم يكن سوى خادم، أما الخادم فسرعان ما يوقظ الدكتاتور الراقد في نفسه ليصبح دكتاتورا آخر ولو لوقت قصير. وكان اسم المسرحية عند تأليفها “الجنرال”، لكن الرقابة طلبت من عصام محفوظ ألا يدين رتبة الجنرال، فاضطر إلى استبداله بالدكتاتور، ويومها علّق على ذلك قائلا “نزعت عن الجنرال الصفة العسكرية لأن هناك أكثر من دكتاتور مدني حاكم في العالم، خاصة في العالم الثالث”.

وبعد مضي سنتين على كتابة وتقديم هذه المسرحية في بيروت (أداء أنطوان كرباج وميشال نبعة)، نشر الشاعر الفلسطيني سميح القاسم مسرحية شعرية بعنوان “قرقاش” وظّف فيها الصورة الشعبية الشائعة لشخصية سعيد قراقوش بن عبدالله الأسدي، الملقب ببهاء الدين، الذي كان وزيرا لصلاح الدين الأيوبي، وحاكما مستبدا اضطهد الشعب وسخّره بقسوة شديدة في تنفيذ نزواته.

وقد رسم القاسم “قرقاش” بوصفه طاغية ومغرما بالحروب والقتل، وإصدار القوانين الحمقاء القاتلة للحريات، مثل منع الناس من التجول في أثناء قيامه بالرحلات، وحظر الحب والحزن والغناء الشعبي، وشنق من يتعمد عدم الإنجاب، متهما من يفعل ذلك بأنه ضد الدولة، في صورة مشابهة لقوانين الدولة الاستبدادية في رواية “1948” لجورج أرويل. وتنتهي المسرحية بهزيمة ساحقة لـ”قرقاش” لم يكن يتوقعها أبدا، مثل العديد من الحكام المستبدين، فالطغيان أعمى، ولا يستطيع أن يرى أي شيء آخر غير نفسه.

وكان للنص تأثيره في بعض النصوص المسرحية والروائية العربية، التي شرحت شخصيات استبدادية متهورة، في هيئة زعماء أو جنرالات، مثل مسرحية “الزعيم” للمصري فاروق صبري وتمثيل عادل إمام و“تخاريف” للمصري لينين الرملي وتمثيل محمد صبحي و“الدكتاتور” للعراقي شاكر خصباك و“مكاشفات” للعراقي قاسم محمد و“حديقة الموتى” للأردني إبراهيم جابر إبراهيم و“الجنزير” للعراقي محيي الدين زنكنة ورواية “سعيد الأول والواحد والعشرون” للفلسطيني حافظ البرغوثي.

وفتحت الثورات التي شهدها العالم العربي خلال ما سمي بـ“الربيع العربي” شهية العديد من الكتّاب المسرحيين العرب على تناول هذا الموضوع، فكتب السوري ثائر الناشف مسرحية “ظل الدكتاتور” (2010)، سلط فيها الضوء على شخصية الحاكم المستبد، ورصد صراع الإرادات السياسية بين الحاكم وأبنائه، وبين الحاكم وأعوانه من ناحية أخرى، مبرزا أوجه الاستبداد السياسي ومساوئه على حياة المجتمع والإنسان في كل زمان ومكان. وكتبت التونسية مريم بوسالمي مونودراما “ما لم يقله الدكتاتور” وأخرجتها عام 2015، وأداها الأسعد الجموسي، وفيها يبوح دكتاتور سابق، يعيش في المنفى، ما لم يبح به من قبل وهو ممسك بالسلطة، فحين يسقط يصبح موضوعا للأحاديث بين العامة، ويتخلّص هو بدوره من صورته التي أراد أن يرسّخها سابقا لدى شعبه، ويتحوّل إلى كائن “عادي”.

وتندرج في هذا السياق، أيضا، مسرحية “جنونستان” للأردني حكيم حرب و“خريف التماثيل” للعراقي عمار نعمة و“من يقاضي الدكتاتور” للمصري أحمد إبراهيم الدسوقي. وأعادت المخرجة اللبنانية لينا أبيض إخراج نص “الدكتاتور” لعصام محفوظ عام 2012، لكن بأداء نسائي خالص لجوليا قصار (الدكتاتور) وعايدة صبرا (الخادم). وكان العرض تجربة مثيرة تجاوزت فيها المخرجة الثنائيات البيولوجية بين المرأة والرجل، واستحضرت الزمن القديم للنص إلى الزمن الحاضر من خلال عناصر مكثفة ومكتنزة عند رسمها لشخصيتيه، وتوظيفها الذكي للمرايا التي تكشف ما هو خفي في النفس البشرية وتناقضاتها وجنونها وتطرّفها.

https://alarab.co.uk/