مواضيع للحوار

عن كتاب  مسرح شباب الربيع في اليمن  للكاتب هايل المذابي

عن كتاب مسرح شباب الربيع في اليمن للكاتب هايل المذابي

58 مشاهدة

 

عن كتاب  مسرح شباب الربيع في اليمن  للكاتب هايل المذابي

 

كتابي " مسرح  شباب الربيع في اليمن "  الصادر مؤخرا  يقع  في حدود 100 صفحة تقريبا  .

 يقوم هذا الكتاب على عرض نظري و من ثم التطبيق النقدي على نص مسرحي مطبوع يتناول الثورة و التغيير و هو مسرحية " ملامح شظايا " الفائزة بجائزة دبي الثقافية للعام 2011 للكاتب عبدالخالق سيف الجبري  و النص اول عمل مسرحي يمني مطبوع تعاطى دراميا مع موضوع الثورات  العربية .

عبر الفصول العشرة للكتاب ,أقدم استعراضا فكريا للاتجاهات الاساسية في المسرح كفن و رؤية و ابداع , و هي تصورات صميمية تبلورت حول المسرح عبر تاريخه الطويل .

المسرح كونه فعل تطهير ام فعل تثوير و تغيير , بهذا التساؤل يتناول الكتاب  المسرح الدرامي عند ارسطو  و المسرح الملحمي عند بريخت  بوصفها  اطر نظرية  يقوم عليها فن المسرح . المسرح باعتباره فعلا و الفعل يعني القدرة على  تغيير اوضاع تؤثر  في عالم الموجودات  كون المسرح ليس الا فعلا تغييري يسعى الى اثبات الذات و تحقيق الوجود ..ثم يطرح الكتاب سؤالا ما هي غاية الفعل ,هل هي التطهير ام التثوير و التغيير ؟  ..و للإجابة على  هذا السؤال الصميمي في فلسفة الفنون المسرحية  يطرح الكتاب كل مفهوم على حدة " التطهير " و " التثوير " و " التغيير "  فأرسطو  قدم نظرية " الكاترزيس" – التطهير -  في كتابه " فن الشعر " و التي  تفترض ان على المسرح ان يجعل المتلقي بالضرورة يتطهر من مخاوفه الحقيقية على الواقع  بطريقة مقبولة فنيا و جميعها صور و مشاهد غير مقبولة البتة واقعيا , لكن المسرح يعالجها فنيا و يطهر المتلقي منها فنيا  و لا يتحقق التطهر الا بالمشاركة الادراكية و الوجدانية و الحركية بين العمل المسرحي و المتلقي , فحين يعرض العمل المسرحي لا اخلاقيات و خطايا النفس البشرية فانه  يساعدنا على تجاوزها و التطهر منها على الواقع  و تلك هي غاية  المسرح  بحسب نظرية " الكاترزيس " لأرسطو .

النظرية الثانية  هي  اطروحة المسرح الملحمي  عند برشت , وهذه النظرية تستفيد من فكرة البطل الملحمي حيث التغير مستمر في  افعال الشخصية الملحمية على غير البطل الدرامي الثابت الطباع .و ذلك ما يشكل فارقا واضحا  في المعالجة المسرحية للأحداث و الشخصيات و هكذا تختلف اسس و منطلقات المسرح الدرامي عن نظيره الملحمي و اللذان يستندان فلسفيا على فكرتين نقيضتين هما المثالية عند هيجل و التي تقول ان الفكر سابق للوجود و ذلك ما يتبناه المسرح الدرامي و في المقابل المادية عند ماركس التي تقول ان الوجود سابق للفكر و ذلك اساس المسرح الملحمي .

بعد عرض  نظريتي المسرح الدرامي التطهيري و المسرح الملحمي التغييري  و اللتان تختلفان كثيرا فيما بينهما و تتفقان على  فكرة ان المسرح فعل و ليس مجرد سلوك , أصل عبر طرح جدلي تركيبي الى حقيقة ان  التطهر و التغيير هما وجهان لعملة واحدة طالما انهما يحققان الارتقاء بالإنسان و تخليصه مما يخيفه او يعيقه و كما أرى فان النظريتين التقتا في المسرحية قيد الدراسة و ان الملحمي ما هو الا امتداد للدرامي .

بعد وضع الاطار النظري , انتقل الى قراءة مسرحية " ملامح شظايا " لاستقرءها مضمونيا و  فنيا , فاعرض لجوانب من الحوار و الشخصيات . ابتداءا مع رمزية اسماء الشخصيات داخل المسرحية " رجل السلة " , "كاتلوج السيد الكبير " لأكشف ما وراءها من دلالات , فرجل السلة يحيل الى كل ما يقولب المجتمع و يضعه في نمطية جامدة , " السيد الكبير " هو رمز لرجل الدين او للحاكم المستبد  اما الشخصيات المغطاة فترمز للطليعة  من  المجتمع الذين يؤمنون بالحقوق و الحريات كما أشير في الدراسة ان الاسماء داخل المسرحية ارتبطت جوهريا و موضوعيا بفكرة الثورة و التمرد و الرفض .

المسرحية  ذات الخمسة مشاهد و التي يتناولها الكتاب كمثال تطبيقي لمسرح شباب الربيع العربي تقدم معالجة رمزية للواقع العربي و تدور احداثها حول قصة " رجل السلة " و هو مؤلف مسرحي يسعى لإرضاء سيده الغامض عن طريق تقديم نصوص تقدمها مسرحيا شخصيات كثيرة تنتظر دورها في الظهور و هي تحت اغطية من القماش , و التي سرعان ما تثور على  رجل السلة كاتب المسرحيات و مخرجها اذ تبدا الشخصيات بالخروج عن النص تحقيقا لذاتها و انتصارا لإنسانيتها المسلوبة  و مع الوقت يتضح لرجل السلة ان كاتب الخاتمة لنصوصه المسرحية هو ضميره  الذي خانه  ليقف مع الشخصيات  و تنتهي  المسرحية بإحراق رجل السلة و سيده .

فكرة الكتالوج داخل المسرحية تشير الى المرجعيات و التعميمات السابقة التي وجدنا انفسنا عليها في مختلف جوانب الحياة . انها تمثل مؤسسات الدين والدولة و التربية و الاسرة و العمل التي جعلت من الفرد عبدا خاضعا لها  فأصابته بالاغتراب عن نفسه و عن واقعه و فرضت عليه  نسقا مسبقا في السلوك و التفكير و الفعل  و استفحلت هذه الحالة الاغترابية لتقود الى التفكك الاجتماعي و اختلال القيم والتبعية و الطبقية و سلطوية الأنظمة و غياب الديمقراطية . و فكرة رفض التقليد او الاتباع و الثورة عليها هي فكرة اصيلة في المسرحية  فالثورة على القيم هي السبيل الوحيد لتغييرها .

الكتاب يحاول ان يكون اضافة نوعية لمكتبة المسرح اليمني الذي لا يزال بحاجة الى اثراء نقدي و بحثي يكشف عن الجماليات و يؤصل للرؤى و المعالجات الخلاقة .