أخبار فنية

مسرحية الصفقة للمسرح الجهوي تيزي وزو

مسرحية الصفقة للمسرح الجهوي تيزي وزو

176 مشاهدة

مسرحية الصفقة للمسرح الجهوي تيزي وزو

منحوتة للفنان وواقعه

#عـباسـيـة _مــدونــي _الــجزائــــر

 

#استمتع جمهور سيدي بلعباس عشية اليوم ضمن البرنامج المسطر لشهر فبراير بالعرض المسرحي الموسوم بــ" الصفقة" من إنتاج المسرح الجهوي " كاتب ياسين"  تيزي وزو ، وهذا في إطار الجولة الفنية الخاصة بالعمل المسرحي .

 

نص العمل المسرحي من تأليف " بن عمارة ماحي" وإخراج " حيدر بن حسين " ، وقد اعتمد فيه المخرج تقنية المسرح داخل مسرح مقسما العمل إلى قسمين فضاء خارجي وداخلي دونما الفصل بينهما ، الأمر ههنا الذي يجعل من الممثل عنصرا فاعلا في العرض ومؤثرا في الآن ذاته  ، ومن خلال لوحاته يتّضح لنا أسلوب الارتجال الذي انتهجه مجموع الممثلون على الركح وهم يجسّدون تفاصيل حكاية مجموعة من الممثلين الذين يعشقون الفن حتى النخاع كل في مجاله ، إلا أن الفضاء الذي يجمعهم ألا وهو المسكن تتكالب عليه قوى خارجية ذات مصالح أكبر تسعى جاهدة للسلبهم إياهم وبالتالي حرمانهم من حلم ممارسة الفن الملاذ الأول والأخير في ظل معاناة كل فنان على حدة .

 

البساطة والروتين المعتمد في اللوحات الأولى من العرض قد نجده متعمّدا من لدنّ المخرج حسب رؤيته الفنية والجمالية منتهجا الشق التجريبي كمنهج معاصر ليحملنا كمتلقين إلى عالم مسكون بالافتراض والترقب والرغبة في استكشاف القادم بحسب مجريات العرض متساوقا والنص ضمن خط متواز ، بخاصة وأن العرض المسرحي ضمن مساره يعرّي عديد القضايا الإنسانية التربوية والتوعية ، بين من يريد أن يستسلم للواقع ويتخلّى عن حوش الفانين ، ومن لا يزال متشبثا بمبدأ الحفاظ عليه كإرث يحمل العديد من التضحيات والذكريات الآسرة ، فكل زاوية منه تسرد حكاية وواقعا ، كما تسرد وجعا وأملا في غد أفضل تشريحا للفن وواقعه .

 

 

ما يشدّ فعلا المتلقي في العرض ملامسة مدى براعة المخرج في اشتغاله على الممثل وقدراته الإبداعية سواء الجسدية، الفكرية والروحية وهذا لتحقيق ذلكم التواصل ما بين المتلقي والممثل لتحقيق الإثارة بكل أبعادها.

 

في محاولة تقصّي مراحل ومحطات العرض ، نجد أنفسنا كمتلقين غير محكومين بالزمكنة ( الزمان والمكان ) ، حيث استخدم المخرج عديد التقنيات في حقل التجريب ، مجسّدا حركات تعبيرية ذات إيحاءات ومضامين كانت بمثابة الرابط ما بين الأحداث ، وتقنية المونولوج الداخلي الذي كان رافدا في العرض وحالة من شأنها تحقيق التواصل مع المتلقي وحمله على الفهم والاستفسار والانتباه لسلوك كل شخصية .

 

سينوغرافيا العمل المسرحي " الصفقة " أتت بسيطة ومبرّرة ووظيفية في ديكورها من حيث الكراسي والطاولة وعديد الإكسسوارات التي كانت داعما لأداء الممثلين ، مع إضاءة كانت كاشفا للأحداث ، تزامنت مع الفضاء الداخلي والخارجي الذي قسّمه المخرج ، وكل إضاءة جاءت مبرّرة لحدث ما ، مستحضرة لواقعة ما ، بأسلوب فنيّ يتساوق والبعد النفسي لشخصيات العرض الذين تمّ كشف ملامحهم وحركاتهم وأدائهم ، وبنيتهم الجسدية ومدى قدرتهم على تطويع ذلكم الجسد الذي يعدّ شيفرة لغوية وتعبيرية وفنية في عمقه الإنسانيّ ، فجاء العرض على شاكلة صور وفلاشات دعمتها الموسيقى التي تناسبت والعرض المسرحي وأسهمت بدورها في الرفع من مستوى الأداء والتجسيد لدى فريق العمل من الممثلين ، وكأن العرض في حقله التجريبي يضعنا أمام ورشة فنية وبيداغوجية اعتدّت بالممثل كعنصر أساس في العمل المسرحي فكريا وحسيا وجسديا ، وجعلته المحرك الأساس لأحداثه ووقائعه .

 

وتقنية المسرح داخل مسرح ، كانت تعرّي قدرة الممثلين على الركح ومدى تمكّنهم من التنسيق بين فضاء خارجي وداخلي ، فتارة هم ممثلون على الخشبة وتارة شخصيات في العرض لهما مهمتها الإبداعية والحسية والروحية .

 

ما قد تلامسه في عرض " الصفقة" لمسرح تيزي وزو ، أنه ثمة  احتفاء بالنص وبالإخراج على حدّ سواء ، وأن مسرحة النص اتّخذت طابعها محافظة على روح النص الاصلي في بعده الإنساني  وقضية كل فنان مدافع عن رسالته الفنية وانتصاره للحرية ، مهما كان التباين شاسعا في أفكار كل فنان كلّ في مجاله ، إلا أن الرابح هو الفن ومدى قدرة كل فنان على التضحية من أجل بلوغ هدفه الإنسانيّ السامي لكل قيمه ومبادئه وغاياته ، فحوش الفنانين ليس للبيع ، كما كل فنان أصيل ونبيل ليس ولن يكون قابلا للمساومة والتنازل ، حوش الفنانين لن يكون للبيع ولو اقتضى الأمر ارتكاب جريمة في بعدها الصوري حتى نحافظ على أسس هذا الفن ، ونعلن الانتفاضة ضدّ البشاعة وضدّ الرداءة وننتصر للجمال ، للحب وللإنسانية مهما كانت النتائج .