مواضيع للحوار

كتب الأستاذ الناقد أنور محمد  المسرح العربي في 2019.. عروض لا تُجذِّر لمشروع عقليّ

كتب الأستاذ الناقد أنور محمد المسرح العربي في 2019.. عروض لا تُجذِّر لمشروع عقليّ

169 مشاهدة

كتب الأستاذ الناقد أنور محمد  المسرح العربي في 2019.. عروض لا تُجذِّر لمشروع عقليّ

*ناقد مسرحي سوري

حتى الآن يبدو أنَّ المسرح العربي سيبقىبب بلا جذور ولا وطن، رغم تضحيات المسرحيين في الانقلاب على الخرافة والتواكل والعبث الذي يتقمَّص به الاستبداد العربي. فإذا كانت غاية المسرح في العُرُوض وحتى في النصوص هي توفير المتعة والسعادة والفرح للإنسان، فإنَّ غاية المُستبد هو سلبه هذه اللحظات من الفرح عبر كهنته وسدنته من الموظفين المتخفين والمتسترين بأقنعة المسرح، وتحويلها إلى لحظات (خالدة) من الحزن والألم والتخلف، لنبقى أمَّة وقد خُصِيَ عقلها.

والعروض المسرحية العربية عبر المهرجانات المتعدِّدة هي التي تشكل "ميزان حرارة" الحالة المسرحية، وقد زادت على 700 عرض على سبيل التقدير في العام 2019 مثل: مهرجان المسرح العربي، أيام الشارقة المسرحية، مهرجان طنجة الدولي للفنون المشهدية، أيام قرطاج المسرحية، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، مهرجان الكويت المسرحي، والمهرجان الوليد في دورته الأولى - مهرجان البحرين الوطني للمسرح، المهرجان الدولي للمسرح الاحترافي في مدينة فاس المغربية، المهرجان الوطني للمسرح المحترف بالجزائر والذي تمَّ وأده وتحوَّل إلى مهرجان محلي بعد رحيل الكاتب والممثل والمخرج محمد بن قطاف، المهرجان الدولي لمسرح المضطهدين بفلسطين، المهرجان القومي للمسرح المصري، مهرجان أيام الخرطوم المسرحية، مهرجان المسرح العُماني، مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي في الأردن، مهرجان لبنان المسرحي الدولي.. وغيرها.

هذه المهرجانات كان من المُفترض أن تكشف عن مُبدعين عقلانيين يشتغلون على مشروع النهضة العربية رغم مواته، وعلى تقويض ومقاومة وتفكيك بُنى الاستبداد والتخلف ما استطاع إلى ذلك سبيلا، عسى أن يساهم في انهيار نظامه الاجتماعي والاقتصادي والمعرفي. طبعاً هذا الدور الذي يلعبه المسرح تاريخياً لا يناسب الأنظمة الديكتاتورية حتى لا يقوي الروابط الاجتماعية بين الناس ولتبقى في حالة خشوع ورهبة وانصياع وخضوع لهذه الأنظمة. ونلاحظ مقابل ذلك طفرة في إنتاج الدراما التلفزيونية العربية التي تمارس (الريجيم) السياسي والاجتماعي لقيم الحق والعدالة والوطنية، وفوقها تقوم بالترويج للعنف بأشكاله وأنواعه وأوزانه وأحجامه، ليُرهب ويُخضع ويُضيِّع ما بقي من شجاعة عند الناس، فيما تقوم الفضائيات التي تبث هذه "الدرامات" بين المَشَاهِد، بالتهليل والترويج لأنواع الشامبو والمراهم ومعجون الأسنان والمنظفات والعصائر والسجائر والمشروبات الغازية والألبسة والأحذية والأجبان والألبان والثلاجات والغسالات والمنتجات الخاصة بالجسد الأنثوي.. إلخ، ومُدمجة بِحُقَن شبقية ما أمكن، لتحريض الاستهلاك. هذه الإعلانات مرفوضة في المسرح الذي يقف ضدَّها، لأنَّه مسرحٌ نصوصه كما عروضه مُفجِّرة للوعي الإنساني ولأنَّها بنت عقلٍ نقدي جدلي.

ذابت الصراعات والانشقاقات والفروقات

لو قرأنا في حصيلة عام العروضَ المسرحية التي قُدِّمت لوجدنا أنَّ أغلبها طَمَسَ قضايا يُفترض أن تكون نارها وليس دُخانها مُشتعلاً لقضية فلسطين، وللربيع العربي الذي جرَّ أيضاً الويلات، وأعادنا إلى زمن ما قبل العصر الحجري فنشتغل عبيداً عند الدولة الكبرى والدول العظمى والصغرى، إذ تمَّ تفتيت الدولة كما الدويلات العربية إلى قطع أراضٍ وقطعان بشر، فلا صراع قوميا ولا وطنيا ولا طبقيا. ذابت الصراعات والانشقاقات والفروقات حتى بين الجنسين الذكر والأُنثى. وتحولنا إلى خيالات وأشباح ومشاهد تتسلى بنا الدول العظمى، والمسرحُ لا يدري. فالعروض المسرحية كأنَّها تُخاطبُ ناساً غير ناسها نحنُ الذين يتمُّ تقديمنا ضحايا وقرابين على مذابح الدولة العبرية الصهيونية.

طبعاً هناك استثناءات، وهناك رجال مسرح لم تُرهبهم الدول العظمى ولا أزلامها، ومسرحهم بقي ضدَّ تصفية الحياة، وضدَّ كل عدوانية على الجمال والأخلاق، وما يزال مسرحهم يمتلك قوَّة تغيير الحياة. وهذا لا يلغي أنَّ المهرجانات قد كشفت عن مبدعين في التأليف والتمثيل والسينوغرافيا والإخراج، ولكنَّها وهنا المأساة لم تُجذِّر لمشروع نهضوي عقلي كما ذكرنا، وفي حال جذَّرت، فهي لم تتطوَّر بما ينسجم ويتفق- حتى وإن اختلف- مع مسرحيين عرب كان لهم فضل التأسيس والتجذير، من مارون النقاش إلى أبي خليل القباني وتوفيق الحكيم وألفرد فرج وعز الدين المدني وعبد القادر علولة وعبد الكريم برشيد وعصام محفوظ وسعد الله ونوس. فالمهرجانات، وهي (ميدان) التنافس الجمالي حين يمرُّ فيها عرضٌ يغمز أو يلطِّش الدولة الاستبدادية العربية، وهو يُفكِّك آليات عنفها وتكفيرها لمعارضيها، نراها تُقصيه وتهمشه وتمحوه. فمثلاً في مهرجان المسرح العربي الحادي عشر في القاهرة، يناير/كانون الثاني 2019، والذي غابت عنه فلسطين لأسبابٍ لمْ نعلمها، وإن كان بتقديري أنَّها تعود لـ(قوَّة) وعي وثقافة لجنة الاختيار الفكرية والفنية التي لا تجاريها قوَّة!!، لأنَّ الهيئة العربية للمسرح حاضنة المهرجان وحسب تقديري لا تتدخَّل ولا تملي رأيها على اللجان، استُبعِدَ عرضُ المغرب (شابكة) من تأليف عبد الكريم برشيد إخراج أمين ناسور، وهو العرض الأكفأ فكرياً وجمالياً، لينال عرض مصر (الطوق والإسورة) إعداد د. سامح مهران وإخراج ناصر عبد المنعم عن قصة يحيى الطاهر عبد الله جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل، وهو عن قصة مكرَّرة في الأدبيات المصرية والعربية لم يتخلَّص فيها مهران مُعداً ولا ناصر عبد المنعم مُخرجاً من تأثير السرد الحكائي لرواية الطاهر عبد الله. بقيا في السرد، وغَنَيَا أَلمَ "فهيمة" بمفرداتٍ لغويةٍ بالعامية المصرية، فكُنَّا مع خطٍ مُنكسر متوقَّع لـ(العنيِّن) الذي لا يخلِّف سوى اليباس، ومع خطٍ صاعد لشيخٍ لا يخترقه الديالكتيك. فالواحد كيف يصير اثنين؟.

 

"عامٌ آخر 2019 من الاستبداد المسرحي، تفكير تكفيري لمن يُخالف زعماء المسرح الرسمي؛ بل وانتقام فكري وسياسي منه"

ما يميِّز العرض أنَّه كان على مسرح دائري، فحقَّق المُخرج حميميةً وطفراتٍ نوعية كانت فيها أكثر من ذروة يُحسب فيها للمُمثلين تفاعلهم مع المتفرجين وهم يتنقلون بين الصورة والكلمات، ولو إنَّ بعض الصور كانت صوراً نحتية، أعادتنا إلى نطفة التمثيل البدئية في حرارتها وواقعيتها، ومن ثمَّ لتفوز ثانية بجائزة أفضل عمل مسرحي متكامل في أيام قرطاج المسرحية.. ما هذا العقل النقدي العربي الذي يتلذَّذ بالألم (الحلال)، بألم الحيوانات التي سمح الشرع بذبحها لنأكل لحمها؟. إنَّهم قادة المسرح الذين يحتجبون وراء الستارة ويتمتعون بلذَّة استبدادهم وتسلطهم ولا خشية ولا رادع وباسم الدولة الاستبدادية، ويربحون ولا شيء يخسرونه، فهمُ الموضوع ونقيضه، يُثبتون ذاتهم ليحلَّ نفي وإبادة الآخر، وهذا لا يعني أنَّني مستاء من فوز العرض المصري بل مستاء من العقلية التي تتحكَّم وتحكم، فهو يستحق الفوز ولكن ليس أمام مسرحية (شابكة) لعبد الكريم برشيد وأمين ناسور التي تؤسِّس وتفرجينا أمانتها للعقل وهو يفكِّر تفكيراً نقدياً في معاناته مع الفساد؛ زوجٌ فاسد، وزوجةٌ لا تلين ولا تتقهقر وهي تُقارع الفساد- ليس صدفة، ولكن لأنَّها امرأة عقلانية تقرأ حركة الحياة بقوانين الحتمية والسببية، كما أراد لها المؤلِّف والمُخرج والممثلون. ثمَّة منطق جدلي يحكم ليُسقطَ حجَّة التفكير عند مُغتصبي السلطة التي تحتجز الحياة لحسابها، حتى لا يبيعوننا في مزاداتٍ سريِّة، فالممثلون على عديدهم كانوا يُمثلون، يرقصون رقصاً جماعياً بتركيبٍ ديالكتيكي فوق السطح، وتحت سطح البيت، خلفه وأمامه وعلى جانبيه، فنرى جسداً متشابكاً ومتماسكاً، جسداً واحداً جامحاً لهؤلاء الراقصين. وأمين ناسور كان يستقصي حركة الجسد، حركة الحياة فيه فلا يفسد.

عموماً هذه حال أغلب المهرجانات المسرحية العربية وجوائزها في عام 2019، إن كان مهرجان أيام قرطاج المسرحية، أو مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، أو مهرجان الكويت المسرحي الذي حُجبت فيه جائزة أفضل عرض وكانت قد ذهبت إلى مسرحية "هاديس" لفرقة المسرح الكويتي من تأليف وإخراج أحمد العوضي وهو العرض الذي نال ثلاث جوائز: أفضل مخرج لأحمد العوضي، وأفضل ممثلة للفنانة سماح، وأفضل ممثل واعد ليوسف بوناشي، وذلك على خلفية رسالة صوتية إلى رئيس مجلس الوزراء الكويتي، وجَّهها الأستاذ بدر الرفاعي، الأمين العام الأسبق للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، متهماً فيها عرض "هاديس" بتجاوز الأعراف والتقاليد.

رحيل

 لكن ما كان مُحزناً في هذا العام المسرحي أنَّنا فقدنا مُبدعين خلاقين لم يقبلوا بطمس صورة الإنسان وتفكيكه ونثره قطعاً، بل دافعوا بفكرهم وأفعالهم عنه ومنهم: الناقد والمفكِّر المسرحي الفلسطيني نادر القنة، المسرحي العراقي سامي عبد الحميد، المسرحي السوري محمد قارصلي، المسرحي المصري محسن حلمي، الممثلة المصرية محسنة توفيق، المخرجة اللبنانية سهام ناصر، الممثل المصري محمود الجندي، الناقد المسرحي المصري أحمد سخسوخ، الممثل والمخرج البحريني إبراهيم بحر، الممثل المغربي المحجوب الراجي.

الإصدارات

وما يدفع للقراءة والتفكير والتأمل أنه كانت هناك عشرات الإصدارات المسرحية منها: أسئلة النص أجوبة العرض في المسرح العُماني والخليجي للكاتب العُماني د. سعيد السيابي؛ يعقوب صنوع رائد المسرح المصري ومسرحياته المجهولة للباحثة المصرية نجوى عانوس، وكأنَّ الكتاب جاء رداً على بحث "محاكمة مسرح يعقوب صنوع" للدكتور سيد علي إسماعيل 2001؛ المسرح في حضرة العتمة للكاتب السوري غسان الجباعي؛ بنية النص وتحولاتها في العرض المسرحي للباحث العراقي كريم عبود؛ وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق للباحث والكاتب الفلسطيني السوري تيسير خلف؛ المسرح الأفريقي المعاصر للباحثة المصرية أسماء يحيى الطاهر عبد الله؛ المسرح القلب المشترك للإنسانية للمخرج المسرحي البحريني عبد الله السعداوي؛ تاجوج.. استدراكات ومراجعات للتراث في المسرح السوداني لخالد المبارك- و"تاجوج" هي ابنة زعيم قبيلة الحمران السودانية، وكان قد فُتن بها الفارس والشاعر "المحلق" ودفع حياته ثمناً للزواج بها.

العروض

أما في العروض فقد قُدِّمت أعمال مسرحية تركت أثراً في الذاكرة البصرية منها: مونودراما "أدرينالين" تأليف وتمثيل وإخراج الأردنية أسماء مصطفى؛ "هيَ وهُنَّ" للكاتب والمخرج اللبناني مشهور مصطفى؛ "طميمة" للمخرج السوري عروة العربي؛ "أمكنة إسماعيل" للعراقي هوشنك وزيري وإخراج إبراهيم حنون؛ "أنهيدونا" للممثلة والمخرجة الفلسطينية عشتار معلم والتي مُنعت من متابعة إكمال عرضها على خشبة مسرح جامعة النجاح في الضفة الغربية بحجة حركاتها ولباسها "الخادش الحياء والقيم المجتمعية المحافظة"!!؛ "تانغو" فكرة وإخراج السوري ياسر دريباتي؛ "سماء أخرى" للمخرج المغربي محمد الحر؛ "صبح ومسا" تأليف غنام غنام وإخراج المغربي عبد الجبار خمران؛ "الديكتاتور" تأليف اللبناني عصام محفوظ إخراج حسن محي الدين.   

جمال

مهرجانات تعيد إنتاج نفسها؛ يتكرَّر المُكرمون، المتنافسون، المتبارون، المحققون، الرابحون، الفائزون، الوراقون، المعجبون، المباركون، المهللون، الناجحون، المصفقون.

 

"هناك رجال مسرح.. مسرحهم بقي ضدَّ تصفية الحياة، وضدَّ كل عدوانية على الجمال والأخلاق، وما يزال مسرحهم يمتلك قوَّة تغيير الحياة"

عامٌ آخر 2019 من الاستبداد المسرحي، تفكير تكفيري لمن يُخالف زعماء المسرح الرسمي؛ بل وانتقام فكري وسياسي منه. لقد صار موظفو المسرح طبقة – ربَّما بعضهم في العام 2019 أو ما قبله من أعوامٍ خلت – تمارسُ على المتمسرحين سلوك الهيمنة والإخضاع في اختيار العروض، وفي اختيار الضيوف الذين يتكررون في معظم المهرجانات، وصار المسرح للبعض من الموظفين، وللبعض من المسرحيين الذي يشاء تغييب ما هو موجود وإيجاد ما هو غائب، وعلى جميع المتمهرجين الإذعان والطاعة. هذه مسرحية تربح، هذا مؤلف يربح، هذا مخرج يربح، هؤلاء يتبضعون الأرباح. الكل رابحٌ إلاَّ (العقل) الذي تمارس عليه أقصى طاقات العنف والإرهاب، بغية ترهيبه حتى لا يخرج عن الإنصات والإصغاء وطاعة سدنة الدولة العربية الاستبدادية.