مواضيع للحوار

مروح ع فلسطين  يجسد صرخة محمود درويش الخالدة   محمد الروبى

مروح ع فلسطين يجسد صرخة محمود درويش الخالدة محمد الروبى

42 مشاهدة

مروح ع فلسطين  يجسد صرخة محمود درويش الخالدة

 محمد الروبى

المصدر: موقع الخشبة

"مروح ع فلسطين".. لم يكن مجرد عرض أبهر كل من شاهده.. بل كان «صرخة حياة»، من قلوب أرهقها الحنين والوجع إلى «أرض الوطن».. مشاهد من أحد العروض التي تحولت إلى بهجة من مبهجات ليالي المسرح الحر بالأردن، التي أقيمت في الفترة من 28 إبريل الماضي حتى الثالث من مايو الجاري، بالعاصمة عمان، وذلك لأنه أولاً عرض فلسطيني، ودائما يأتي من فلسطين ما يسر القلب. وثانيا لأنه عرض بمجموعة من الشباب الذين يبدو أنهم تدربوا تدريبا جاداً ولشهور أهلهم لتحقيق عرض يعتمد على الرسم بالجسد يخطف العقل والروح. وثالثا لأن العرض لم يقع في الهوة التقليدية المتمثلة في تصوير الفلسطيني مثيرا للشفقة ودافعا إلى مصمصة الشفاه. بل جاء العرض، رغم بساطته الظاهرة، يحفر في العمق ويجسد شخصيات فلسطينية من «لحم ودم» بها من المزايا والمثالب ما يشكل الإنسان الطبيعي. وهو في ظني ما منح العرض صدقاً لامس القلوب والعقول وانعكس على حسن استقبال جمهور ليالي المسرح الحر بتنوعاته المختلفة، بل استحق عن جدارة جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

اعتمد العرض الذى قدمته فرقة «الحرية» من تأليف وإخراج البرتغالية «ميكائيلا ميراندا» على منهج (المسرح الاستيعادي) أو كما يطلقون عليه بالإنجليزية «Play back Theater» وهو نوع مسرحي يتخذ من حكايات الجمهور مادة أساسية يعاد تجسيدها مسرحياً. ولهذا النوع أشكال عدة فمنها ما يعتمد على حكايات الجمهور الحاضر الآن، ومنها ما يعتمد على تجميع الحكايات ثم العمل عليها في مختبر خاص يتم فيه التفاعل بين أفراد الفريق كافة، يضيفون ويحذفون حتى يصلوا إلى اتفاق نهائي يرون أنه الأنسب لتقديم تلك الحكايات.

النوع الأخير هو ما اعتمدت عليه فرقة (الحرية) في تقديمها فكرة تبدو بسيطة، يمكن اختصارها في السؤال: «ماذا لو قرر فتى فلسطيني ولد وعاش في الولايات المتحدة الأمريكية أن يزور يوما الأرض الأم؟ ماذا سيرى خلال رحلته وما الذى سيقرره في نهايتها؟».

يبدأ العرض بتمهيد افتتاحي قدمه قائد الفرقة (نبيل الراعي) بإنشاده موالا فلسطينيا مصحوباً بعزف على آلة العود، مهيأ جمهوره لاستقبال عرض مسرحي مختلف. بعده يدخل مجموعة الممثلين (ستة أشخاص) يرتدون السواد يقفون صفاً واحداً على بساط أبيض في منتصف الخشبة، ليكون هو بمساحته المحدودة مجال عرضهم لا يتخطونه أبداً طوال ساعة إلا قليلاً.

مشاهد العرض الأولى هي بمثابة اتفاق بين أفراد الفرقة والمتلقي على المنهج الذى اختاروه. فهم أجساد بشرية تتحول إلى (تمثال- سيارة- منضدة- ساحة مطار- جهاز الكشف على الأوراق- حاجز أمنى- مقهى شعبي… وغيرها).. وهم أيضاً شخصيات عدة تتغير من لحظة إلى أخرى حسب الموقف، مع الإبقاء على الممثل الذى يقوم بدور فتى الرحلة.

أجساد الشباب تتحرك بليونة وببساطة لتنقلك من مكان إلى آخر ومن حدث لآخر عبر توافق عضلي وصوتي مثيراً للإعجاب والدهشة. ويرسمون عبر مشاهد متتابعة ملامح رحلة الوافد الجديد الذى يصعد درجات سلم الاكتشاف درجة درجة. ونكتشف نحن معه فلسطين التي لم نكن نعرفها، تلك المنزوعة عنها كل غلالات الشفقة، فلسطين الواقعية بناسها الحقيقيين، بسخريتهم ولعناتهم ونضالهم، وحتى بأنماطهم البشرية المختلفة التي تفجر الضحكات في الصالة.

رحلة وعى الفتى تصل ذروتها مع استشهاد أحد أقاربه برصاص قناص صهيوني، ليأتي المشهد الأخير خطاباً يرسله إلى أهله في أمريكا يخبرهم فيه بقراره الأخير «أنا باق هنا.. في فلسطين» بل يدعوهم للعودة، وكأنه يجسد مقولة محمود درويش الخالدة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

في عرض كهذا يعتمد على الحكي المجسد عبر تشكيلات بصرية يكون البطل هو الممثل، ذلك الذى تدرب كثيرا حتى يتمكن من السيطرة على إيقاع عرض يخلو من الألوان والكتل الديكوريه أو حتى الإكسسوارآت المساعدة. ليبقى جسد الممثل والكلمة المكتوبة بتكثيف والمنطوقة بإحساس مدرب- هما فقط عنصر الفرجة المسرحية. فرجة لا تستهدف تعاطفك بقدر ما تستهدف وعيك ومشاركتك، فها أنت تخرج من الصالة تستكمل عنوان العرض في ذهنك ليصبح «مروح ع فلسطين و.. وباق فيها» لأنها وكما قال عنها محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

«مروح ع فلسطين » عرض جدير بمشاهدة الجمهور المصري، فهل يستجيب مسؤولو مهرجان «التجريبي والمعاصر» لاقتراحنا بدعوته؟.. أتمنى.

المصدر / المصري اليوم