دراسات أدبية

قراءة في تجربة الكاتب العراقي عمار سيف في الكتابة لمسرح الطفل

قراءة في تجربة الكاتب العراقي عمار سيف في الكتابة لمسرح الطفل

26 مشاهدة

#في زمن القسوة هل مازال هناك متسع لأحلام الطفولة ؟! 

قراءة في تجربة الكاتب العراقي عمار سيف في الكتابة لمسرح الطفل

بقلم – #عدي _المختار / كاتب ومخرج عراقي

دائماً ماكنت اسأل نفسي قبل سنوات , اي قبل ان اتعرف عليه شخصياً, عن اي طفولة يكتب ابن الناصرية "عمار سف" ؟

هل لازال هناك متسع من الفرح للطفولة العراقية ؟

 ام انها بوابة للشهرة لا اكثر؟

ام هي مجرد اضغاث احلام يحلم بها هذا السومري العنيد ؟

ففكرت ذات يوم ان اقرأ له فعشقت ماكتب بحق ورسمت له صورة في مخيلتي كنت اتمنى ان تكون هي كذلك في الواقع , فكانت هي بالضبط حين التقيته اول مرة الا وهي ( رجل بروح طفل ), بابتسامته وخفة دمه وحتى مشاكسات الطفولة كلها تجسدت بهذا الرجل الذي تمنيت في يوم من الايام ان اكتب عنه وعن مايقدم من ابداع حقيقي للطفولة ليست العراقية فحسب بل العربية, حتى صادف يوم كئيب من ايام العزلة المنزلة فارسل لي مخطوطته التي ينوي طباعتها فكانت خير ونيس في وحشة الايام الكاروونية فجأت لحظة الكتابة.

يؤكد النقاد والمنظرين في مجال الكتابة المسرحية للطفل ( إن ميدان الكتابة للطفل من أصعب ميادين الأدب و ليس كل من يريد الكتابة للأطفال يستطيع ذلك، لأن الكتابة للأطفال تتطلب من الأديب أن يتحلى بمجموعة من المزايا التي تجمع بين الموهبة و اكتساب اللحسّ الطفولي الذي يسمح له بالتوغل إلى عالم الطفل بعفوية و دون تكلف، إضافة إلى احترامه لطبيعة الأسلوب الذي يكتب به للطفل و هو يختلف عن ذلك الذي يكتب به للكبار ) وهنا تحديداً تكمن ثيمة التجربة الكتابية للكاتب عمار سيف, وبدلالتين مهمتين (الموهبة واكتساب اللحسّ الطفولي) و (احترامه لطبيعة الأسلوب الذي يكتب به للطفل), فهو طفولي الطباع والبراءة بالفطرة , ونقي السريرة بعفوية الامر الذي انعكس على روحية واسلوبية كتاباته بالمجمل فحقق بها الدلالة الثانية الا وهي احترام طبيعة الاسلوب الذي يكتب به للطفل ومن يقرا نصوصه يتحسس هذا الاحترام الاسلوبي في مايجترح من قصص محببة للطفل وقريبة منه بشكل كبير, وايضا فيما يحرثه من سرد درامي متقن يوازن فيه مابين الاليات الصارمة لكتابة النص المسرحي ومابين سلاسة البناء الدرامي وفق مبدأ السهل الممتنع.

هذا الطفولة الحالمة والقابعة في حنياها والتي لا يرغب بمغادرتها حتى بعد اخذ العمر منه مأخذه يضاف لها الوعي الاسلوبي الذي امتلك ناصيته جعلته اليوم في صدارة الكتاب العرب الذين يرسمون للطفولة العربية الضائعة مسارات مسرحية لعالم افتراضي يبدء بحلم مخالف تماما للواقع ألا لاانه يبقى حلم يرى الكاتب عمار سيف ومن معه من كتاب الاطفال ضرورة ان يعيشه الاطفال حتى ولو كان على خشبة المسرح وليس خشبة الحياة الواقعية ,باثاً من خلال مايكتب حزمة من الاخلاقيات والتعليمات والفضائل والافعال التي تحفز المخيال الجمعي للأطفال وتحفزهم لاتباع ماهو جيد ونبذ ماهو غريب على المجتمع .

هو لا يريد ان يزيد عالم الاطفال قتامة عبر نصوصة بل بالعكس فنصوصه مفعمة بالحيوية والابتسامة والمشاكسات الطفولية الا انه في ذات الوقت يحاول عبر نصوصه وبشكل غير مباشر ان يبث فيه روح الترفيه المسؤولة في عالم الطفولة وان يجعل من عالمه عالم طفولة مسؤولة فيما يطرح من قصص توعوية او فيما يقدم من ثيم ثانوية عبر كل نص فهو تماماً يسير دون ان يدري نحو نظرية الطفولة المسؤولة التي اسس لها قسم رعاية الطفولة في العتبة الحسينية المقدسة حينما تبنوا مهرجاناً دوليا لمسرح الطفل بثيم واهداف مغايرة لمسرح الطفل السائد , مسرح لا يغيب فيه الترفية عملية بناء منظومة شخصية الطفل بشكل مسؤول وبشكل غير مباشر سعياً لتأسيس طفولة مسؤولة تعرف غدا ماتريد وتثقفت بمايكفي لتدير المستقبل بشكل مثالي غداً , هذا التأسيس ترى يتجلى في جميع نصوص الكاتب عمار سيف فهو يعرف مايريد من كل نص ويمارس هوايته الكتابية بمسؤولية طفولية عالية لذلك حقق نجاحا باهراً على الخشبات والمهرجانات العربية وهو انجاز يفخر به كل كتاب المسرح العراقي .

الكتابة للطفولة في زمن القسوة ببلد كالعراق يعمد الطفل فيه حينما يولد بتراب السواتر وبترنيمة الـ( دللول) الموجعة ,ولا يعيش طفولته كما هي لا في البيت الحزين , ولا بالمدرسة التي تدرس ولا تربي , ولا وفي المجتمع القاسي الذي لا تحترم فيه الطفولة الا من التمعات هنا وهناك لا تغطي مساحة الطفولة على طول ربوع الوطن , تعتبر الكتابة هنا اما جنون او ترف , فالكاتب و الروائي المصري المعروف صنع الله إبراهيم  يقول « و كنت أشعر بالفضول تجاه أسرار الطبيعية ، فقمعت المدرسة هذا الفضول ، وفيما بعد أتيحت لي فرصة إشباع الإثنين معا من خلال الكتابة للأطفال » وهذا ماسار عليه الكاتب عمار سيف , فهو غادر كل هذه القسوة ليس جنونا ولا ترفاً بل من اجل ان يرمم ماتبقى من الواقع المأزوم عبر صناعة جيل عليه ان يغير معادلة المستقبل غداً .

يبقى من ناحية الاسلوبية الكتابية كيف تقرأ التجربة هنا وتؤشر لنجاحها , فبالتأكيد تقرأها عبر المقومات الاساسية للكتابة والتي حرص الكاتب عمار سيف على المضي بيها ليكتسب نصه اشتراطات الكتابة للطفل والتي اشار لها الدكتور هادي نعمان الهيتي في كتابه (أدب الأطفال : فلسفته ـ فنونه ـ وسائطه) حينما اكد ( ان اسلوب الكتابة للطفل ينحصر في أساسيات أربع و هي( الاقتصاد-  الوضوح – القوة- الجمال) ) , فالكاتب عمار سيف قدم افكارة بكل نصوصه باقتصاد تام ولم يرهق الطفل ولم يكلفه جهد كبير في تتبع ثيمة العمل او تفسير الحوارات الدالة له , اما الوضوح لديه لا يعني الاستسهال بل الوضوح هنا يسهم في استفزاز مخيلة الطفل وتفاعله مع النص( تركيبة وحوارا وثيمة ومشاكسات), وكل هذا تمثلت في قوة الاسلوب الذي كتب فيه الكاتب سطور نصوصه عبر توظيفه للكلمات المعبرة الثرية بالمعاني وكذلك الحوارات القصيرة الدالة وايضا التوصيفات المثيرة للطفل, وبالنتيجة فأن عملية التناغم مابين الأصوات و المعاني والتعابير السلسة الموحية و التناسق بين الأفكار والمواقف صنع جمال الاسلوب النصي والذي انعكس على العروض فيما .

السؤال الاخير هنا من كل ماتقدم , هل مازال هناك متسع لأحلام الطفولة في زمن القسوة ؟! , بالتأكيد اجاب عليها الكاتب عمار سيف عبر تجربته الكتابية المهمة للطفل والتي كان عنوانها مجسداً بعنوان نصه ( رسائل الصغار تحلق عاليا) علها تجلب لنا مطر الرحمة ليسقي عجاف الارض او ان يحيل الاطفال احلامهم الى مستقبل اخر لن يعيشه الكاتب بالتأكد الا انه استشرفه بأحلام نصوصه  .