أخبار فنية

فاتح المدرس  الفن العميق الذي يتماشى مع المفاهيم العالمية

فاتح المدرس الفن العميق الذي يتماشى مع المفاهيم العالمية

48 مشاهدة

فاتح المدرس.. الفن العميق الذي يتماشى مع المفاهيم العالمية

تشرين: ثقافة وفن

علي الرّاعي:

على مدى ما يُقارب القرن إلا قليلاً؛ لم يكن فاتح المُدرس (1922م-1999م) رائداً من رواد الحركة التشكيلية وحسب؛ بل كان من قادتها أيضاً، حيث سار بهذه الحركة خلال عقود من الزمان وهو ينعطف بها بين اتجاهٍ وآخر حتى كان له اتجاهه الخاص الذي أمسى تياراً في الحركة التشكيلية السورية له من المتأثرين الكثيرين بما ثبّت ملمحاً في المشهد التشكيلي الذي يُفارق من خلاله تجارب عربية، ومن ثم كان أحد وجوه هوية تشكيلية سورية.

مُناسبة هذا التمهيد عن شغل «المعلم» كما أصبح يُطلق على فاتح المدرس من قبل مُحبيه والكثر المتأثرين به؛ الكتاب الذي أعدّه الأديب حسن م. يوسف بعنوان (فاتح المُدرّس) ضمن سلسلة (أعلام ومبدعون) الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة، فخلال سبعة وسبعين عاماً؛ أحرز المُدرّس شهرة واسعة واحتلّ مكانة عالية في تاريخ الفن التشكيلي لم يسبق أن أحرز مثيلاً لها فنّانٌ في هذا المجال؛ فقد نجح في إبداع لوحة خاصة به، تُشكّل امتداداً لشخصيته المُغامرة، فلوحته تقتحم ذاكرة المشاهد، وتُحرره من عادات الرؤية التقليدية..

المُدرّس الذي قال عنه الشاعر أدونيس: «إنّ إبداع فاتح المُدرّس في تاريخ الحركة التشكيلية السورية؛ يُمثّل معيارية كلاسيكية عالية، يؤرخ بها، ويُقاس عليه..»، ومما يذكره م. يوسف في هذا الكتاب؛ إنّ المُدرّس ولد في قرية «حريتا» الواقعة في شمال سورية بالقرب من مدينة حلب، وسط بيئة فلاحية، تجمع مزيجاً من العرب والكرد والتركمان.. ينحدر والده – عبد القادر المُدرّس- من أسرة عربية معروفة بنفوذها الإقطاعي، وأما والدته من (عايشو) فكانت من أصول كردية.. قُتل والده، وهو لم يتجاوز عمره الاثنين وعشرين شهراً؛ إثر معركة خاضها بمفرده ضد خمسة عشر من قطّاع الطرق، وبعد مقتل والده عاش مع أمه طفولة شقية محرومة، مُتنقلاً في قرى الشمال عند أخواله الأكراد، وقد تركت تلك السنوات أثرها العميق في وجدانه، وسلوكه الاجتماعي، وإنتاجه الفني والأدبي.. كما أنّ اليتم المُبكر ترك أثره إلى حدٍّ بعيد، فقد تعلق بأمه حتى صار ينظر إليها كما لو أنّها قطعة من المكان: «أنا أحبُّ أمي والنهر، وشقائق النعمان كثيراً.. شقائق النعمان وأمي، فلم هذا الربط؟ لقد تبيّن لي أنّ هذا الربط فيزيولوجي، عندما كنتُ أجمع شقائق النعمان من أرض الحنطة في قريتنا، وأنا في الرابعة من عمري، كنت أذهب إلى أمي.. وهذا اللون الأحمر ارتبط في ذاكرتي بوجه أمي».

غادر المُدرّس حياة الريف، وهو في الثامنة من عمره إلى حلب، وحين دخل المدرسة الابتدائية؛ اكتشف مدرس الرسم شريف بيرقدار موهبته المبكرة، وكانت كلماته التشجيعية الهامسة بمنزلة تيار كهربائي يُحرّض مُحركاً صغيراً داخله.. وبرغم ممانعة الأهل و لاسيما لجهة أبيه لاهتمامه بالموسيقا والفن بشكلٍ عام غير أنّ ذلك لم يزده إلا المضي بهذا الاتجاه.. فقد سافر إلى عاليه في لبنان لمتابعة دراسته في الجامعة الوطنية، وهناك تعرف على الأديب والناقد مارون عبود الذي اكتشف بحسه النقدي المواهب الأدبية والفنية التي يتمتع بها فاتح والذي ساعده في فهم دقائق التكوين الأدبي الريفي في مرحلة في منتهى الحداثة، كما عرفه بأساتذة فنّ الرسم في بيروت، وهناك راح يطلع على الأدب العالمي ويدرس تاريخ الفن ومدارسه الحديثة، وبعد عودته لحلب مدرساً للغة الإنكليزية والتربية الفنية بدأت مشاركاته في الرسم تظهر إلى جانب عدد من الفنانين الرواد، كما ظهرت إسهاماته في الشعر والقصة التي كان ينشرها في الصحف السورية وخلال تلك الفترة تعززت علاقته بالشعراء عمر أبو ريشة وأدونيس والمخرج سليم قطايا .. وفي هذا الزمن دام انغماس فاتح المُدرّس في المرحلة السوريالية منذ سنة 1947م وحتى سنة 1956م، لكنه سرعان ما تخلص من هذه المرحلة، وعاد إلى طبيعة ريف الشمال السوري الأثيرة إلى نفسه، فصار يرسم ألوان الأرض، ولباس الفلاحات والآفاق، والأعشاب، والأبعاد اللامتناهية، حيث كان ينوس بين السريالية التعبيرية والتجريدية.. وقد مسوغ فاتح – كما يذكر يوسف- توجهه نحو السريالية في رسومه الأولى، برفضه الصيغ الفنية القديمة، وولعه بالتجديد، وقد كانت لوحاته السريالية تعرض في واجهات المكتبات في شارع بارون في حلب، وتستوقف المارة؛ لأنها تحمل مفاهيم جديدة لم تكن معروفة آنذاك، ويتحدث المُدرّس عن تلك الفترة: «في الأربعينيات إذا قرأت الصحافة ومشيت في الشارع؛ تحسب نفسك في باريس، شارع بارون في حلب كان سنة 1948م صورة عن الشانزيليزيه، وهذا يعني أنّ الشعب السوري حتى في أقسى سنين القهر، لم يكن خارج حلم القرن العشرين..»

لم يجد فاتح المُدرّس هويته الفنية بسهولة، فقد اعتمد في البداية على عفوية ضربات الفرشاة، بعيداً عن التمثيل الواقعي للأشياء، فكشف عن براعته في تلخيص المشهد بحس فني مرهف، وبراعة في استخدام ألوانه الخاصة البعيدة عن مُحاكاة ألوان الطبيعة، وبهذا قدم مفهوماً رمزياً للون، ورسم مشاهد عديدة مثلت الطبيعة والإنسان وعلاقة الفنان بهما..

وكان أوّل معرض أقامه سنة 1950م في نادي اللواء بحلب، وقد أحدث صدمة في الوسط الفني، ثم شارك سنة 1952م في معرض مركز الصداقة في نيويورك، وفي المعرض الثالث للفنون التشكيلية الذي أقيم في المتحف الوطني بدمشق. وخلاله نال الجائزة الأولى في التصوير عن لوحته «كفر جنّة» التي عدّها النقاد وقتئذٍ في طليعة الأعمال التصويرية في الفن السوري المُعاصر.. وفي عام 1954م؛ وضع المُدرّس مؤلفاً من ثلاثة أجزاء عرض فيه (موجز تاريخ الفنون الجميلة) ليكون مرجعاً لأساتذة مادة الفنون في المدارس السورية، وفي سنة 1957م سافر إلى روما لمتابعة دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة هناك، وكان من حسن حظه أن أشرف على دراسته الفنان الإيطالي فرانكو جنتليني الذي كان من أعظم فناني إيطاليا آنذاك، وقد ترك الأخير أثره الواضح في منهج المُدرس التعبيري الماورائي ولاسيما في جوانبه المعمارية وإيقاعاته التكوينية ودرجات إشراق ألوانه. وفي إيطاليا أيضاً التقى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وترافقا عشرة أيام، وقد ترجم سارتر إلى الفرنسية أربع قصائد كتبها فاتح بالإيطالية, كما اقتنى ثلاث لوحات من المعرض الشخصي الذي أقيم للمدرس في غاليري (شيكي) بروما سنة 1959م.. وبعد كل ذلك يلخص المُدرّس تلك المرحلة: «إنّ زيارتي إلى أوروبا قد قلبت مفاهيمي نحو تركيز جهودي في أسلوب معين، وقد خلصت من تجاربي كلها؛ أنّ على الرسّام المحب لوطنه أن يعمل على بلورة مفهوم الفن في بلاده، في طابع أصيل يمت للتاريخ والتقاليد، فليس هنالك فن بلا واقع أو تقاليد عميقة الجذور، وكل هذا يجب أن يتمشى مع أحدث المفاهيم العالمية»..

وفي رأي معدّ الكتاب؛ فقد خلقت تجربة المُدرّس حالة توازن نادرة في الفن العربي؛ فهي تجربة شخصية واقعية من غير أن تكون كذلك كليّاً، وهي تجربة تجريدية من غير أن تكون كذلك تماماً، وهي تجربة مرحة من دون فرح، ومأسوية من دون كآبة..