مواضيع للحوار

ما جاء في باب جـوقة الاحتفالية

ما جاء في باب جـوقة الاحتفالية

17 مشاهدة

ما جاء في باب جـوقة الاحتفالية

مجلة الفنون المسرحية

 نـجيب طــلال

مــــقــام الـرســت:

من خلال الجدل  الذي يساهم ويـفـرض الاختلاف؛ طبعا اختلاف مخالف عن الحساسيات أو النوايا المبيتة ؛ أو ثنائية الجلاد والضحية أو الغالب والمغلوب بيني وبين صاحب ( الإحتفالية) جدل ليس وليد اليوم؛ بل له عقدين من الزمن ونيف؛ وليس صراعا أو حربا أو مشادة؛ كما فسرتها بعْـض الأفواه والأقلام ؛ بل هُـو تأكيد جـدل مفعم بين ما هـو معرفي تارة كُـلُّـه وفي جُـلِّـه تفكهي هـادف تارة أخرى تجاه ( الاحتفالية) التي احتار في تفسيرها الركبان من أهل الفن والفكر؛ ربما من كثرة (بياناتها) كأننا في حرب ضروس؟ أم في(جماعـتها ) التي سميناها( جوقة) هنا: فالفقيه ( الإهتبالي) انفعَـل وتوثر؛ لأن (الصفة) لم تعجبه ! فبدل أن يرتقي بنا لمدارج الفـهم والإفهام، فـفي لحظة حمقاء وعمياء . قال: بكل وثـوقيـة :(وكيف تعَرِّف (جوقة) الاحتفاليين وهم نخبة النخبة مغربيا وعربيا، فيها وزيرة واساتذة جامعيون ومؤلفون ومخرجون واعلاميون وشعراء وزجالون ومؤرخون ونقاد ومنظرون وفلاسفة وممثلون...) (1) فلماذا لم يكن المنظر- ع الكريم برشيد- صاحب مقام الرست؟ أي يكون المستقيم الحقيقي؛ حسب سـلم/ مقام أهل الجوقة الموسيقية ؛ بدل أن يخـتبئ في ردوده في جدارية غـيره ؛ هُـنا لا يمارس جدلية الظهور والاختفاء طبقا لمفهوم الوجود المعاصر الـذي هو وجود متستر، ولكنه يحمل فكرا تعدديا بأكثر من معنى. بدل الاعتباطية الإبستيمولوجية ؛ التي نهجها في ردوده !! فـلو كان عكس ذلك فلماذا لم يطرحها في جداريته؟ وفي نفس اللحظة يرسلها لجداريتنا؛ حتى يتبين للقراء منهم الافـتراضيين ومن هم الزملاء والأصدقاء ؛ مـن ذا الذي يمارس الجدل الحقيقي والحق؛ ومن يمارس الهرطـقات والمواربة؛ والهروب للأمام وعـدم المواجهة لجملة من الأسئلة ؛ ليتمكن فيما بعْـد من بناء فلسفته وطريقته الخاصة في الأداء والعمل بالمقام بلمساته الخاصة. التي ساهمتْ فـيها بكل صدق مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي وخاصة ( الفايس بوك) بحيث هـذا الكائن الذي أمسى جزء من كينونتنا وحضارتنا ؛ فرض يقينيا إما تعديلا أو تغييرا لجملة من الثوابـت التي كان عليها الفكر والتفكير؛ والغريب نجد هذا وارد في [العـقد الاجتماعـي] بحيث روسو يعلن ما قوله: إن مفاهيم العلوم الاجتماعـية والإنسانية تتصف بعدم الثبات؛ لأنها تتصل بالسلوك الإنساني الذي  يتـسم بالتحول والتغـير. فرغم أن الأخ – برشيد- إلتهم ونـهل ما فيه الكفاية من أفكار [ جان جاك روسو] ومارس أحقيته في التناص والاختراق و التجاوز، لأنه راهن على الثوابت والأساسيات التي انطلق منها – روسو-  والتي تتلاءم أوهـي التوجه الليبرالي الذي أمسى يتشكل بـقوة وانتظام في المغرب أواسط السبعينيات من القرن الماضي؛ وذلك انطلاقا من تأسيس أحزاب في سياق المنظور الليبرالي؛ وذلك لمواجهة المد الاشتراكي سياسيا (أنذاك) واستنزاف أو استقطاب الطاقة الشبابية والطلابية ثقافيا واجتماعيا(وقتئذ) كالحرية والتحرر، وعلى الإنسان والإنسانية، وعلى المدينة والمدنية، وعلى الحياة والحيوية، وعلى الجمال والجمالية، وعلى الحق في الفرح والاحتفال ؛ والتي يقر ببعـض منها؛ فهاته الثوابت والأساسيات [الروسوية] وحدها الكفيلة بكشف الخيوط الناظمة للنظرية ( الإحتفالية) التي هي حسب معجم المعاني الجامع مصدر صناعيّ من احتفال / الاحتفال : (اسم): مصدر احتفل واِحتفاليّ: (اسم) منسوب إلى احتفال/ مهرجانيّ ، مميِّز أو ملائم لاحتفال وحفل ضخم تقيمه هيئة رسميّة أو مؤسَّسة حكوميَّة ، وقـد يكون لتكريم شخص  أو عمل أو مناسبة وطنيَّة أو غير ذلك ؛ ويتفق هـذا مع أغلب المعاجم؛ إلا أن معجم الوسيط يضيف شيئا ومفاده:ِ احـتـفاليـة [ ح ف ل ] ( مصدر صناعي ).: اِتِّجاه مسْرحي شَعْبِيٌّ يعْتمد الفرْجَة وكلَّ أَنوَاع التعْبِير المختَلِفة ؛ شعراً وغـناءً ورَقصاً وإيماءً وأقـنِعة وأزْياء فـي فَضاء مَفتوح (2) وهو عند جان جاك روسو صراع ضد كل ما هو ساكن وما هو جامد. إنه تقويم لما هو عادي لإظهاره على حقيقـته ، إذاً فلنظهـرالفرح ؛ وبالتالي (فالاحتفالية/ le carnavalisme ) لا تـعَـد تـيارا/مذهـبا أدبيا وفلسفيا . كالرومانسية /الرمزية /السوريالية/.../ لكي تعبر عن تجارب وإنجازات أدبية وفلسفية ؛ من خلال الحفل / الاحتفال. والأوضح من كل هـذا فالاحتفالية على أي أنقاض مذهب/ تيار برزت [ مثل ] الواقعـية التي ظهرت بعـدما ضعف المذهب الرومانسي ؟

وبناء عليه؛ فأي جملة تستقيم في سياق كلامنا هل: [ تبدّدت { الوجودية } الأجواء بسبب ما يتعرض له الوطن العربي من أحداث] ؟ (أم) [ تبدّدت الأجواء { الاحتفاليَّة } بسبب ما يتعرض له الوطن العـربي من أحـداث] ؟؟ (3) فبداهة الجملة الأخيرة هي الاصوب ورغم ذلك لن نكون شوفينيين ونذكي بأن الاحتفالية؛ تعتبر نفسها  مذهَـبا / تيارا حسب بياناتها التي لم يعُـد أحد يهتم بها أويناقشها حتى؛ ولهذا : تبقى ثقافة التيارات، بلا منازع ثقافة الوصل والاتصال، هذا الوصل والربط لا على المستوى الإبستيمولوجي والاجتماعي وحدهما، وإنما أيضا على المستوى التاريخي. ذلك أن هذه الثقافة هي في الأساس ثقافة التقليد والذاكرة. إنها ثقافة ترسخ الأفكار وتحفظ المعاني وتنقل المعارف. وثقافة من هذا النوع لا يمكنها أن تستوعب الحداثة؛إنـها تواجه الحداثة ببنية تتنافى مع الحداثة (4) وفي سياق جدلنا الذي يفرض الاختلاف ؛ فمن الصعـب أن يمارس منظر( الإحتفالية) مقام الرست ؛ وهذا ليس تحديا أو محاولة لنسف تاريخه المسرحي؛ بالعكس نـظرا لـتراكم سلبيات وهـنات وملفات تجاهها وتجاه (صاحبها) الذي لم يستطع أن يتطور مع الحداثة ؛ وقبل أن يرد علينا بأنه ليس حـداثيا أقر بذلك  بـقوله: لا أومن بالحـداثة.. كيف؟ أنا أومن بالأصيل، وما هو أصيل هو حقيقي، وما هو حقيقي هو عابر للأزمان والأمكنة وللثقافات واللغات والحضارات (5) ومدارة لأهـل الشرق وخليجـه؛ الذين لا يعـرفون إلا خطاب (الإحتفالية) و( نصوصه) وهذا ليس عـيبا؛ لأن طبيعة البعد المكاني والجغرافي ؛ يساهم إلى أبعد الحدود في عدم تأطير فلان (عن) فلان؛ في خانة (ما) بناء على مسلكيات وسلوكات ؛ غـير مرئية وملموسة ، لمن تجمعه في لحظة معـينة محصورة في زمانية اللقاء

 اســـتـهــلال:

إذن ؛ لنعـد لمسألة الجوقة : فلماذا لم يـذكر من ضمن [ الجوقة / la chorale ] طالبا أو سمسارا أو ميكانيكيا أوخياطا أو مياومـا أو صعـلوكا أو نجارا أوعـاطلا أو عاملا أو طباخا أوكـيَّاسا... ؟ فهؤلاء هم صناع المسرح المغربي حقيقة ؛ والذي لم ينتبه إليه من يتكلم أو يتمشدق بالمسرح !! وبالتالي فهؤلاء عنده نماذج للركوب عليها في نصوصه المسرحية ؛ وعليها كما يـشير: أسست أفكارا في هذا المسرح، نطقت بها شخصيات من التاريخ ومن الحكاية ومن الخرافة ومن الأسطورة ومن الواقع اليومي، ولقد حاولت دائما أن أكون صادقا مع نفسي ومع مسرحي ومع زمن الناس ومع الحياة ومع التاريخ، وأن أظل وفيا لفلسفتي التي ارتضيتها في مسرح حياتي وفي حياة مسرحي(6) تلك حقيقة أين إنسانية الإنسان هنا ؟ المشكل في ( الأنا) الغالبة والنرجسية المفرطة التي ؛ ساهمت في إلغاء من هم كادحون؛ والمسرح الحقيقي والإنساني؛ في أصله يقاوم من أجل أوضاعهم ووجودهم؛ ولكن ليسوا كما أنت بقولك: ولقد كنت دائما ليبراليا متحررا، ولم يسجل علي يوما أنني كنت اشتراكيا أو ماركسيا، فأنا لا أومن بالطبقية، ولا بالصراع الطبقي(7) فبماذا يؤمن؟ يؤمن بالأصالة ؛ وهذا حق مشروع ولكن: أن هذه المسألة ليست مسألة اختيار واع إرادوي، وإنما هي مسألة واقع موضوعي مفروض فرضاً على الأمة العربية. لكن هذا التبصر المادي سرعان ما يتعكر صفوه بما يضج فيه الجابري من فيض ما اسميه (أيديولوجية النماذج)(8)هنا نتذكرما أشار إليه (أدونيس):الثقافة العربية السائدة على مستوى النظام والمؤسسة؛ إنما هي الثقافة التقليدية والأجهزة الإيديولوجية السائدة، هي التي تحَوِّل التراث إلى قوة إيديولوجية. تضمن استمرارية الماضي؛ ورسوخ النظام وتحُول دون نشوء إمكانات جديدة لثقافة جديدة (9)إذن ؛هـو مسرح / تنظير يشبه لا شيء ؛ فحتى مفهوم الفـن للفـن لا يستقـيم تأطيره فـيه ؛ ما دمْت تنفي قـضية الصراع الذي هو أصـل الوجود؛ وأصـل المسرح الذي يناقض مفهومك: المهرجاني/ العيدي, الإحتفالي, المرحي .لأن في ( الاحتفال/ Festive ) فالمرء كيفما كان مستواه ودرجته في النسيج الاجتماعي. هـذا في زمن (مـا) كان [ العـيد :عـيدا / احتفالا/ بهجة] حقيقة . يساهم بخلق إحساس بالزمن هو الذي يجعل من مفهوم الاحتفال مفهوما تاريخيا صرفا ، يرتبط بظروفه الزمانية والمكانية ويتجدد بتجددها مما يترك ويلغي مؤقتا همومه ومشاكله وصراعاته اليومية مع طبيعة المدينة/ القرية / العمل / لقمة عـيش  وبالتالي أقـول : بأن هذا الخوف المرضي، من الكلمة أو الصـفة ( جوقة ) يكشف عن أسرار أصل المنهل الذي تتلاعب به وفي ظله تمارس المقابسات ؛ بإدخال وتعْـديل إنجازات وأفكار الآخرين؛ منهم المسرح الملحمي؛ الذي ألصق به – برشيد- الصفة ( الإحتفالية) لأنـه يعي جيدا الفرق بين مفهوم (الجماعة) ومفهوم ( الجوقة / الكورس) هاته الأخيرة ذات جـذور تاريخية ومتجـذرة في التـراث بناء على طبيعة  التجمع الإنساني الذي فرض نفـسه  كحاجة اجتماعية  ولأداء الطقوس الدينية، في بداية عـهد التجمعات البشرية ؛ فأخذت تؤديها بشكل احتفال جماعي؛ فتبلورت تدريجيا ( تلك) الطقوس بتطـور التجمعات . حتى أطلق عليها فيما بعد اسم (الجوقة / الكورس/ chorus/ la chorale) وهنا: يمكن اعتبار الرقص هو جذر فن المسرح، ويقول التاريخ إن الاحتفالات كان تقام في الطرقات، حيث يتجمع العامة حول العروض الراقصة، وهؤلاء العامة يمكن أن نطلق عليهم (الجوقة) والراقصون يمكن أن نطلق عليهم الممثلين، وعادة ما يتم ارتداء الأقنعة في تلك العروض والتي كانت تستخدم أيضاً في الطقوس الدينية (10) وهـذا ما استخلصه الفيلسوف - نيتـشه - : عن أصول الدراما الحقيقية؛ بشكل مقـتضب وواضح في قوله: إنّ التّراجيديا لم تكن في الأصل سوى جوقة، ولا شيء غيرها؛ وإن الجوقة هي أصل الدراما الحقيقي (11) هنا لم يقل الجماعة ( le croupe) وذلك باعتبارها وحدة اجتماعـية تتكون من مجموعة من الأفراد بينهم تفاعل اجتماعي متبادل وعلاقة صريحة تشكل تصورا مشتركا عن وحدتهم ؛ من أجل إشباع حاجات أعضائها كـهدف وفائدة تعـود عليهم بالـنفـع . وهذا ما يجعل الفنان ينضم لعـضوية نقابة الفنانين؛ لكي تدافع عنه وتحقق له مطالبه ورغباته؛ وتسعى للحفاظ على حقوقه؛ وبالتالي فهي تندرج ضمن الجماعة الثانوية؛ التي تفسرها الإحتفالية بدهاء ( النحـن) التي ربما يتوهمها المهتم والممارس المسرحي بأنها ضمير يدل على أكثر من 'واحد' وهنا نؤكد بأن الكاتب – برشيد- متمكن من أسرار اللغة وبلاغتها ومن خلالها يحرك زئبقيتها ، بخياله وقـدراته التعبيرية .

مـــقــــام الصـــبا

 مسألة (النحـن ) لقد طرحها العـديد من الفلاسفة الذين اشتغلوا على '' التراث/ الهوية'' سنناقشها في باب آخـر. هنا [(الاحتفالية / le carnavalisme )] تجد نفسها في مقام الصبا. مقام/ سلم ؛ يسعى

إلى الإستقراروالـدوام؛ باعتبارأن قرار مقامه  لا يماثل جوابه ، وهـذا ما يجعله متفرداً معزولاً، كما هو إحساس الإحتفالية ، ليست منشقـة عـن مقام، ولا ينشق مقام منهـا. وبالتالي فالمسرحي – برشيد - يرفض ( الجوقة) وله حساسية منها؛ لأنها تكشف مستويين إما تابعا في الجوقة ( أو ) رئيسها. علما أن (الجوقة) لم تكـن منفصلة عن حياة الدولة/ المدينة ؛ دورها الأساس تـقـديم الرقصات والاناشيد والاغاني...أثناء الطقوس؛ تمجيداً للإله (ديونيسيوس) كبير الالهة. وذلك تحت إشراف حاكم المدينة. وذلك: لمحاولة لاحتواء المسرح ليكون في صالحها وتحت سيطرتها، خاصّة أن رجال السياسة غالبًا ما كانوا... يموّلون هذه المؤسّسة لينالوا شعبيّة لدى المواطنين (12) سيبدو للقارئ أن كل هـذا القول: هرطقات وجنوحا فكريا ؟ ولكن بالعودة إلى السياق التاريخي لظهور أول بيان احتفالي سنة 1976 في إبانه تمظهـر حزب سياسي [ ذو] نزوع ليبرالي؛ وبإيعاز من النظام؛ كما أشرنا سلفا؛ لخلق توازن سياسي ؛ حزب أغلب أفكاره ومفاهيمه وشعاراته ؛ تتقاطع وأدبيات الإحتفالية: كالحرية/ المدنية / القيم الإنسانية / التأصيل/ التجمع / اقتصاد السوق/  الانفتاح والتعـدد/...../ فليس مصادفة أن تكون هنالك روابط وعلامات بارزة بين( الإحتفالية/ الحزب الليبرالي) وإن كان التوجه الأيديولوجي: يشيرأنه ضمن أحزاب الوسط .وهويته أنه حداثي، ويعتبرمظاهر التقدم البشري ملكا مشتركا بين كافة الشعوب، ساهمت في مراكمتها كل الحضارات الإنسانية بما فيها الحضارة المغربية. علما أنه اعتمد ويعتمد على الأغنياء والأعيان المحليين وكبار الموظفين ورجال الأعمال. وبالتالي: التيارات الثقافية مهما كان القناع الذي تتسر خلفة هي دوما تيارات مؤسسة. إنها تؤسس عائلات فكرية؛ عائلات تنضوي تحت لواء أب روحي(13) الإشكالية هاهنا أن الأب الروحي للإحتفالية الرحل الطيب الصديقي ؛ تخلى عنها ربما لأسباب سياسية ؛ وليست فكرية أو فنية ؟ وهذا من ضمن المسكوت عنه في مسارالرجل؛ وفي مسار(الإحتفالية) بحيث الأب الروحي؛ كان عضوا فعالا في الحزب/ الليبرالي؛ وتقلد منصب مدير الديوان لوزارة السياحة؛ ووزيرها أنذاك- الراحل مولاي أحمد العلوي؛ الذي كان قياديا بدوره في الحزب؛ إذ الصديقي رفقة الوزيرأسس عدة مهرجانات فلكلورية كمهرجان الصويرة/ مراكش/.../ ومحاولة إحياء مواسم الأضرحة وبعض الزوايا... وفي نفس الوقـت ترشح باسم (الحزب/ الليبرالي):سبق أن رشحتُ نفسي للانتخابات، وكنت أعلم اني لن أفوز، لأن ادريس البصري (وزير الداخلية السابق) كان يكرهني، وهل أنا محتاج لأكون في البرلمان؟ ماذا سأفعل هناك؟(14) هـذا وجه الحقيقة ؛ وإذا أخذنا – برشيد- الذي أمسى رئيس الجوقة فيما بعـد ؟ ومدى علائقه بوازرة الثقافة؛ فالموضوع يطول شرحه ؛ ولكن نختصره أنه لا يمكن لوزير(متحزب) أن يختار ممثليه ( مناديب/مدراء) عبرالأقاليم والجهات؛ من خارج الفصيل السياسي/ الحزبي .وتلك قاعدة سياسية ؛ ولكن الأخ برشيد ! في ردوده علينا: يعتبرهـذا اغتيابا ونميمة وعملا مخابراتيا؛ وخارج سياق الجدل !! سبحان الله. ولكن حينما نناقش العلاقة الحزبية وتقلبات السياسية ( مثلا) لبرتولت بريشت أومايرهولد أو أغستوبوال.... يكون الموضوع علميا ومعرفيا( هكـذا تركيبة الذهنية العربية) !!

إذن الأجواق إبان ظهورها أو تأسيسها : كانت الدولة في تلك الحقبة تكلف أحد الممولين لرعاية الجوقة، وكان لكل جوقة ممول يتحمل كافة المصروفات، من أجور تدريب الكورس وتوفير الأعضاء للجوقة ؛ وبنوع من المطابقة : أذكر أنه لما بدأنا نزاول بالمسرح، لاحظت أن المسرح المغربي لا يتكلم عن المغرب وتاريخه، ومن تم قمت بإدخال التاريخ إلى المسرح، أو لنقل إنني أدخلت المسرح إلى تاريخ المغرب عبر الملحمة، خاصة أنه كانت لدي الإمكانيات لإخراج ملحمة تضم 600 شخص، من مغنين وفنانين وراقصين وممثلين.. وعموما، من فنانين مختلفين. وهكذا تم لي إدخال الملاحم إلى تاريخ المسرح...... أنا مكلف بكل شيء إلا الفْلوس(15) فمن هذا المنطلق نفهم أن( الإحتفالي) يلح على مفهوم ( الجماعة/ Le groupe) بـدل ( الجوقة / chorus) لإخفاء الأنا في مفهوم الجماعة؛

وإخفاء الخيوط المتناسلة التي أفرزت ( الإحتفالية) التي أُ نْشئـت من أجل ( المسرح الاحترافي) ولكـن انقذفت لرحاب ( المسرح الهاوي) بشكل مقصود؛ محتمية في الجماعة؛ علما أنها لم تكن جماعة  من منظور دينامية الجماعة أو تخضع لتفسيرات علم النفس الاجتماعي؛ لأن الجماعة عبارة عن نسق اجتماعي يتكون من مجموعة من الأفـراد بينهم تفاعل اجتماعي متبادل وثابت ومنظم له نتائجه بالنسبة إلى أعضاء الجماعة ؛ على أساس وجود علاقة صريحة أوضمنية بالتوحد والارتباط ، طبقا لأدوارهم ومكانتهم الاجتماعية ؛ دونما إغفال الخاصية المميزة للجماعة المتشكلة ؛ في التجاور المكاني .وهذا لم يكن متوفرا شكلا أو مضمونا لما يسمى ( جماعة الاحتفاليين) لسبب بسيط؛ فالتوقـيعات على البيانات لا تعني انوجاد (جماعة ) بل تعني انوجاد (جوقة) فرض عليها التوقيع لأسباب متعـددة؛ من لدن الأب الروحي الذي تخلى عنهم ؛ وظلت (الجوقة) تمارس في: توضيح الأحداث والتّعليق عليها، وكذلك التّخفيف من حدّة التّوتر الّذي يحس به المشاهدون، من جرّاء تتابع المواقف التّراجيديّة العنيفة. وينبغي أن تكون الكلمات التي تعلق بها الجوقة على الأحداث مرتبطة بالموقـف الدرامي...دون افتعال أو سفسطة أو تفلسف ظاهر، بحيث تكون أناشيد الجوقة مكمّلة للمشاهد التّمثيليّة، ومرتبطة بما جاء فيها ارتباطًا طبيعيًّا ؛ إن الجوقة في التراجيديا تمنح المشاهدين لحظات الإثارة الهادئة (16) هـنا فالجوقة بمنظورعصرها؛ هي محاكاة لسياقات الواقع بكل مكوناته لجوقة (الإحتفالية / le carnavalisme) فرئيسها هو الذي: يكتب/ ينظر/ يحاضر/ يحاور/ يرد/ يجادل/ يسافر/ هنا فما دور( الجماعة) إن كانت أصلا ؟ فالذي عاش حمى البيانات في فضاء مسرح الهواة؛ سيستشف المعنى المقصود من هاته السطورالتي تبدو محصورة في الجوقة الإغريقية ؛ لكن (الإحتفالية) عاشت سنوات في عوالم التراجيديا؛ جراء المواجهات والكتابات التي نسفت عمقها؛ بحيث بكل أسف لم يتم تجميع تلك الأبحاث والدراسات؛ لأنها متفرقة هنا وهناك ؛ وبعض من تلك الأقلام انساقت وراء المغريات والسفريات فانبطحت بشكل كليِّ؛ وبعضها تم تدجينـه من لدن الإحتفالية ؛ حينما كانت تصول وتجول في فضاءات ومجالات وزارة الشؤون الثقافية (أنذاك) فهاته حقائق معروفة عند من عايش فترة الثمانينيات ومنتصف التسعينيات من القرن الماضي. وبالتالي كل من أصبح  ضمن الجوقة ( الميلودرامية) كان مسلوب الإرادة لأن كُـنه وجوهـر: الجوقة لا تملك إرادة التغيير، وليس هـذا قصورا منها بقـدرما هو نتيجة لطبيعة دورها ؛ فهي لـيست صانعا للأحداث بل مجرد مُـشاهد لها. والجوقة لا تقرأ الغيب كي تحـذرمنه ؛ بل تعلق فقط على ما يحدث أمامها؛ وتبدي فيه وجهة نظرها (17) ولماذا أشرت للجوقة ( الميلودرامية) لأن برشيد يصرح بقوله : لا أؤمن بالكوميديا ولا بالتراجيديا اؤمن فقط بالمسرح وبالاحتفال المسرحي (18) ولكـن الاحتفال المسرحي؛ ألم يأت من الطقوس والاحتفالات الشعبية التي كانت الجوقة تشارك فيها ؟ أليس هنالك عطبا؟ أليس مقام الصبا حاضر بقوة هاهنا ؟ لأن هذا المقام فريد من نوعه ؛ من بين المقامات ، لأنه في الحـقـيقة ناقص علمياً. ولربما هـذا ما انتبه إليه ؛ ممن عاشوا سكرات ( الإحتفالية) مما نلاحظ انسحـاب البعض عن عوالم ( الإحتفالية) والبعض التزم الصمت المطلق؛ وبعض من بعض ارتكـن لزاوية النسيان أو البحـث عن مسار مغاير؛ علما أننا طرحنا سؤالا عريضا في ( مدوناتنا) مفاده: هل من كانوا في جوقة ( الاحتفالية) يستطيعـون التصريح والكشف عن أسباب انسحابهم منها ؟

فمن الطبيعي أن الصمت كان ؛ وممكن أن نقول اللامبالاة كانت وانطلت على السؤال: لأن هؤلاء يجـدون إن ماكان بالنسبة إليهم حياة ومخاضا فكريا، قـد تحول إلى أفكار جاهزة . ماكان سؤالا واستمرارا في السؤال ، قـد تحول إلى أجوبة ميتة ؛ ماكان انفصالا وغربة قد تحول إلى شيء مألوف . ما كان حصيلة تفاعل مع الواقع ،تحول إلى أمر واقع . ماكان أداة انفلات من القهر قد تحول إلى سلطة تشدهم إلى توابث بعينها (19) ولاغُـروَ؛ أن العالم العربي يعيش مرحلة مخاض عسيرة؛ سواء على التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ؛ فالسؤال الإشكالي : فأي دور ستضطلع به (الإحتفالية المتجددة) على ضوء(جوقة جديدة ) إن كانت هنالك فعلا (جوقة) في ظل هاته الوضعية الجديدة ؟ نتمنى أن يجيب غيرك من أعضائها؛ ويذكي أنه من الجماعة المنبثقة من إحـدى [العواصم الاحتفالية ]  وليس من  الجوقة المطابقة للنص الاغريقي.

الإحـــــالات :

(1) رد برشيد علينا حول الجماعة والجوقة بتاريخ 16/10/2018 عـبرجـدارية الفنان جناح التهامي

2) انظر باب الحاء - في المعجم الوسيط: مجموعة من المؤلفين ط 4/ 2004  الناشر: مجمع  اللغة العربية –

     مكتبة الشروق الدولية

 3) الجملة منقولة -  في باب الحاء: احتفاليَّة = اسم مؤنَّث منسوب إلى احتفال - عن المعجم  الغني- لصاحبه عبدالغني أبو العزم- سنة/1431 ه

4) الفكر في عـصر التقنية: لعـبد السلام بنعبد العالي ص 94 منشورات إفريقيا الشرق –   المغرب - ط 1 / 2000

5) حوار مع برشيد في صحيفة المدى عدد3918 بتاريخ 05/08/2017 حاوره فاضل محسن

6) المسرح فتح لي باب الغيب وباب التاريخ : حوار مع برشيد أجراه مصطفى رمضاني(؟؟) فـي مجلة الهيئة العربية للمسرح بتاريخ- 24/07/2012/

7) نفـس المجلة والمُـحــاور(؟؟)

8) نحن والآخر.. جدلية التطويع والمجابهة : بقـلم وليد خالد أحمد حسن – ص45- مجلة النبأ عدد83  في 

    تموز2006

9) زمن الشعـر لأدونيس ص55 دار الساقي ط 6/2005

10) مصطلحات مسرحـية. الجـوقة - صحيفـة الثورة بتاريخ- 18-7-2012 تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة

      و الطباعة و النشر

11)  مولد التراجيديا :لنيتشه -  ترجمة: شاهر حسن عبيد ص  178 دار الحوار للنشر والتوزيع – سورية- ط.1/ 2008

12) معجم المصطلحات المسرحيّة : لحنان قصاب و ماري إلياس ص 164 ﻁ 1/ 1997 مكتبة  ﻟﺒﻨﺎﻥ

13) الفكر في عـصر التقنية: ص92

14) قطعـت علاقتي بشيمعون بيريز: حوار مع الطيب الصديقي حاورته لطيفة العـروسني في  صحيفة «الشرق 

      الأوسط»: ع 8620 /5 يوليو 2002

15) حوار مع  الصديقي:« أعيش من التشكيل وأنا من أسستُ مهرجان الصويرة ورفضت منصب مدير التلفزة كي أبقى حرا» موقع : هبة بريس يوم 15 - 03 - 2012

16) نظرية الدراما عند الإغريق لمحمد حمدي إبراهيم ص 68–  ط1/ 1994   الشركة المصرية العالمية

      للنشر- لونجمان

17) نـــفـــسه :ص 69

18) حوا رمع برشيد: في صحيفة البيان الإماراتية- حاوره  رضا الاعرجي بتاريخ 03 أبريل  1999

19) الفكر في عـصر التقنية: لعـبد السلام بنعبد العالي ص 93