مواضيع للحوار

كلباء للمسرحيات القصيرة بين منصة العرض والحوار

كلباء للمسرحيات القصيرة بين منصة العرض والحوار

45 مشاهدة

كلباء للمسرحيات القصيرة بين منصة العرض والحوار

  هند سلامة

المصدر: موقع الخشبة

مهرجان محلي بصبغة دولية

   تجربة فريدة قدمتها دولة الإمارات العربية، على مدار خمسة أيام متواصلة انطلقت على مسرح مدينة كلباء فعاليات مهرجان المسرحيات القصيرة، تحت رعاية الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وبرئاسة أحمد أبو رحيمة مدير إدارة المسرح، كرم المهرجان الفنان فيصل الدرمكي بإعتباره شخصية المهرجان بهذه الدورة تقديرا لجهوده بالمسرح المدرسي، ثم شارك ضمن فعالياته 10 عروض مسرحية بعد التصفية من 20 عرضا متقدما، وتعتبر هذه الدورة السابعة من المهرجان الذي بدأ يتحسس خطاه نحو تأسيس حركة مسرحية منذ عام 2012 بهدف إكتشاف  الموهوبين وفتح باب الإنتاج لشباب لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر عاما..!

التأسيس لحركة مسرحية

      بالطبع يعتبر المهرجان خطوة حقيقية وجادة للبدء في تأسيس حركة مسرحية كبيرة بوضع بذورها الأولى بمدنية الشارقة قوامها الخبرة والتراكم؛ حتى وإن شابت بعض العروض أخطاء التجربة الأولى إلا أن التجربة في حد ذاتها تكفي لشرف المحاولة، يمنح المهرجان دعم مادي لأي مخرج لديه مشروع مسرحي جاد وليس لفرقة مسرحية، ولا توجد لائحة أوشروط سوى شرطا واحدا أن تقدم عروضه باللغة العربية الفصحى، يتيح المهرجان لهؤلاء الشباب الصغار فرصة الوقوف على خشبة المسرح وتقديم انفسهم وما يشغلهم من قضايا سواء بالإستعانة بمسرحيات عالمية أو عربية ولديهم فرصة الإختيار بين النصوص القصيرة التي كتبت خصيصا في شكل الفصل الواحد بحيث لا تتجاوز الثلاثون دقيقة أو أن يقوم المخرج أو الدراماتورج بتكثيف وإعداد نص مسرحي كامل يناسب الوقت المحدد، وبالتالي يساهم المهرجان في عمل صحوة وحراك مسرحي بهذه المدينة الصغيرة بجانب استفزازه وتحفيزه لمشاعر هؤلاء الشباب بمنحهم جوائز مالية مع نهاية فعالياته، تجربة شديدة التميز والإبتكار ليس فقط في فكرة المنح والدعم، لإختيار شباب في أعمار متباينة أصغرهم لم يتجاوز السادسة عشر ولم يسبق له تقديم تجارب من قبل، بل تعتبر هذه تجربته الأولى على خشبة المسرح تشارك في حلبة تسابق لمحكمين من دول مختلفة، وهو ما يفتح المجال  لإكتساب المزيد من الخبرات التراكمية وبناء موهبة تتدرج وتنضج بمرور الوقت والزمن، ثم تفتح الأفق لصناعة وتشكيل حركة مسرحية قادمة بقوة بدولة الإمارات العربية.

                    إبراز العنصر النسائي

لم يكتف المهرجان بتقديم مواهب شابة لا تزال في عمر الزهور بل يرسخ ويفعل إطلاق حركة فنية نسائية وبقوة وهو ما بدا واضحا بفتح المجال لمشاركة قوية وواثقة للعنصر النسائي وهو ما اثنى عليه جميع الحضور وكانت منهم المخرجة آمنة النقبي والتي تقدمت بعرض “الأعمى والمقعد” للمؤلف السريلانكي درما سينا باتيراجا، “الصورة” للمخرجة دينا بدر وتأليف سيلافومير مروجيك، “روميو وجوليت” إخراج شمسة النقبي وتأليف وليم شكسبير وبالتالي تسعى الإمارات لتغيير موروث ثقافي ظل عالقا بدول الخليج وهو زوال التحفظ تجاه المرأة وعملها في مجال الفن على وجه التحديد فما كان ملفتا وبشدة اتساع فرص المشاركة النسائية بمراحل عمرية متفاوتة.

بين “الطاعون” و”حالة الطوارىء”

         كما سبق وذكرنا شارك ضمن فعاليات المهرجان عشرة عروض مسرحية وافتتح فعالياته بعرض “الطاعون” عن نص “حالة طوارىء” للمؤلف ألبير كامو إخراج سعيد الهرش يعد سعيد أحد ابناء المهرجان الذين بنيت لديهم خبرة تراكمية من طول التجارب والمشاركة وهو الآن أصبح في طريق التأهل للمشاركة بالمهرجانات الكبرى مثل أيام الشارقة المسرحية، كتب كامو المسرحية عن مدينة يعاني أهلها مثل باقي البلاد من ظلم وتعسُّف القضاة وتملّقهم، وسكوت الفقراء ورضاهم بأقدارهم، ثم تأتي حالة الطوارئ، بهجوم الطاعون على المدينة، لكن الكاتب لم يستخدم الطاعون مثل المتعارف عليه كداء وعدوى، بل جسده في صورة رجل وربما كان من افضل وأشد الممثلين تميزا بالعرض محمد جمعة الذي لعب دور الطاعون ويجسد المخرج رؤيته هنا على الواقع العربي والطاعون الذي يراه اليوم في 2018 في الحكام ورجال الدين المتناقضون الذين يقولون مالا يفعلون تناول ذكي لمخرج العمل في تقديم رجل الدين بزي إسلامي وهو ما جعل الإسقاط جليا على الواقع العربي الحالي لما يشهده من فساد رجال الدين وهو الطاعون الذي اصبح يهدد الأمة الإسلامية بأكملها وذلك برغم إحتفاظه بالأسماء المسيحية للنص الأصلي وهو ما ادى بالضرورة لحالة التناقض الحقيقية التي يعاني منها هذا الرجل بعدم اتساق اسمه مع ملبسه، كان العمل من بين العروض المميزة وحصل مخرجه على جائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة افضل ممثل لمحمد جمعة عن دور الطاعون، قدم المخرج محمد الحنطوبي رؤية أخرى لنفس النص “حالة طوارىء” لألبير كامو ربما إعتمد وتميز في تقديم صورة وتشكيلات جماعية جيدة أكثر من تقديمه لمواهب تمثيلية قوية وحصل الحنطوبي على جائزة أفضل سينوغرافيا.

“مغامرة رأس المملوك جابر”

         حملت هذه الدورة الكثير من المفاجآت أولها أعمار المشاركين بها ثم مستوى الوعي المرتفع لهؤلاء برغم صغر سنهم جميعا بدا هذا جليا واضحا في عرض “رأس المملوك جابر” لمخرج شاب لم يتجاوز العشرون عاما قام بتكثيف وضبط النص الأصلي لسعد الله ونوس وإختزاله في نصف ساعة وهو من أهم وأمتع نصوص ونوس لكن المخرج بذكاء وجرأة كثف واختزل النص لتوضيح رسالته مباشرة، لخص فكرته الأساسية بحصر الصراع في بداية العرض بين الخليفة والوزير على كرسي الحكم في مشهد حركي حمل معنى عميق دون كلمة واحدة بوضع الكرسي في المنتصف وشده بحبل من طرفيه فكلاهما يشد السلطة وينزعها من الآخر لينفرد بها وحده، ثم استعراضه لحيرة وطموح المملوك جابر الذي يتراقص على الأروجوحة يمينا ويسارا متمنيا الزواج من زمردة والتي يضحي بنفسه من أجلها ومتمنيا الوصول إلى مكانة مرموقة في الدولة؛ لكن هل يملك هذا المملوك حلمه أو بمعنى أدق هل يملك رأسه التي تفيض بهذه الأحلام؛ هنا يدخل المخرج والمعد في صلب القضية فهذا الرجل لم يملك حتى أن يحلم لأن رأسه وعقله أصبحوا ملكا لغيره فهي رأس استغلتها السلطة لتحقيق مصلحة ما ثم قطعتها بعد انقضاء هذه الملصحة، فمن أجل مطامع الوزير في عزل الخليفة وتولي السلطة يستعين بملك العجم كي يساعده في التخلص منه وفي هذا الوقت يتطوع المملوك جابر ببيع رأسه للوزير كي يكتب عليها رسالته لملك العجم طمعا في أن يزوجه حبيبته زمردة وأن يمنحه مكانة مرموقة في المجتمع وكتب الوزير على رأس جابر “لكي يظل الأمر سرا بيننا أقتل حامل الرسالة من غير إطالة” وهكذا دفع جابر ثمن حلمه رأسه التي صمتت إلى الأبد، كما ذكرنا قدم المخرج بتكثيف غير مخل وموحي الفكرة الرئيسية لمسرحية ونوس وجاء مشهد القتل بقطع رأسه شديد القوة والإيحاء بنهاية العرض استحق عليه المخرج جائزة أفضل عرض وافضل ممثل لعبد الله الخديم في دور جابر الذي قدمه بمهارة وإحتراف.

“الصورة” و”شايلوك والعاصفة السوداء”

 

      كان من بين الأعمال المميزة أيضا عرض “الصورة” للمخرجة دينا بدر الذي تناول قصة رجل يمر بأزمة نفسية طاحنة بعد إرتكابه لجريمة قتل صديقه اثناء تأدية واجبه يظل هذا الرجل في حالة من الشعور بالندم وتأنيب الضمير ويحاول الإعتراف بخطيئته كي ينجو من هذا الذنب لكن دون جدوى قدمت المخرجة والممثلون لحظات مسرحية شديدة التميز والإيحاء بإستخدام برواز له ستارة بيضاء يبقى الممثلون وراءه في وضع الظل وكأنهم اشباحا متحركة اسيرة افكار وتقلبات نفسية متلاحقة، شارك بطولة العرض هاني الطمباري، محمود النجار ودينا بدر وحصلت مخرجة العرض على جائزة أفضل مخرج وأفضل ممثلة، وفي عرض “شايلوك والعاصفة السوداء” عن نص تاجر البندقية قدم المخرج رامي مجدي معالجة درامية مبتكرة لشخصية شايلوك اليهودي الذي يطالب بقطع رطل لحم نظير المبلغ الذي اقترضه منه انطونيو تتوالى الأحداث ويكشف المخرج عن فكرته ومعالجته الدرامية التي إعتبرت شخصية شايلوك إمتداد للجماعات الإرهابية فهم أحفاد هذا الرجل كما اشار أسقط هذه الشخصية على الواقع الحالي، فهذه الجماعات اصبحت ترتكب جرائم بإسم حقها في الحياة والجهاد في سبيل الله، معالجة درامية جيدة ومبتكرة لنص شكسبير الأشهر لكن كان ينقصه تخفيف حدة المباشرة والإصرار على تكرار المعنى في أكثر من مشهد بدمج هذه الشخصية بحياتنا الواقعية فمنذ المشهد الأول لظهور الجماعات الإرهابية وضحت رؤية المخرج ولم يكن بحاجة إلى تكرارها فيما بعد، لكن إجمالا يعد العمل خطوة جيدة في تقديم معالجة درامية تحاكي الواقع العربي والمصري على وجه الخصوص، وحصل الممثل أحمد بركات على جائزة أفضل ممثل في دور انطونيو، كما شارك ضمن فعاليات المهرجان عروض “الأعمى والمقعد” تأليف درما سينا باتيراجا وإخراج آمنة النقبي، “روميو وجوليت” إخراج شمسة النقبي تأليف وليم شكسبير، “صديق” تأليف أدموند ساي وإخراج محمد حاجي، “في العربة” تأليف أرتو آداموف وإخراج يوسف المغني، “أناس في الريح” تأليف ويليام انج وإخراج علي بيشوه، وحصلت الممثلة اسيل زين العابدين على جائزة افضل ممثلة عن عرض “أناس في الريح”، ومريم النقبي في دور الأخت عن عرض “العربة”.

تجاوز المحلية

          ينفرد هذا المهرجان ويتميز بمحليته بإقتصاره على المشاركات من أهل البلد فقط وتشجيعهم وتنمية حب المسرح والفن داخلهم، بينما في الوقت نفسه لم يشأ صناعه الإنغلاق على انفسهم؛ فأكسبوه صبغة دولية عن طريق دعوة عدد كبير من الباحثين والنقاد من دول عربية متنوعة للمشاهدة والمشاركة بالنقد والتحليل والمتابعة من خلال الندوات التطبيقية التي اعقبت كل عرض مسرحي بجانب الملتقى الفكري الذي نظمه المهرجان وشارك به اساتذة وباحثين لبحث وتعريف فكرة المسرحيات القصيرة ومنحهم ورش فنية على يد متخصصين من بلدان عربية مختلفة ولجنة التحكيم التي ضمت أعضاء من تونس فاطمة فالحي ومن العراق هيثم عبد الرازق ومن الجزائر محمد بوكراس برئاسة وليد الزعابي من الإمارات ونبيل إبراهيم المازمي الإمارات؛ وجاء الملتقى الفكري بعنوان “المسرحيات القصيرة بين النص والعرض” شارك بهذا المحور هبة بركات من مصر، هشام شكيب فرنسا، حليم هاتف العراق، محمد بن هاني الأردن، مرعي الحليان الإمارات، نوفل عزارة تونس، خالد الجنبي المغرب، رضا جاسم العراق، ثم ملتقى الشارقة السادس للبحث المسرحي وشارك فيه أحمد عبد المنعم من مصر، سليم شنة الجزائر، الحسين ابو عسري المغرب، هكذا حقق المهرجان معادلته الصعبة بتقديم منتج محلي منحه صبغة دولية بإستدعاء ودعوة المشاركين لإقامة منصة مسرحية تناقش هذه الأعمال التي غلف معظمها ببكارة التجربة الأولى، بينما كان من اهم اللقاءات والندوات التي عقدت بهذه الدورة ندوة الإستماع إلى افكار ومطالب المشاركين بحضور مدير إدراة المسرح أحمد ابو رحيمة والذي استمع بصدر رحب لأقوال الجميع الناقدة والمؤيدة ووعد بتحقيق والإجابة على كل التساؤلات التي تدور بأذهان الشباب المشاركين ومنها ضرورة منح فسحة من الوقت للتدريب والتحضير للعروض قبل موعد المهرجان بمدة كافية وإعادة النظر في المعايير التي يتم عليها اختيار عروض المهرجان بجانب ذكر هذه المعايير وتوضيحها للمشاركين عن طريق عقد لقاءات ومحاضرات معهم، طالب أحدهم بأهمية الخضوع لفترة طويلة من التدريب والتعليم قبل اتخاذ القرار بالوقوف على خشبة المسرح، كما ذكرت لجنة التحكيم في توصياتها ضرورة مراعاة الفرق العمري بين الشباب المشاركين الذي وصل إلى 15 عاما بين مخرج وآخر، وضرورة منح ورشات في الصوت والإلقاء لتطوير الأجهزة الصوتية للممثل على ضبط الإيقاع والتنفس، تكرار ظاهرة الممثل المخرج والمخرج الممثل قد يربك العملية الإبداعية وخاصة في المراحل الأولى من التجربة المسرحية.