مواضيع للحوار

كتب الناقد أنور محمد رياض عصمت  الإنسان يُواجه ويُجابه مصيره

كتب الناقد أنور محمد رياض عصمت الإنسان يُواجه ويُجابه مصيره

36 مشاهدة

كتب الناقد أنور محمد رياض عصمت  الإنسان يُواجه ويُجابه مصيره

مقالي في "ضفة ثالثة" عن مسرح د- رياض عصمت:

#رياض عصمت.. الإنسان يُواجه ويُجابه مصيره

#الناقد _المسرحي_أنور _محمد

18 مايو 2020

آراء

د. رياض عصمت (1947 –2020) الكاتب والناقد والمخرج المسرحي السوري، في مسرحياته: القُنبلة، الخسوف، لعبةُ الحُبِّ والثورة، الحِدادُ يليقُ بأنتيغون، السندباد، ليالي شهريار، عبلة وعنتر، جمهورية الموز، بحثًا عن زنوبيا، طائر الخرافة، ماتا هاري؛ حاول أن يقدِّم حالات إنسانية تَشَكّلَ وعيها السياسي والاجتماعي وسط الخراب والدمار النفسي والروحي الذي ألحقته حرب 5 حزيران/يونيو 1967 بالأمَّة العربية. ففي مسرحيته "القنبلة"- 1967، وهي أوَّل مسرحية كتبها، نلاحظ أنَّ التسمية مُنفِّرة واستفزازية، دفعه حماسه الثوري لأن يدفع بطله كي سينوب عنه في مجابهة السلطة التي بسبب إنتاجها للتسلط، ومزاولتها القمع وكمَّ الأفواه جاءت الهزيمة الحزيرانية. هنا في هذه المسرحية، وما تلاها، يرفض رياض عصمت إلغاء قدرة الإنسان على المعرفة والفعل، خاصَّةً في ظل الأحكام العرفية والحكَّام العرفيين.

بدايةٌ مسرحية حملت جذورًا ذات جوهرٍ ملحمي، الإنسان يواجه ويُجابه مصيره. بطله في هذه المسرحية، وما أعقبها، حاولَ رياض عصمت أن يُصيِّرهُ خَطِرًا على دولة الهزيمة عضويًا وفطريًا بسبب اندفاعاته الثورية؛ ولكن الهائجة. ذلك ليتلمَّس (أناه) الوطنية، حين يُلقي المُتظاهرون، وليس متظاهرًا بعينه القنبلة على سيارة الحاكم العسكري، ولكن بطله تحت التعذيب، وليقولَ الناسُ عنه بأنَّه بطل يعترف بأنَّه هو الذي ألقى القنبلة، عسى أن يتحوَّلَ الشعب كلُّه إلى أبطال.

"حاول رياض عصمت في مسرحياته أن يقدِّم حالات إنسانية تَشَكّلَ وعيها السياسي والاجتماعي وسط الخراب والدمار النفسي والروحي الذي ألحقته حرب 5 حزيران/يونيو 1967 بالأمَّة العربية"

رياض عصمت في هذه المسرحية؛ وإن كان يتقمَّص أفكار وأحلامَ واندفاعات بطله، إلاَّ أنَّه كان يخلط بين الفعل والمعاناة؛ في حين كان عليه أن يفصل بينهما، ويُقدِّم المُعاناة على الفعل، باعتبارها منشأ الصراع الذي يولِّد الفعل، كون السلطة تحرمه من العيش بكرامة على أرضه، فلا تهدر دمه وتفرِّط بوطنه. وهذه ربَّما التقطها في مسرحية التالية "الخسوف" 1969- نلاحظ أنَّ السجن في هاتين المسرحيتين هو القاسم المشترك؛ هنا في الخسوف نرى نماذج لشخصيات من مُعتقدات متخالفة؛ ديني وماركسي ونصف ثوري وجودي وآخر حالم، ولكنَّهم يُجمعون ويجتمعون على مقاومة المُحتل، ولكن ما إن يبدأ الجدل بينهم حتى يهرب كلٌّ بـ(معتقده) لأنَّه لو مات فسيموت معه المُعتقد، سوى الحالم الذي يحافظ على طاقة حبِّه لوطنه فيقرِّر الثورة؛ رفع راية الثورة، فتتراجع سطوة الأيديولوجيا عندهم أمام قوَّة الروح الوطنية، وبقلبٍ وصيحةٍ واحدة: سنُذيبُ الحديدَ والحجر بلحم أيدينا بنور أغانينا. ورغم خسوفك يا قمر سنصمد أيُّها القدر ونُطهِّر الجرح بالسكين يا بلدي.

هاتان المسرحيتان اللتان ابتدأ بهما شقَّ طريقه المسرحي كاتبًا ومن ثمَّ ناقدًا ومُخرجًا، إذ كان يتخبَّط بين الإصغاء لسطوة الخطاب الديني ومن ثمَّ الماركسي كخطابين؛ الأوَّل يصعب تفكيكه وكسر طوق قداسته، وهو في الوقت ذاته خطاب سلفي تسلطي ابتداعي، وبين سطوة الخطاب الثاني كونه خطابًا مُغايرًا تقدُّميًا نهضويًا ثوريًا. نراه يذهب بعيدًا، لا سلفيًا ولا ليبراليًا ولا قوميًا ولا ماركسيًا، بل وجوديًا، فيكتب مسرحية "الذي لا يأتي" متأثِّرًا بمسرح العبث وبمسرحية "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت؛ في حوارٍ بين رجلين يتطوَّر من حالة طبيعية كانا عليها، وبشيء من جمالية، إلى أن يستلَّ الأوَّل سكينًا ينهال فيها على الثاني طعنًا حتى الموت مُضيًا نحو العدم.

في هذه المسرحية يذهب أو لنقل يستعير رياض عصمت أفكارًا- لولا مسرحيتيه التاليتين "لعبة الحب والثورة" و"الحداد يليق بأنتيغون"- تكشفُ عجزه في كتابة تراجيديا حقيقية؛ تراجيديا عربية ذات أُسس جمالية وسياسية تناهضُ خطاب التخلُّف العربي التراثي الذي يؤسِّس لغياب الإنسان، أو بدقَّةٍ: لتغييبه حتى لا يطالب بالحريَّة أو بالديمقراطية وتحرير فلسطين، والتي حوَّلها مؤيدو هذا الخطاب إلى حصان لغزواتهم، فيسكِّتون أو يخرِّسون الناس بأنَّه خطابٌ تقدمي تحريري.

"المسرح هو فعل مخاطبة المشاعر النبيلة في الإنسان حتى لا يتوحَّش"

رياض عصمت وفي "لعبة الحب والثورة" يُدرك أنَّ هذه (تحرير فلسطين والديمقراطية و.. و) ليست إلاَّ شعارات تكشف أزمة ثقافة- لاحقًا سيكون وزيرًا للثقافة في سورية 2010- 2012 – لا تُنتج سوى التسلط، وتفكيك الروابط الوطنية والقومية، التي تجمع وتوحِّد الناس سياسيًا. المسرحية ترفع التقديس عن الملك وسلالته من عواينية وأجراء، فالوزير يُقرِّر الثورة والانقلاب على الملك، حرَّاسه وخدمه يقفون ضدَّه، وابنته الأميرة تخلع عن رأسها تاج الإمارة وتذهب مع عشيقها وحبيبها الشاعر في إشارة من رياض عصمت إلى دور المثقَّف، ومن ثمَّ تقوم وحبيبها بالانقضاض على ما بقي من أركان المملكة وجيوبها العسكرية والأمنية القمعية، فلا يبقى إلاَّ الملك الذي يندفع وبيده سيفه ليتبارز مع وزيره فيسقطان. ولمَّا يصبح كرسي المملكة فارغًا يأتي الثوار لتنصيب الأميرة حاكمةً عليهم- نلاحظ أنَّ رياض عصمت وإن أسقطَ/ قتلَ الملك ووزيره، لكنَّه يدفع الشعب بعد أن انتصرت ثورته لتتويج ابنته ملكة، كأنَّه يكرِّس (التوريث)، مع أنَّ الأميرة ترفض هذا المنصب؛ ترفض الزعامة والثورة لتحتفظ بالحب.

"رياض عصمت وفي "لعبة الحب والثورة" يُدرك أنَّ هذه (تحرير فلسطين والديمقراطية و.. و) ليست إلاَّ شعارات تكشف أزمة ثقافة ولا تُنتج سوى التسلط"

هذه المسرحية كانت تحوُّلًا في آلية تفكيره، فهو يقيم ثورةً، هي تعبيرٌ عن ضجره وليس يأسه في أنَّ الاستبداد يجب أن يلقى حتفه على يد الشعب، فكفى الناس يدفعون أتاواتٍ لأُجَراء الدولة عبر تسلُّطهم وممارستهم القهر والقسر المعنوي والجسدي على البشر، وإذا ما انتصرت الثورة فإنَّ الحب هو الذي سبَّبَ الانتصار. رياض عصمت في هذه المسرحية لم يُسلِّع الثورة ولا الحب الذي هو أكثر وأغنى العواطف الإنسانية دفئًا وحميمية، فالجسد والذي هو هدف الأهداف للطغاة والحكَّام المستبدين، كما هدف فيروس "كورونا" الذي فتك بجسد رياض عصمت صباح 13-5-2020 في ولاية شيكاغو بأميركا، ليس جسدًا لاستهلاكه في ساحات الحروب التي لسنا طرفًا فيها. فمثل هذا الاستهلاك هو فعلٌ ضدَّ العقل والثقافة، فالمسرح، أو لأنَّ المسرح هو فعل مخاطبة المشاعر النبيلة في الإنسان حتى لا يتوحَّش.