مواضيع للحوار

عجاج سليم  العربية الفصحى لا يمكنها استيعاب كل شيء

عجاج سليم العربية الفصحى لا يمكنها استيعاب كل شيء

36 مشاهدة

عجاج سليم  العربية الفصحى لا يمكنها استيعاب كل شيء

لمى طيارة

محمد سامي

 مسرحية “كيميا” لا تتبنى فقط الفكر العبثي بل تتجاوزه إلى اللامعقول حين تجعل العاشقة حاملا دون أن تلمسها يد.

ظهر مسرح العبث كتعبير عن الغضب والسخط بعد الحروبين العالميتين، نظرا إلى ما خلّفته تلك حربان من مصائب وكوارث ودمار للحجر والبشر، ثم سرعان ما انتشر وأصبح ظاهرة فنية وأدبية يلجأ إليها معظم المسرحيين ومنهم بطبيعة الحال السوريون، فلقد سبق وأن قدمت مديرية المسارح وبشكل خاص ولعدة سنوات مسرحية الانتظار لصموئيل بيكت والتي تعتبر واحدة من أشهر مسرحيات العبث، لكنها اليوم تعود مع الدكتور عجاج سليم لتقدم عرضا مسرحيا مقتبسا بعنوان “كيميا” عن نص مسرحي للكاتب الروسي ألكسندر أوبرازتسوفي يحمل عنوان “مجالات مغناطيسية” ليكون جاهزاً للعرض نهاية أغسطس الجاري، فهل للحرب وأوزارها دخل في اختيارات صناع العرض.

 تدور مسرحية “كيميا” للمخرج عجاج سليم المقتبسة عن مسرحية “مجالات مغناطيسية” حول الكيمياء أو الانجذاب العاطفي الذي قد يغير مصائر الأشخاص بشكل كامل، ولأنه نوع من الانجذاب اللاإرادي لا يمكن لبطلي العمل مقاومته، بل إنه سيغير مصيرهما ليصبحا أكثر إشراقا من النماذج الاجتماعية الأخرى البائسة ضمن العرض، فلماذا اختار مخرج العمل هذا النص تحديداً علماً وأن المسرح الذي يدور حول فكرة “يحدث الآن وهنا” لا يمكن أن يكون له علاقة بنص روسي وبكاتب روسي.

يوضح عجاج سليم أنه اختار هذا النص “لأننا حاليا نعيش وضعا إنسانيا خاصا، يجعلنا ضمن تساؤلات صعبة ووجودية، ففي الوقت الذي كان فيه المحرض للحياة مجرد أحلام تتجسد مثلاً في النجاح في المدرسة أو بناء منزل أو الحصول على الحب والقدرة على الحياة، تأتي الحرب لتؤكد لنا أن تلك الأحلام بدأت تنهار أمامنا بشكل واقعي وليس برمزية أو بشكل مجرد، فهناك بيوت ومدن تسقط، وأحباب يموتون كنا نخاف من مجرد مرضهم، مشاريعنا كلها توقفت ولم يبق لدينا هدف سوى الحفاظ على حياتنا ولقمة عيشنا”.

 "المسرح يستقطب الانتباهات التي لم تستطع لا السينما ولا الدراما استقطابها"

مسرح العبث

يقول سليم “انعدام الأمان يأخذ معه كل أسباب التفكير والوجود بالتالي نصل إلى لحظة العبث، فلماذا كنا نفكر في الحصول على منزل ولماذا كنا نبحث عن الحب وغيره، في حين تتفكك الأسر ويبتعد الأصدقاء، وتتبدل كل الروائح التي كنا قد تعودنا عليها كروائح الربيع والياسمين والورد بالبارود، وأكثر ما يخيفني على الأقل شخصيا – رغم جرعة التفاؤل التي أراها زائدة وغبية في بعض الأحيان -  الوحوش التي ظهرت داخل البشر، ولو كنت فنان رسوم متحركة لصنعت فيلما بيدي عن أفواه تفتح ويخرج منها وحوش، وهذه الوحوش أكبر من محتواها خاصة حين تظهر للخارج وتلامس الهواء، ثم إنه ومسرحياً لو قررت تقديم مسرحية لشكسبير مثل ‘روميو وجوليت’ التي سأناقشها كظرف اجتماعي بين عائلتين، سأشعر أنه مازال ينقصنا شيء لتقديمها، فعائلات كثيرة بدأت تنتهي، ولو أردت أن أستند إلى عمل لسعدالله ونوس مثل ‘طقوس الإشارات والتحولات’ سأجد أنه نص لم يعد كافيا اليوم، رغم أنه حين كتب وضع إشارات لفتت النظر إليها بشكل مسبق”.

ويتابع “لكن ما حدث في سوريا وعلى مدى ثماني سنوات أكبر من كل ما كتب، فحرب حزيران لم تدم سوى ستة أيام، وحرب تشرين التحريرية لم تتجاوز الأيام، ولكن نحن لثماني سنوات نعاني الحرب وهي ليست حربا على جبهة، بل هي حرب على كل الجهات، قرأت نصوصا كثيرة، ولكن هذا النص استوقفني رغم أنني شعرت أن بعض الأشياء داخله غير معبر عنها، كلحظة أو موقف، وكل من قرأ النص من المرشحين للعمل به، شعر بأن هناك شيئاً لم يفهمه، وهذا الشيء بالضبط هو وجهة نظر كل شخص حول ما جرى ويجري في هذه الحرب”.

لكن سليم يؤكد أن إيمانه كبير بدور المسرح، على الأقل المسرح قادر أن يجمع شتات الأرواح التي لم تستطع السينما تجميعها لأن لها ظروفها، ولا حتى الدراما التي أصبحت استهلاكية ولعبة تجارية، وأثناء عمله على النص شعر بنوع من المقاربة بينه وبين حياتنا، ولكن هذه المقاربة كان ينقصها الكثير، الأمر الذي جعله يعيد كتابة المسرحية لأكثر من مرة وليتم تحويلها أخيراً إلى العامية، وخصوصا بعد أن أحس بترف اللغة وتكبرها على المواطن، وهذا عكس ما يراه البعض في أن اللغة العربية الفصحى قادرة على استيعاب كل شيء، وبما أنه اليوم لا يعمل لأجل شهرة أو مال بل لأن المسرح أداته في هذا الوقت فما يهمه هو مخاطبة كل فئات الجمهور، وخصوصا أنه على مستوى شخصي لا يؤمن بمثقفينا إلا البعض منهم، أما ما يسمى “برجوازية مثقفين” أو “تجمعات مثقفين” التي تتكلم عن الفقراء وهي تسكن في أماكن فارهة وتتقاضى الملايين عن أعمالها الدرامية، فهؤلاء شكلوا بالنسبة إليه عقدة حلت لوحدها، عندما اكتشفت أنها مجرد هواء.

ظواهر لا معقولة

عجاج سليم: نسينا حكايات الحب ومن العبث في وقتنا الحالي الحديث عنها، ولكن في حقيقة الأمر الكل متعطش للحب

لكن الجمهور السوري الذي لم يشكل المسرح يوما بالنسبة له طقسا أو عادة من عاداته، وخاصة عروض المسرح القومي التي غالباً ما تأتي عبر نصوص عالمية لا تحمل أي سمة تجارية، كيف بإمكانه وبعد كل سنوات الحرب والبؤس أن يتقبل نصا عبثيا لا يحمل حبكة تقليدية ولا يعتمد على زمان أو مكان، يؤكد عجاج أن كلمة العبث حالياً لم تعد كافية لتصف الشكل الذي وصلنا له، نحن اليوم في منتصف الطريق ما بين العبثي والتعبيري. ويقول “أشعر أن جمهورنا في هذه المرحلة بحاجة لهكذا مسرح يحاول بشتى الوسائل تقديم فكرته، وبما أن المسرح لا يزال محافظا على شروطه في التكثيف والإيجاز والإشارة والدلالة، حاولنا اختصار النص كثيرا والاستعاضة عنه بأدوات أخرى، كالموسيقى والشعر، رغم أنني كنت سابقا أتحاشى وضع ذلك ضمن العرض وأعتبره نوعا من المجانية، ولكن في هذا العرض وجدت أنه ضرورة وخاصة في لحظات ما”.

ويؤكد سليم “أعرف أننا قد نسينا حكايات الحب ومن العبث في وقتنا الحالي الحديث عنها، ولكن في حقيقة الأمر الكل متعطش للحب، وخاصة على صعيد الروح في ظل الجفاف الذي نعيشه والأرض المتشققة، والحب بمفهومه الكوني هو الوحيد القادر على تسليمنا سلاحا قويا يمكّننا من التسامح والغفران والنظر بعين الواقع لكل ما حولنا، والحب بطبيعته لا يمكن أن يتوافق مع أي شيء بغيض أو حاقد أو طائفي أو مذهبي أو عقائدي، والكيمياء علميا تحدث حين يتوافق القلب مع العقل معاً ولكن العقل في النهاية هو صاحب القرار، وشعوري أن هذا العرض سيكون له التأثير الكبير لأنه عرض بعيد عن العروض التي تستخدم الشعارات الوطنية والعلم بمناسبة وغير مناسبة رغم أن الدستور والعلم والوطن من الوسائل الضرورية لحفظ كيان الدولة والتي يجب التمسك بها”.

ولكن المسرحية لا تتبنى فقط الفكر العبثي بل تتجاوزه إلى اللامعقول حين تجعل تلك العاشقة حاملا حتى دون أن تلمسها يد العاشق، وهو أمر سيكون غير مقبول من الجمهور السوري، وحول تمسك المخرج بتلك النقطة، يقول “بداية لا يمكننا إلغاء المجال المغناطيسي من العرض لأنه الحدث الرئيسي، فمسرحية هاملت على سبيل المثال في حال ألغينا وجود الشبح ستلغى المسرحية برمتها، أما عن الظاهرة غير الاعتيادية في النص ‘الحمل بدون ملامسة’ فهي ظاهرة تشبه بعض الظواهر الكونية غير الاعتيادية التي يمكنها أن تحدث كظاهرة برمودا، وأعرف أننا سندخل عبر تلك النقطة في فلسفة الأديان وتاريخ الفلسفة، ولكننا نريد للجمهور أن يتقبل تلك الفكرة كتقبله لفكرة المغناطيس التي سنكتشف لاحقاً أنها الكيمياء التي حصلت بين العروس والرجل المتزوج، والعلم عادة ما يثبت الأشياء الغريبة لاحقا، لكن الفلسفة أم العلوم دائما سبّاقة على الفن، ويؤكد ذلك ما قرأناه لأفلاطون وسقراط وغيرهما، وحتى الفلسفة الحديثة مع هيغل وديكارت، ويأتي العلم عادة كما النقد لاحقا للفن ومفسرا له”.

ويتابع “هنا في هذا الغرض سيكون لتلك الظاهرة معناها الرمزي، فالذي ولد في أحشاء تلك الفتاة ما هو إلا حبٌ كبير، كائن نوراني سيظهر للخارج، وبسببه سيعود الزوج لمنزله وزوجته بعد أن أطمئن أنه تركه داخل تلك الفتاة، متابعا لكن قلقي سيأتي مع نهاية العرض والذي سيشكل صدمة بالنسبة للجمهور، حين تتخلى العروس عن عريسها والزوج عن زوجته، ولكنني أصريت على تلك الصدمة لأني لا أراها نوعا من التخلي بقدر ما هي طريقة للتخلص من التعاسة عن طريق الحب، ولو أسقطنا ذلك على الوضع السوري سنشبهه بوجود طرفين متقاتلين ولكل منهما حسناته وسيئاته ولسنا بموقع المقارنة بينهما، فسيكون هناك أمل بالجيل القادم في حال امتلك إرادته وحريته وكرامته بشكل حقيقي، وهذا النور أو الحب المنبعث سيكون هو المستقبل والوطن والإيمان بالأهل”.

المصدر / العرب