مواضيع للحوار

مسرحية أدرينالين امتداد الجسد بين عبقرية البناء والهدم

مسرحية أدرينالين امتداد الجسد بين عبقرية البناء والهدم

135 مشاهدة

مسرحية أدرينالين

امتداد الجسد بين عبقرية البناء والهدم

دكتورة:لوت زينب

تخصص نقد حديث ومعاصر.

خاص لموقع المهرجانات العربية

 

لم تكن الخشبة لتحمل ممثلا يقدم الذات ليكون الآخر، لكننا نرسم مع مونودراما(أدرينالين) للمخرجة و الممثلة ( مصطفى أسماء) جسدا يهدم البناء المخبوء بحكايات تضيق في مساحات الصمت فتفجرها صرخة الحقيقة التي تقيس سعة البقاء وتكشف انحراف الفكر البشري نحو ما يغير طبيعة السلوك ويبرر المواقف، تلك المهيمنات الخاضعة لاختبار الجسد وهو يمتص كلَّ المتغيرات الصادمة لبناء المخيل القارئ والفاحص للواقع، و العنوان ملمح قوي لفحص نواة العتبة وقراءة موازية لزوايا الأداء حركته فالأدرينالين هو هرمون الخوف والتوتر واكتساب طاقة المواجهة وتجميع المعلومات و اقتناء طاقة المواجهة و تجاوز تلك المرحلة المضطربة ، وهكذا رسمت لوحات العرض الفردي بطاقة متحولة وسريعة ومغايرة خلف خطابات متنوعة تنفلت بين قوة التّقديم وخبرة التنفيذ في مسار لولبي يتسع للزوايا الأربع للفضاء ( وراء /أمام / يسار/ يمين) تلك المساحة الطبيعية لتقبل الدماغ في فصوصه الأربع ( الحس/الحركة/ البصرية/ السمعية) وإستراتيجية  تنخر في العتبات المظلمة والمقلقة و المحفزة لرغبة الصراخ و التحرر من سياج الضغط المضمر للأفكار الرجعية اهتراء الذات أمام تقليص الإنسانية و تشويه وجودها وضحالة الرؤية تقوم بانتفاضة ضد كل الوسائط القيمية للمجتمع الذي تستوطنه أقنعة الأفكار المتعفنة ،حراك صاخب للإنسان بجسد امرأة تكون ( الأم/ الحبيبة / الزوجة /الوطن) فيتحول الفضاء من استئصال الثدي لانتزاع المواطنة وتشوية جسد الانتماء الذي يتورم بالانكسار الإنساني في التشدد المغالط والأفكار المدنسة والقاتلة للحرية والبشرية وذاكرة الإنسان العربي.

1-المونودراما ومخيل الجسد:

تمثل المونودراما حقلا من الحركة الفعلية والانفعالية المتغيرة الحاملة لمجموعة خطابات ذات لغة استكشافية للذات، وخطاب مباشر حامل للتناقض و الإثارة الخلاقة للمعنى حيث تندرج المؤولات من خلال التأسيس للجسد حيث يكون كفيلا باستنطاق أهم الخطابات التي تختزلها الحركة والحصول على خلاص الذات ، في مسرحية (أدرنيالين)للمخرجة (أسماء مصطفى) تحكي عن استئصال الثدي وعلاقة المرأة بأعضاء تمثل لها الأنوثة والحياة، وكيفية محاكاة داخلية بين نفسية المريض بعد انتزاع الجزء الأكثر قرباً لوجودها، وشكلا من أشكال الخلود وكما تقول الممثلة ( أنها تنتمي لجماعة المتسلطنين) وتتضاعف حاجتها للفرار من مجموعة هواجس تقتحم (ضيق – ألم – وجع – كآبة – قرف - برد ) تلك الأحاسيس العميقة التي تنهال كسياط تركض الممثلة لتجسيد الحالة وتعميق الأثر تكررها لفي مكانها وكأن المكان بداخلها أصبح موحشاً ، والمميز في المونودراما أن المكان والزمان هو الحيز الذي يقف فيه الممثل ويضع لها هندسة النص في فضاء الأشياء،  ثم تنتقل من مرحلة الكآبة لمشاهدة حكايات مشابهة تقاوم مرض السرطان، وتنتقل لمشهد ترتدي ثوب أبيض وتتعالق بموضوع الوطن وغربة الوطن التي اختصرتها في رمزية ابنها (بحر) الذي يريد الوصول إليها ي بلاد الغربة.

نلامس قوة الصوت المفعم باللحن المختلف للحزن و للأمل وللشجن والغناء معاً حيث تتمكن من احتواء الصور وأداء الخطابات المختلفة زمنياً ، وتتوالى الرسائل الإنسانية في مجال تتأرجح بين البناء والهدم، بناء الأمل وانكساره باضمحلال مباشر حيث تفقد ابنها فتخاطب البحر ( لم أظن انك ستحب ابني أكثر مني يا بحر) و( الضنا غالي يا بحر) تجرف الممثلة المشاهد لعالم خفي ظاهر تسيطر عليها خطابات قوية (ذكرى بحر تنخر عظامي)، وتحرك المخيل في استثناءات أخرى تجعل الواقع واقعها والقضية تلك التي تمارسها بقوة الجسد و الصوت والحركة الانتقالية والمِخيال الذي يحترف الأداء مع الحدس القوي أثناء الأداء الملتزم بماهية الخطاب.

 

2-مسرحية أدرنيالين و بناء الهدم :

يتسع المسرح بقدر ما يضيق في كرسي يعلوه وجه مسرحي مجرد، وامرأة يغطي جسمها أقمشة ناصعة البياض تغطي أعضاءها الأنثوية وجهها المفعم بالإيحاءات الدهشة الغرابة و النفور أحياناً، كل هذه النوتات التي تكتسي لزوجة الأداء، تقوم بحركات يقظة ومكاشفة ما حولها أو إثارة ردود الفعل خلف المواجهة ثم الاستدارة الضوء والعتمة يمارسان حلقة تأسيس للفعل الدرامي، ولا تزال الممثلة تنبعث بخطابات الجسد الصامت فوق الخشبة، الموسيقى أشبه بارتداد للصدى والسكون، تلك الأشياء التي تتموقع فيها مسارات التجسيد، تقف كإنسان آلي يمسك حجم الفضاء ثم تخطو خطوات من الرقص الكلاسيكي البالي أين تنساب حرية الوتر الفني للجسد، يجتاح الاستفهام خلف كل اتجاه تأخذه أمامية يسار ويمين وخلف و انكسار ثم وقوف تلك هي دورة الحياة لكن بالطريقة التي تستطيع صياغة النص و تقديم العرض.

التمثيل الذاتي أظهر تلك الشحنة العبقرية لأداء المشاهد، وبناء لذة الهدم في تفتيت الحقائق المظلمة في خبايا الإنسان، عملية تطهير أرسطي لتوليف الفن وتسخير مدركاته، وتغليف الوهم بممارسة حقيقته التي يكشفها الفن، والعرض انتقاء للوقائع مثل تفجير الإنسان لنفسه أمام السوق واعتبار ذلك نوعا من الفداء تنهار الممثلة بجمل قوية و(تعبت من دخول المزابل البشرية ...) أحبت التمثيل وهو كان فنان التشكيلي فتحولت أنامله ترسم الألوان صارت تكتب شعارات المتطرفين و المتشددين تخيم الممثلة في جزئيات حساسة من الوتر العصبي الذي يجرح عضد المجتمع العربي بمغايرة الفهم وبناء مصطلحات تتعالق بالذاكرة وتمنح فروقا ظاهرة للحياة تحصرها في عشر دقائق تكون للحياة، للصراخ، للذات وترسم أجنحتها للسلام ولنا منها هذه المقاطع:

10 دقائق

أعرف فيها ذاتي

أرى ذاتي

أريد أن أشفى..

أحقق أهدافاً وطموحات

أن اتغلب على المصاعب

أن أتغلب عن التناقض ..

...

أن أكون مرئية ومسموعة

أن أدافع عن نفسي

.....

أن أدهش و أُدهش...

أصدم أسحر...

.....

أن أكون حرة من المقيدات الاجتماعية

....

نحن قادرون على التذكر

قادرون على التحرر...

10 دقائق 10 دقائق...

هي كبت للخوف و تنتمي لقضايا الفكر العربي ، لتجرف كل المساحات الضيقة إلى الضوء حيث تصرخ بمقصدية الحياة ، وإلزامية الإنسان بإنسانيته تلك التي تحملها المرأة لأنها انعكاس مقارب للمجتمع لتفكيره ومخاوفه، ولصمته المدفون بالحقائق لكنه يزدد ضحالة برجعيته، تجسد الممثلة عالماً وتقف على آهاته المعرفية، و الثقافية والرجعية التي تركت الحروب تنساب لأعضائه كما أن استئصال العضو من جسدها ينتزع من الوطن مواطنته وتصبح الغربة محيطا من التساؤلات، هي تصوير إرادي مفعم تمارسه الممثلة بجدارة الجسد و الذات و اللغة وتفكيك النص بين تلك المعنيات بحقيقة الواقع الذي يتأرجح بذاكرة (أسماء مصطفى) ومهارة التحرر بعدما تغرز مواجهة الأنا بالمرايا الوجودية فالمونودراما هي إنشاء الفعل ونشوء التفاعل التدرجي الذي يتجه في تصاعد لبناء الهدم الافتراضي لمختلف مظاهر الوجود.