دراسات أدبية

قراءة في نص المسرحي العراقي ضياء حجازي  خازن معاطف العابرين

قراءة في نص المسرحي العراقي ضياء حجازي خازن معاطف العابرين

20 مشاهدة

باريس د. محمد سيف لــ مجلة سفن ارت

باريس د. محمد سيف

المصدر: مجلة سفن ارت

 

قراءة في نص المسرحي العراقي ضياء حجازي ( خازن معاطف العابرين ) لحظة انزلاق العالم إلى الهاوية! لقد مرَّ علينا الكثير من الكوارث، الخارجية والداخلية، فأنتجت آلاف القصص والحكايات التي يمكن روايتها، ولكن قصة واحدة أحيانا يمكن أن تكفي للتعبير عن كل ما حدث، خاصة عندما يتعلق الأمر بالهجرة الجماعية، ودلالاتها الخاصة. أحيانا لا نصدق ما يروى علينا من أقاصيص، لأننا نعتبرها ضرباً من الخيال، أو المبالغة، ومع ذلك نتساءل، كيف حدث كل هذ الدمار العظيم؟ ولماذا باتَ العالم قاسياً إلى هذه الدرجة؟ وما هو السبب الذي دفع الناس إلى البحث عن أوطان أخرى غير أوطانهم الأصلية؟! تنقل الصحف والنشرات الإخبارية، لنا، الكثير من القصص والأحداث التي يصعب تصديقها من شدة قسوتها وبشاعتها، ولكن تأثيرها علينا يبقى، غالباً، مختلفاً إذ ما قورن بما يقدمه المسرح. ليس فقط لأن العلاقة بين عملية نقل الخبر ومعايشته مختلفة، وإنما لأن المتفرج في حضورهِ العملَ المسرحيَّ يدخل في علاقة مع منطق الخيال، الذي يوقع حياته في ورطة المشاركة. وأنْ يكونَ لنا شأنٌ مع خشبة المسرح، يعني أن يكون لنا شأنٌ مع الواقع. هذا هو الاتفاق ما بين المسرح والجمهور.

إن مسرحية خازن معاطف العابرين لضياء حجازي، لا تسلط الضوء فقط على موضوع عذابات المهاجرين، مثلما لا تعني بالتفكير بمأساتهم فحسب وإنما بكيفية عيشها، ورؤيتها مجسدة في الفضاء الفضولي، الذي هو المسرح ورسائله الفورية. ففي وسط الحالات المشكوك فيها والمريبة والمعقدة يُمركز (ضياء حجازي) شخصيات مسرحيته بتفنن، بحيث تبدو، في غالب الأحيان، كما لو أنها تعبر مسافة مليئة بالفخاخ، يصعب عليها عملياً الخروج منها سالمة معافاة. ربما لأنها قد اختارت طرقاً مسدودة مسبقاً، أو ربما لأنها لم تعد سوى مقاطعَ مُجتَزأةٍ من قصص وحكايات وذكريات، مثلومة، مقطعة الأطراف، مشوهة مثل أقدارها، لهذا تحاول شخصية “هو” عبثا ترقيعَها، خياطةَ أشلائها، مثلما كان يفعل مجبوراً أثناء خدمته العسكرية (في الحروب لا خيارات لحشرة مثلي)، ربطَها، وإيجادَ رأسٍ، لكلٍّ منها، ووسطٍ وأطراف! وهذا مثلما يبدو صعبُ المنال، لأنها لا تخص شخصاً واحداً، بل مجموعةَ أشخاص تكسرت حياتهم على سطح أمواج عابرة. ومن هنا تبدأ رحلة العبث واللامعقول التي تحاول التشبث بقشة العثور على خلاص، إذا كان هناك خلاص حقا! وهذا بحد ذاته مسار متناقض.

 

”هو: ضعف بصري من لزوجة الدم ورائحة العفن. صرخت، اعفوني من هذه المهمة المستحيلة!! ارحموني!  أفعل أي شيء غير خياطة الجثث!وكانت مهمتي الجديدة في الحرب التي لا تريد أن تنتهي أن انقل البقايا في عربة وأرميها في النهر. عربات تتحرك في الليل لترمي ببقايا الجثث في النهر. (بهدوء غريب) نعم، أنا متوحش!“

 

إن الشخصيات في الغالب، في صراع مع ظروف مثقلة مرتبطة بالحرب وكيفية الهرب منها. كما لو أن المؤلف يتخيل الحالات الأكثر تعقيداًوتطرفاً لشخصياته لكي يعرف ماذا ستفعل من أجل أن تخرج وتنقذ نفسها. لهذا نرى الحرب شاخصة أمامنا وليس السلم. نعم، إنها موجودة بسبب شيئين. الأول، إن الحرب موجودة في العالم الذي يحيط بنا من كل الجهات، والثاني، إنها موجودة في داخلنا. وهذا ما ينشغل به ضياء حجازي بشكل مجازي، من خلال اهتمامه بالعلاقة التي تربط بين هذين الشيئين اللذَينِ لا نعرف كيف سيتفاعلان مع بعضهما البعض. إن هذا بحد ذاته غاية في الصعوبة، لأن الشخصيات لا تكلف نفسها عناء الشرح والتفسير. إنها مثل ألغاز داخل نفق مظلم، وعلى شخصية “هو” حل رموزها بالتوغل في أحشائها. ربما لأنها لا تمتلك لغةً  مماثلة للغة شخصيات شكسبير الذي يحلل ويعلق دائما على أفعالها. ولهذا تطرق أبواب اللغة بكيفية أخرى، تستعمل الكلمات البسيطة، والعادية التي بإمكانها امتلاك قوة غير مرئية، مقدسة، تعبر عن حالاتهات. إنها تستعمل كلمات تخص الحالة أكثر ما تخص الكلمة المستعملة نفسها. لأن الحالة تعظم وتوسع المعنى، أكثر من التزويق اللفظي.

 

”الشبح المستشار: البحر لا يهتم لأمرنا، هه، ولِمَ يهتم؟ لا أحد يهتم، من يهتم لأمر من تغوَّطت الدنيا عليهم الكل يقفز إلى الجوف الأسود، والجوف واسع يبتلع كل شيء، اللحمَ والشحمَ والرؤوسَ المحشوةَ بالأحلامِ الميتةِ والموبايلاتِ بكل رسائل الحب والصور والعناوين، جميعها تنزلق إلى هذا الجوف، أنصاف أخيار، أشرار، مجرمون وبيّاعو جثث، الكل ملفوف بهذه الأكياس السوداء الطرية. هل يمكنك أن تقف بفم البحر حين يحاول الإطباق على جسدك الطري، لتصيح به ” كفى، أرجوك!!“

 

نعتقد أن هنالك منطقاً في كل عمل مسرحي، منطق الكائن البشري، الحياة.. الخ، إن ضياء حجازي، في مسرحيته هذه، لا يصف هذا المنطق وإنما يكتفي بعرضه وتقديمه، كحالات غير محتملة، لا تطاق ويصعب قبولها. حالات من صنع الإنسان نفسه ولكنها تغلبت عليه بهروبها منه، لا سيما وهنالك قوى تضيق الخناق عليه، تعرض حياته للخطر، ترغمه على عدم التلاؤم مع نفسه، على الطاعة العمياء، ومنعه من التفكير،وكأنَّما بقاؤه على قيد الحياة مرهون بهذه القوى الحمقاء والمفسدة للعقل.

 

الرؤية المسرحية في هذا العمل تشبه إلى حد كبير مشاهد داخلية حقيقية، عوالمها منهارة، مدمرة، تليق بساكنيها المدمرين والمنكسرين أيضا. تستخدم صوراً تؤكد باستمرار على أن مساحة التمثيل ليست سوى “غرفة للذاكرة“؛ غرفة يمتزج فيها الواقع بالخيال، حتّى لَيصعب التفريق بينهما، فعلى الرغم من أننا منذ البداية أمام شاطئ بحر، فَهناك غرفة عمليات تبث لنا صوراً وحكايات مثل شاشات تلفزيةٍ أو سينمائية مختلفة الأحجام؛ غرفة من الخيال، مكرسة للكشف باستمرار، كما في غرفة مظلمة لكاميرا أو عدسة عين، عن صور من الذاكرة الحية لأناس ضلّواطريقهم، أو بالأحرى أرغموا على ذلك. بحيث أن الذاكرة تبدو هنا مثل مختبر لتحميض الصور الفوتوغرافية أو ملف لكوابيس مسترسلة، لا نتذكر أحداثها أبداً، ولكنْ من أجل ذلك لا بد لنا من ترتيبات عقلية خاصة. لهذا يلجأ المؤلف إلى الجمالية السينمائية، لأن المسرح لا يتعامل مع الواقع، وإنما مع الحقيقة فقط، في حين تسعى السينما للحصول على الواقع الذي يحتوي على لحظات من الحقيقة، مثلما يقول جان بول سارتر.

 

”هو: حتى الجثث تخاف العودة إلى هنا، لا أحد، سواد هذا الليل قاتم اكثر من تلك السماء هناك. سألمُّ بقاياكم، سأنظمها، أؤرشفها وأؤرخها وأحفظها. ستكون في انتظاركم، في حال عودتكم!!“

 

ما نتذكره عادة هو الصور الثابتة، ومع ذلك فَلدى هذه حركة خاصة بها، إنها تختفي وتعود، لكي تكرر الحركاتِ والمواقفَ نفسَها حتى تنتشر في الفضاء. يربط المؤلف ضياء حجازي في نصه، مفهوم الهوس بعودة الماضي بفكرة الخوف من النسيان والتلاشي. لذلك فإن كوابيس الماضي التي تنتج تأثير العودة في النص هي بالضرورة مجزأة ومتوالية. ولكن التكرار غالبا ما ينتج التآكل وأحياناً حتى الفراغ، ولكنه في جميع الحالات، يؤدي إلى التحول والتشرد. ولكن من خلال كل هذا التشابه يظهر شيء مختلف جذريًا. وهذا ما يصنع من غير شك طابع القلق من أي هاجس. هذه، على أية حال، ثيمةٌ واحدةٌ من بين العديد من الثيمات الأخرى، التي قادت ضياء حجازي إلى نسج روابط ممارسته الفنية بأداء الذاكرة، سواء كانت الذاكرة الخاصة المتمثلة به، أو ذاكرة الأخرين التي كانت شخصية “هو” تعيش معها في دوامة النص. وهنا ينصهر الموضوعي مع الذاتي، في حجرات الذاكرة المتشظية التي ندخلها مرات ونقصيها مرات ونعيد صياغتها وترتيب جدولتها في مرات أخرى. ولهذا نحن إزاء عمل مليء بالحالات والصور، والمجازات، التي تكاد أن تكون خيوطها غير مستقيمة، تصاغ أفكاره من تفاصيل التشرد والاتجاهات، والتردد، وتغير الإيقاع باستمرار، من أجل ابتكار شكل أصلي وفريد من نوعه، خاصٍّ به.

 

ومن خلال ذلك، لن تعود الشخصيات مجرد ذاكرة، وإنما كائنات تخرج من جحيم قصصها، لكي تتحاور وتسجل حضورها حتى بعد موتها، وهنا يصبح الموت إحياء، وولادة جديدة، تحاكم العصر الذي نعيش، من خلال نقل معاناتها قبل الموت، وبعده.

 

” لم يرد المضي إلى البحر، هارب لا يجرؤ على أن يخطو باتجاه البحر، يتوسل إلى“المهرب “المرة تلو الأخرى، أن يسمح له بالبقاء في البيت، حيث فيه حجرة تكدست فيها الملابس التي خلفها طالبو اللجوء وراءهم. يجد في جيوب الستر والمعاطف التي يجربها كل ليلة، رسائل كتبها المغادرون لأحبتهم أو العكس. تبدأ كل ليلة لعبة مع الشخصيات التي تتحدث مع الأحبة فتظهر كأطياف وأشباح وغالبا ما يسترسل في اللعبة، حتى تختلط هذه الأطياف مع أشخاص وحكايات من حياته التي تركها هناك حيث كان. هي لعبة صعبة، غالباً ما تختلط فيها الأزمان والأمكنة، وتنعدم فيها الحدود بين الواقعي والمتخيل، حيث تتحرك هذه الأطياف والأشباح لتتداخل مع مجموعات اللاجئين الذين يغادرون كل ليلة ويغامرون بحياتهم، بحثا عن الأمان“.

 

إن المسرحية، بالإضافة إلى ما تقدم، تصور أشكالاً من التعبير الفني للهجرة المعاصرة: نزوح، نفي، تشرد، تيه، وحياة ترحال. من أجل وصف الخسائر، والجروح التي تنطوي عليها هذه الهجرات، وكذلك الآفاق الجديدة التي كان يحلم بها المهاجرون، ومفهوم فقد الهوية. إنها تستخدم جميع وسائل التعبير المتاحة، وتغطي مناطق جغرافية متنوعة لا تشير إليها بالضرورة، لكنها تلجأ، بدلاً عن ذلك، إلى العديد من الأشكال المسرحية والسينمائية من خلال المونتاج المتوازي، حيث يمكن رؤية حدثين أو ثلاثة في آن واحد، الصور الفوتوغرافية، الشهادات، وقصص الحياة، من أجل رسم خطوط عمل بقدر ما هو مسرحي فهو عمل أدبي، يمكن قراءته مثلما يمكن مشاهدته مجسدا. إن هذا العمل، ينتمي في شكله ومضمونه إلى اللحظة الراهنة، ويتأرجح بين أنواع مختلفة من الكتابة: شعر، سرد، أشكال أدبية هجينة، غير واقعية، قصص سفر، وأطروحات ساخرة، وحياة معاشه، تجمعها كلها لغة المسرح، في شكل من التحدي، الذي يمكن أن يتماشى مع أفكار أدوارد جليسانت، الذي يعتبر التشرد شكلا من أشكال المقاومة للرؤية الثابتة “التي لخصت العالم في أدلة شفافة، مدعية له معنى وغرضا مفترضا“.[1]

 

هذه الانعكاسات المختلفة عن المنفى، التشرد، الحرب، عصر الديكتاتوريات، وعما يُسمّى بالربيع العربي، تتقاطع في نقطة أساسية، من خلال الدور الذي تلعبه الشخصيات والتفاعلات بين مواقفها المختلفة. فهناك منظوران محتملان تصبح، بموجبهما، هذه الشخصيات والخيال بمثابة الفضاء النهائي لمرساة الموضوع في النص، أو اختيارٍ للتركيز على الانفتاح على الآفاق الأخرى. في الحالة الأولى، تصبح الشخصيات أداة لإعادة اكتشافها في العالم، وإحياء “الأنا” عندما يتم فصل التجربة المعاشة بلا رحمة عن الوجود السابق. وهذا ما ينطبق على حالة المؤلف نفسه، عندما يتحدث عن غربته الخاصة، في المشهد السادس، عندما يجعل قصة حياته جزءاً لا يتجزأ من كوابيس الذين اصبحوا موائدَ لأسماك البحر، فشخصية “هو“، التي تصبح، في بعض الأحيان وليس كلها، شخصية المؤلف ضياء حجازي نفسه، تتحدث في هذا المشهد، عن الكيفية التي اضطرت بها لترك بلادها، مخلفة وراءها أباً وأُمّاً  ظَلّا يبحثان عنه في جميع الثكنات العسكرية التي كانت تجهز الشباب آنذاك لرصاص البنادق العمياء ومدافعها. هذا المشهد الذي كان يمكن أن يكون لوحده مسرحية كاملة، اختزلها المؤلف في مشهد في غاية الروعة والتأثير، دون بكاء أو عويل، ودن نزوع نحو الميلودراما، إذ جعله جزء لا يتجزأ من كوابيس الحاضر التي تحاصر هذا العالم برعبها. أما بالنسبة للحالة الثانية، فإن استحضار المؤلف للعديد من المواقف الدرامية الواقعية منها والخيالية والشخصيات المختلفة في تقاطعات طرق هجرتها، واللاإنسانية التي يمكن أن تغطي المنفى، وأوجه الشبه بين القصص الشخصية والتاريخ، والتشرد كبحث عن الهوية، تضع العمل خارج نطاق إقليمية الأدب واللغة. لأن المسرح بالنسبة للمؤلف ليس أدبا، وإنما أداء، واحتفال ومساءلة للحاضر، طرح من خلاله العديد من الحالات المسرحية التي هيمن عليها لون الموت. فالموت كان حاضرا ليس كفناء أبدي أو نهاية رحلة وإنما كذاكرة جمالية تعيد أحياء البشر من جديد، إلى أحضان أوطانها الجديدة، أوطانها التي استقبلتهم بالرصاص أيضا. فالهجرة مغامرة للأسف تعتبر بالنسبة للكثير من البشر، غير شرعية رغم احتوائها على المخاطر، مثل الموت أو الوقوع ضحية في شراك تجارة البشر.

 

 في هذه المسرحية، التي تحتوي على العديد من الشخصيات – ”هو“، المهرب، الأم والأب، جنود، طالبو لجوء، عشاق، أطياف، وأصوات– كل شخصية منها لديها سببها الخاص للقيام بمثل هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، والتي مولتها بطريقتها الخاصة.

 

مسرحية خازن معاطف العابرين، في نهاية المطاف، لا تعيد النظر في عملية اختيار وسيلة العبور والهجرة إلى أوربا، بقدر ما تحاول استعراض المصير المجهول لهذه الشخصيات التائهة في أتون الجحيم. شخصيات واقعية كان لها ذات يوم تاريخ ووطن، أصبحت فجأة مجرد حكايات أو قصاصة ورق مندسة في جيوب ما تبقى من ثياب لها؛ شخصيات أصبحت مجالاً للسرد بعد أن كانت وجوداً حياً؛ شخصيات هربت من الجحيم الذي كان يتربص بها في أوطانها، وإذا بها تلتقي به في عرض البحر، وعلى متن توابيت مطاطية وخشبية يسميها المهربون قوارب، أو على اليابسة، وهنا تكمن مأساتهم. كيف يمكن للمسرح أن يقول كلمته في مثل هذا الجحيم المعاصر؟ كيف له أن يصور عناء هؤلاء الذين لم نرهم لحظة الموت، أو لحظة انزلاق العالم إلى الهاوية؟ كيف كان يحدث كل هذا؟ وكيف يمكن تغيير وتبديل شخصية الإنسان بواسطة عالم المسرح؟ أسئلة عدة يطرحها هذا النص، من خلال لغة لا تخلو من السواد، الحزن، العتب المر، الذي لا تفوح منه سوى رائحة الموت! لقد تغير لون البحر في هذا النص من ازرق إلى أسود أو احمر، ذهبت زرقته، توارت مع من كانت تحملهم أمواجه، لم يعد البحر مرآة للسماء، وإنما للموت ومجاهيله العظيمة. لهذا أصبح موضع إزعاج وقلق لشخصية “هو“؛ موضع مناجاة وحرقة مستمرة، لم يعد البحر بالنسبة لهذا الأخير، جزءاً من الطبيعة، وإنما شخصية تشبه إلى حد كبير المهربَ في خسَّتِه، وهو الذي يأكل من لحم الباحثين عن أمل، مثل حيوان بحري، يريد الانتقام منهم لنفسه.

 

إن العمل، في نهاية المطاف، يجمع ما بين الوسائط الفنية المختلفة عن طريق تضمين الإيقاع السينمائي، التصوير الفوتوغرافي، السرد القصصي، الشعر، الحوار المسرحي، المناجاة، وحتى الجوقة المسرحية، وإن لم يسميها المؤلف بجوقة، في مجموعة من الأحداث التي تبرز تأثير الخلط بين عالم الموتى وعالم الأحياء. بحيث أن الاستعارات ومراجع الشخصيات الحياتية وكوابيسها، والأقدار على وجه الخصوص، تسهم في نقل المضامين الجهنمية التي في رؤية العالم إلى المنفى.