مواضيع للحوار

فنانون ونقاد يتحدثون للموقع بوست عن المسرح في اليمن عقود من التدهور والتهميش

فنانون ونقاد يتحدثون للموقع بوست عن المسرح في اليمن عقود من التدهور والتهميش

89 مشاهدة

فنانون ونقاد يتحدثون للموقع بوست عن المسرح في اليمن عقود من التدهور والتهميش

 المصدر: موقع البوست

ظل المسرح اليمني منذ ظهوره الأول في العام 1904 في هامش اهتمام الحكومات المتعاقبة للبلد، ولم يحقق أي ازدهار يذكر منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنه حافظ على استمراريته طوال الوقت، رغم شحة الإمكانات وافتقاره للبنية التحتية الأساسية، إلى أن توقف في العام 2015 بشكل شبه كلي بسبب الحرب الأخيرة التي شنها التحالف السعودي الإمارتي على اليمن.

ألقت الحرب بظلالها على الواقع الفني برمته، وأدت إلى تدهور المسرح الذي كان يعيش قبل ذلك حالة من القصور، نتيجة إهمال الحكومة، وتركز اهتماماتها على الشأن السياسي فقط، إضافة إلى ذلك، كانت قد تلاشت خلال هذه الفترة جهود الإنتاج الفردية إلى حد كبير، وبات العمل المسرحي غائبًا عن المشهد الثقافي في اليمن برمته؛ إلا من عروض نادرة كانت تُقام هنا وهناك في فترات متقطعة وبجهود متواضعة.

ورغم تعثر المسرح اليمني في الفترة الأخيرة؛ فإنه حقق رصيدًا جيدًا قياسًا إلى واقعه، حيث بلغت عروضه قرابة الألف عن أكثر من 600 نص محلي، خلال مسيرة ممتدة منذ قرن.

بنية تحتية منعدمة

يرجع مبخوت النويرة، مخرج ومدير سابق للإدارة العامة للمسرح بوزارة الثقافة، إشكالية المسرح في شق منها إلى انعدام البنية التحتية، حيث لا توجد أي دور عرض خاصة بالمسرح في اليمن، ولا توجد خشبة مسرح في عدن، وتعرض المسرحيات في قاعات عامة، أما في صنعاء فالمبني الوحيد الذي كان مُعدًا كخشبة مسرح، توقف بناؤه في العام 2002، وقد ظل المسرحيون اليمنيون طوال الفترة السابقة يعانون من افتقارهم لبيت مسرحي يجتمعون فيه للتدريب وعمل بروفات.

يقول في تصريحه للموقع بوست: "مع ذلك أقيمت العروض المسرحية في قاعات المراكز الثقافية التي بُنيت في عدة محافظات يمنية في ثمانينيات القرن الماضي، وخُصصت للمناسبات السياسية، وهي لا تناسب العروض المسرحية، إلا أنها ظلت أماكن تُقام فيها العروض المسرحية في صنعاء وعدن في مواسم مختلفة وتحت رقابة حكومية صارمة".

الفنان يحيى إبراهيم: السبب الرئيسي في تدهور المسرح يعود إلى نظام الحكم الذي همش رواد المسرح الوطني والعسكري من خلال تمييع حقوقهم وإقصائهم من المناصب الحساسة.

ويرى النويرة أن أول خطوة إصلاحية قادمة يجب أن تتمثل في إنشاء عمران مسرحي خاص في صنعاء وعدن، كي يزدهر النشاط المسرحي، ويصبح بالإمكان تكرار المسرحيات في أكثر من عرض لضمان تحقيق علاقة وثيقة بين الجمهور ونجومه، أما الخطوة الثانية فيجب أن تترجم في تأسيس أكاديميات للفنون المختلفة، وبهاتين الخطوتين يكون المسرح قد تجاوز أكبر معضلات البنية التحتية.

أما الفنان يحيى إبراهيم، فيرى أن السبب الرئيسي في تدهور المسرح يعود إلى نظام الحكم الذي تزعم المشهد السياسي بعد الوحدة اليمنية، حيث إنه لجأ إلى تضييق الخناق على الفنانين، وعمد إلى إغلاق دور السينما في عدن بعد تحقق الوحدة مباشرة، أعقب ذلك بخطوة مشابهة في صنعاء، تمثلت في تهميش أهم رواد المسرح الوطني والعسكري من خلال تمييع حقوقهم وإقصائهم من المناصب الحساسة في الإدارات المسرحية بوزارة الثقافة.

يضيف إبراهيم في حديثه للموقع بوست: "لقد أدرك النظام الفاسد بطبيعته الدور الحيوي للمسرح، ورأى فيه تهديداً مباشراً لبقائه، كون المسرح وسيلة ناقدة مزعجة للسلطة الفاسدة، سيما إذا تحققت له استقلاليته، فكانت الخطوات الأولى للحكومة بهذا الشأن أن قيدت النشاط المسرحي بفرض الوصاية عليه، ثم عمدت إلى إقصاء رواده الفاعلين، حيث تم استبدالهم وتعيين آخرين في الإدارات الحساسة بوزارتي الإعلام والثقافة، دون أن تكون لهم علاقة أو خبرة بالفن والمسرح، لكنهم فقط موالون للسلطة، وبهذه الطريقة تم تطويع الفن لصالح السلطة وسُلب منه دوره الحقيقي".

يتابع: "خلال مرحلة ما بعد الوحدة اليمنية استمر المسرح في تقديم عروضه، لكنه اقتصر على أوقات موسمية في السنة، حيث لم تكن العروض تقام سوى في المناسبات الوطنية العامة، وظل الأمر كذلك إلى مطلع 2011، حيث تفجرت ثورة الشباب، وكان ثمة أمل مع التغيير بتحسن وضع المسرح بعد الثورة، لكنه عاد لينتكس من جديد مع انطلاق الحرب الأخيرة".

تأميم حكومي

يتفق مع الطرح السابق المؤلف المسرحي مختار مقطري، حيث يقول: "الأمر الذي أعاق تقدم المسرح اليمني هي فكرة تأميمه وإخضاعه لسلطة الدولة، وقد ترتب على هذا إهمال للفرق المسرحية الأهلية، بسبب تخوف السلطات من الدور الذي يقوم به المسرح، لأنه فن مواجهة وتطوره يعني التأثير إيجاباً على الوعي الاجتماعي، مما حدا بالسلطة إلى تهميشه وإخضاعه لرقابتها، لدرجة أنها لم تكترث لعدم تواجد بنية تحتية مسرحية، واكتفت بإقامة عدد من المهرجانات كل سنة في أماكن متفرقة، أدى هذا الاحتكار إلى تغييب القطاع المسرحي الخاص عن الساحة، وتسبب كذلك بانعدام نشوء اتحادات فنية فاعلة".

الفنان المسرحي عبدالعزيز البعداني: هناك فساد داخلي أعاق انطلاق المسرح في اليمن حيث يتواطأ المنتجون مع الجهات الحكومية الراعية للعمل ضد مصلحة الممثلين.

ويضيف: "ظل المسرح خلال الفترة السابقة محصوراً بسبب افتقاره للمناخ الحر الذي ينشط فيه، مثّٙل ظرف الاختلال والركود الذي عاشه المسرح في تلك الفترة بيئة مناسبة لظهور غير المحترفين والهواة من المسرحيين، فقد المسرح فعاليته وأصيب بالجمود، وقد مارس بعض المتصدرين للمشهد المسرحي نوعًا من الأستاذية الجامدة، فكانت تقدم عروضا لا يفقهها الجمهور، مثل بريخت وشكسبير، وفي أحيان كثيرة لا تلامس احتياجاتهم الفنية وواقعهم، في حين يزدهر المسرح في رأيي ويتطور بالعروض الكوميدية التي تجسد الواقع الاجتماعي المحلي.

ويؤكد مختار مقطري في تصريحه للموقع بوست بأنه لن يكون ثمة مستقبل للمسرح اليمني ما لم يحظَ باهتمام الحكومة، إذ يقع عليها إنشاء بنية تحتية مناسبة للمسرح، ويتوجب رفع رقابتها عن الأعمال المسرحية، إضافة إلى ذلك يتعين تشجيع ظهور الفرق المسرحية الأهلية وتعزيز الاهتمام بالعروض الكوميدية ذات الطابع المحلي.

تمرد ومواجهة

يعتقد هايل المذابي -مؤلف مسرح شباب الربيع في اليمن- أن سلوك التهميش الذي انتهجته حكومات ما بعد الوحدة اليمنية تجاه الفنون، خصوصاً المسرح، إضافة الى شحة التمويل الرسمي للنشاط الفني؛ أديا إلى انحسار العمل المسرحي وهجرة المتخصصين فيه إلى خارج الوطن، وانقراض الكتاب المسرحيين أو تحولهم إلى الكتابة الدرامية، الأمر الذي أوصل المسرح اليمني إلى هذه الحالة من التدهور، وبات يعيش أسوأ مراحله التاريخية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ويتابع في تصريحه للموقع بوست: "لا تتوقف مشكلة الظاهرة المسرحية اليمنية على سبب واحد، وهي متناسلة في عدة أبعاد، وتعود العلة في شق آخر منها إلى المسرح ذاته، وطبيعته المتمردة على الأعراف، إضافة إلى الطبيعة المحافظة للمجتمع، وهو ما يزعج السياسي وكذلك الدعاة، الأمر الذي يؤدي إلى حرب خفية سياسية ودينية تُدار دائماً في الخفاء ضد المسرح، وضد المشتغلين به، تتخذ شكل ضغينة وتحريض خفي غالباً، ويحدث أن تطفو على السطح على هيئة انتقادات دينية موجهة ضد المسرح".

المخرج محمد الرخم: المسرح اليمني إلى الآن لم يُمنح فرصة حقيقية ليتمكن من تأدية دوره في المجتمع وكل ما أنجز لا يفي باحتياجات الجمهور

وعن الواقع الحالي للمسرح يقول: "المسرح اليمني يعاني اليوم من ازدواج الجهات الحكومية التي تشرف عليه، ففي الوقت الذي يبدو فيه أنه يتعافى ويستعيد نشاطه من جديد في عدن، من خلال مهرجان عدن الوطني للمسرح الذي أقيم بداية ديسمبر 2018، إلا أننا نجد أنه قد انقرض تماماً في صنعاء، بيد أن هذا ليس مصيراً نهائياً، أعتقد أن المسرح اليمني يعاني بعثٙه من جديد، وهذه مرحلة قد تطول".

غياب النقد

ينفي المخرج محمد الرخم أن تكون مشكلة المسرح مترتبة في جزء منها في أزمة نص، ويقول: "توجد لدينا وفرة في النص المسرحي، لكن ثمة نصوصًا تكتب بحذر شديد تفاديًا لإغضاب السلطة، وخشية من التعرض للمقدس الديني أو الاجتماعي، لأن ذلك قد يجلب متاعب كثيرة للمؤلف".

وعن دور المسرح في التثقيف يقول الرخم: "المسرح اليمني إلى الآن لم يُمنح فرصة حقيقية ليتمكن من تأدية دوره في المجتمع، وكل ما أنجز لا يفي باحتياجات الجمهور، لم تكن سوى عروض موسمية غير منتظمة لم تحظ باهتمام كاف من قبل وسائل الإعلام والصحافة، إضافة إلى انعدام مفهوم النقد المسرحي -المقوم البنيوي لتطور المسرح- وذلك لعدم توفر صحافة فنية متخصصة تسلط الضوء على واقع المسرح".

يواصل حديثه: "يعاني المسرح إضافة إلى ما سبق، من شحة في الإنتاج، بسبب قصور الرعاية الحكومية، إضافة إلى انقراض الفرق المسرحية الأهلية، وعدم توفر جهات داعمة لها، وكذلك غياب شركات الإنتاج الخاصة التي كان لها أن تتبنى تلك الفرق وتساهم في تأسيس القطاع الخاص للمسرح".

 ويشير الرخم في سياق حديثه للموقع بوست إلى أن الكثير من الممثلين المبدعين لا يحظون بمكانة لائقة، ولم تتح الفرصة لهم ليصلوا إلى مرحلة النجومية، بسبب قلة الإنتاج، واقتصار المسرحيات في عرض واحد فقط، نتيجة لهذا ظل فنانو المسرح في الظل، وحُرموا من المشاركات الخارجية في المهرجانات العربية.

فساد إداري

أما الفنان المسرحي عبدالعزيز البعداني فتحدث عن فساد داخلي، حيث يتواطأ المنتجون مع الجهات الحكومية الراعية للعمل ضد مصلحة الممثلين، بحيث تقوم الجهة المخولة وهي إدارة الإنتاج بوزارة الإعلام، بتسليم الأعمال المسرحية للمنتجين الذين يوافقون على إعطائها نصف ميزانية العمل، يحدث الأمر عبر صفقة تتم بشكل خفي، وتسلم ميزانية العمل للمنتج الذي وافق على الصفقة، ويذهب هذا الأخير بدوره إلى اقتطاع جزء كبير لنفسه من الميزانية التي تصل إليه، لينتج العمل بأقل من ثلث المال المخصص، ويخرج الممثلون بأقل أجور في العمل".

ويشكو البعداني من ضياع حقوق الفنانين، الذين يذهبون ضحايا لانتهازية المنتجين والجهات  الحكومية الراعية للعمل، ويوضح: "لا توجد معايير قانونية في وزارة الثقافة والإعلام تنظم أجور الفنانين، إنهم معرضون دوما لاستغلال المنتجين، وهذا ما دفع الكثير منهم إلى هجر المسرح الحكومي والعمل في الدراما".

المؤلف المسرحي هايل المذابي: سلوك التهميش الذي انتهجته الحكومات إضافة إلى شحة التمويل الرسمي للنشاط الفني أديا إلى انحسار العمل المسرحي.

ويتهم البعداني إدراة الإنتاج في وزارة الإعلام بالفساد قائلاً: "لقد كانت تسلم الأعمال المسرحية لمنتجين لا يملكون خبرة في العمل المسرحي مقابل رشاوٍ، ويتم إقصاء الخبراء الحقيقيين بتواطؤ واضح مع نقابة المسرحيين".

ويعتقد البعداني في حديثه للموقع بوست أن الفنان المسرحي ذهب ضحية الانتهاز ابتداءً من أعلى الهرم الحكومي المسؤول مروراً بالنقابة وانتهاءً برجال الإنتاج والإخراج، ما اضطر الكثير إلى ترك المسرح واللجوء إلى وسائل الإنتاج الذاتي والنشر في منصة يوتيوب، سيما أن الصناديق التي تدعم الثقافة والفن كانت تذهب كلها للرعاة الرسميين، وفي ظل هذا الواقع هجر فنانون كثر العمل المسرحي واتجهوا نحو الدراما، بينما لجأ البعض الآخر للهجرة إلى خارج اليمن بحثاً عن فرص أفضل.

إشراقة جديدة

بعد غياب دام أحد عشر عاماً لحركة المسرح، عاد بحلة جديدة في مطلع ديسمر 2018 في عدن، من خلال مهرجان عدن الوطني، والذي تضمن عدة عروض في دورته الأولى تحت رعاية "الهيئة العربية للمسرح"، ومن تنظيم وزارة الثقافة اليمنية.

وقد تضمن المهرجان تسع مسرحيات مُشاركة من عدة محافظات يمنية، وانتهى بفوز مسرحية "ميس" عن محافظة تعز كأفضل عرض مسرحي، وهي من تأليف هايل المذابي وإخراج أحمد جبارة.