مواضيع للحوار

فانتازيا فاوست   ولعبة الشيطان بين الوعي والاستيهام    الدكتورة  لوت زينب

فانتازيا فاوست ولعبة الشيطان بين الوعي والاستيهام الدكتورة لوت زينب

58 مشاهدة

فانتازيا فاوستFaust      ولعبة الشيطان  

بين الوعي والاستيهام

الدكتورة: لوت زينب.

يعد الاستيهام منطلق خيالي عقلي واعي، يساهم بالتفاعل الضمني لتجسيد واقع مماثل فيه صراع بين ثنائيات وجودية، وهي مدركات لها بعدها الأسطوري للرواسب العالقة في أذهان الشعوب، واستقرار بعض التآلف الروحاني بين الأشياء الأكثر قرباً من الحقيقة المشتركة وهي فكرة الشرور المتعلقة بوجود( الشيطان) يتقبلها العقل و ينفتح عليها التصور، لفهم آليات الاستيهام وحدوده الذهنية و النفسية ثم الفنية، وعناصره الوظيفية التي تكمن في المسرح تحديدا ، فكرة (الشيطان) في مسرحية( فاوست)Faust أحد أهم الصور في الفلكلور الألماني التي تعود للقرن السادس عشر،  ونسجت المخيلة الإنسانية مختلف الحكايات المرتبطة بالمحيط السحري الخالق للمتعة التخيلية.

 حسب التطلعات الواقعية للتراث الشعبي المتناقل في ألمانيا ولد (فاوست ) من أب فلاح فقير ،في رودRod  بالقرب من فيمارWeimarتولى تربيته ابن عمه الذي كان غنيا في فتمبرج Wittemberg  وترك له إرثا لعدم وجود أبناء له، أكمل دراسته حتى تحصل على دكتوراه في اللاهوت، ولكنه صحبة أصدقاء غير صالحين دفعته  إلى ممارسة الشعوذة واستنطاق الموتى و السحر ما تدعى بالفنون الدردانيةDardaniae arêtes بعدما كان يصنع الأدوية لشفاء الناس ومواساتهم في أمراضهم تجاوز ذلك نحو استحضار الشيطان الذي يعد قوة عظيمة تغير خرائط الوجود ، وتنسج خياله الواسع نحو طموح جارف للتحكم في هذه القوة، فاستأنف بلوغ غابة(أشبسرSpesser) ليرسم أشكالاً تستحضر الشياطين التي بدأت تظهر في مخلوقات مختلفة ثم إلى نيران وهو ثابت  حتّى تماثل أمامه لوسيفر Lucifer  مفوضا عن سيده الشيطان للاتفاق مع (فاوست) الذي أبرم اتفاقا يحمل الشروط الآتية:

«أن يكون الشيطان مطيعاً له في كل ما يطلبه.

أن لا يخفي شيئا يطلب معرفته.

أن يصدق في الجواب عن كل مسالة يسأله إيها.

(...)وظهر الروح مرة ثالثة لفاوست وأعلن موافقته وإطاعته في كل الأمور لأنه حصل على إذن بذلك وأعلن فاوست مطالبه وهي:

  • أن يتخذ هيئة روح ويملك براعته.
  • أن يفعل الروح كل ما يطلب منه فاوست
  • أن يكون الروح مطيعاً له وبمثابة خادم متلهف لتنفيذ  المهام التي يكلفه بها .
  • أن يحضر إليه في كل مرة يدعوه فيها.ويضع نفسه تحت تصرف فاوست.
  • أن يقوم الروح -وهو محجوب-بإدارة بيت فاوست وألا يرى احد غيره إلا بأمر من فاوست.
  • أن يظهر الروح كلما رغب فاوست وعلى الهيئة التي يريدها فاوست»[1]

يستمد الخط الفاصل بين الخيال والواقع نمط بلوغ الحقائق وتطويرها في مجال الإيهام حيث يشتغل الوعي مع الحدس الخيالي في تحويل نطاق معقول إلى غير معقول لكن يحافظ في نفس الوقت على درجة التواصل بينهما، وإشكالية الدراسة تتمحور في منطقتين: كيف يمكن للإيهام تحقيق درجة الواقعية الخيالية حيث يصبح بينهما ترابط هيولي خافت؟ ولماذا يصبح الإيهام فاعلا في تلقي النص المسرحي رغم بعده عن واقع المتلقي؟ ماهي لعبة التجاور والتجاوز التي يمارسها كاتب النص في مسرح الفانتازيا؟.

يستثمر نص المحكي الخرافي لشخصية (فاوست) الممتد في ضحالة الإنسان وتناقضاته، الخفي بباطنه المعاند والّذي يحاول السيطرة على الأشياء الممكنة حوله بما يناسب طموحه وفكره وعلمه القابل لتطوير قدرات تدفعه للوصول نحو عوالم مضطربة جديدة تفتق الوعي الجديد وتستنطق القوة الخام المنفعلة لكل رغبات المنجرفة.

تنبثق لعبة ظهور الشيطان بعد استحضار عنيد ، ومكرر وإصرار قوي خدم الفعل الحسي الجمالي لنزوح الروح ورهن الجسد فقد ينبثق صراع الفلسفة الأولى بين الهيولة والمادة،  فهل بلوغ الرؤية الروحية تسلبُ مكانة المادية للكائن، ولماذا يشترط الشيطان سلب الجسد بعد الموت؟ هل الفعل منبثق من دافعية الحس؟كيف يمكن  تنضيد المسافة الموجودة بين أثر الشر والخير؟وكيف يعيش الخير و الشر معاً في خاتمة (فاوست) فهل الندم هو الخير المرتقب؟ تساؤلات كثيرة في خطاب الحكاية تنزل إلى قاع ضحل من الإنسان وهو يصارع نوزعه السلوكية ويفحص نواة وجوده لكنه لا ينتهي عن الخطأ ولعل خير مؤشر لدرجة بلوغ الرغبة وهي الوسيلة التي يملكها (فاوست) معرفته باللاهوت.

تحصل المعاني في خلية من الصور العالقة في الذهن، لكنها تندفع بفعل مؤثر في السامعين المتلقين، أمام المسارب التخيلية الّتي تُكَوِنُ جوهر النص وتحولاته ، وهذا ما يحولنا نحو واقع (فاوست) والأحداث المترتبة من سفره بين قسطنطينية، و القاهرة باسمها القديم   Chayrom، ومروره فوق فرنسا السويد ألمانيا الدنمارك الهند وغيرها من الدول التي يصفها الكتاب الشعبي، وبلوغها نسبة من الخيال الايهامي المستديم نحو هيأة المعنى في تشكيل أشكال يتقبلها الذهن حتى ولو تجاوزت الواقع فهي تجاوره في نفس الوقت كما في علاقة الحب التي جمعته مع (هيلانة) تنسكب وضعية الانصهار نحو حتمية الموت بعد  العثور على السعادة ويلامس حقائق الحياة تكتمل رحلته حسب تطلعات النص الآتي:«وسيحضر فاوست هيلانة في يوم الأحد الأبيض (الكوزايمودو)أمام سبعة كلاب(الفصل49)ويعود إلى هيلانة ثانية الفصل 59فيطلب من الروح أن تحضر له  هيلانة لكي تكون خليليته(...) وصارت حبلى منه أثناء هذه السنة الأخيرة من الميثاق وانجبت منه ولدا اسماهJustus Faust، وشعر بابتهاج كبير،وهذا الولد أخبر أباه بكثير من الأمور التي ستحدث في بلاد كثيرة، لكن لما دنا أجل فاوست اختفت الأم و الابن في الوقت نفسه(...)وبعد مضي أربعة وعشرين سنة على توقيع الميثاق مع الشيطان كتب فاوست وصيته وفيها جعل تلميذه فجنر وريثه»[2] الرغبات و الاستمرار في العبث ثم الاستهانة بالحياة ثمّ العودة لليقين الّذي يمارس الصراع بين الشهوة والإحساس بالذنب، نستوفي مجالا من الحركة النفسية المتضاربة تنتهي بميثاق محقق وعالق بين الحقيقة والمجاز لكن النفس الإنسانية تمارس توثيق أعمالها وتصنيف الشر من الخير بمعية إيمانية ومعرفة شعورية حسية مدركة.

دعا(فاوست) أصدقاء السوء للقاء في قرية رملشRimlicheوهي على بعد نصف ميل من فتمبرج وأن يتناولوا الغذاء معه حتى يحدثهم قائلا:«أرجوكم بحق الصداقة أن تذهبوا إلى مخادعكم وتناموا في سلامة،وألا تقلقوا من الضجة التي ستسمعونها في البيت، ولا تخافوا منها أبداً،ولن ينالكم شرٌ منها ولا تنهضوا من فرشكم،وإذا وجدتم جثتي فدفنوها في الأرض لأنني أموت ميتة مسيحي سيء وحسن معاً حسن لان في نفسي توبة نصوحة،وأنا أصلي في قلبي حتى تنالني الرحمة وتنجو نفسي وسيء لأنني أعلم أن الشيطان لا بد أن يأخذ جسدي وسأتركه عن طيب خاطر إذا ترك روحي بسلام»[3] السلام هو بنية حتمية للحكاية في خواتمها تقع بين نقطتي التقاء تفجر النهايات المفترضة:

 

هذه الأسفار اللامتناهية عند (فاوست) تمنح التلقي المسرحي جسدا لا يتوقف عن الحدث و الإيقاع بذات المتلقي في متاهات الخيال واستحقاقات الاستيهام بالوقعي نحو المتخيل المتعالي في فضاء الممكنات بعدما استحال وقوعها مرئية تنكشف طاقة الذات في إحداث ممارسات السحر( الخطوط والرسوم) و التوقعات الخفية ولعل الشعوب عبر العالم تنجذب خلف الخرافات حيث كانت ميلاد الحقيقة وراءها في الكون ولهذا يصبح الايهام هو ميلاد الفكر ولو كان علمياً لأنه افتراضي يحقق ردود فعل ايجابية تصل إلى التوقع الجمالي لمنجز الفكرة وقرابتها من معجز كوني لا تزال بنيته الوجودية تحتل فضاء المبهم.

المراجع

 

 

[1] -فاوست، يوهان جوته، تر :عبد الرحمن بدوي، دار المدى،، بغداد، بيروت، دمشق، ط/3 ،2014 ، ص.25

[2] - فاوست، يوهان جوته، تر :عبد الرحمن بدوي، ص.28

[3] - فاوست، يوهان جوته، تر :عبد الرحمن بدوي، ص.29