أخبار أدبية

مسرحية   العثور على جلجامش

مسرحية العثور على جلجامش

162 مشاهدة

مسرحية   العثور على جلجامش

الكاتب المسرحي #عمار _نعمه _جابر

المصدر: موقع الأنطولوجيا http://alantologia.com/blogs/36523/?fbclid=IwAR0WZ__MUTBlLrlx5wapvSDqYinR1tRTWWYhFGWTp9dUbCCqirGKpQkE61A

أنكيدو : عفوا سيدي ، هل أنت رفيق الخلود ، أوتو نبشتم ؟

أوتو نبشتم : ويحك ، من أنت ! وكيف وصلت الى هنا ؟

أنكيدو : أنا أنكيدو ، جئتك من أوروك ، قطعت البحار والصحاري ، عبرت جبال الظلمة ، حتى وصلت اليك .

أوتو نبشتم : لم يستطع أي أحد قبلك أن يصل الى هنا يا أنكيدو !

أنكيدو : ولكن ، جلجامش قد وصل اليك قبلي !

أوتو نبشتم : جلجامش ، ليس كأي أحد .

أنكيدو : أور شنابي ، هو من دلني على السبيل ، فصرت اتنقل من مطار لآخر ، ومن محطة قطار لأخرى ، صارت المدن تتساقط عن يميني وشمالي ، فعلت المستحيل في سبيل الوصول اليك .

أوتو نبشتم : ولن تعود من هنا خائبا لأوروك ، أخبرني هل أدلك على عشبة الخلود ، كما فعلت مع جلجامش ، هل أنت بحاجة لها ، أم ماذا تطلب ؟

أنكيدو : كلا ، لقد جئتك مستغيثا ، فأغثني يا مولاي ، يا صاحب السفينة ، ويا آخر الباقين بعد الطوفان .

أوتو نبشتم : قل حاجتك ، تكلم .

أنكيدو : أخي وخلي وصاحبي جلجامش ، ضاع ، لا أستطيع أن أعثر عليه .

أوتو نبشتم : قطعت كل هذه العوالم من اجل العثور على صاحبك ! نادر هذا الوفاء في زمنكم الموحش والشحيح .

أنكيدو : يا مولاي ، هو روحي ، نبض قلبي ، وكل حياتي ، وليس سواك أيها المنقذ ، يا ربان سفينة الطوفان ، قادر على أن يجده لي .

أوتو نبشتم: حسنا ، ومتى خرج صاحبك ؟

أنكيدو : في الحقيقة ، هو شخص كثير الحركة ، دائم البحث .

أوتو نبشتم: متى آخر عهدك به ، يعني ، متى رأيته آخر مرة ؟

أنكيدو : قبل أربعين يوما .

أوتو نبشتم: أين شاهدته ؟

أنكيدو : وأين يمكن أن أشاهده ! شاهدته معي يا سيدي .

أوتو نبشتم: هل حدثت معه مشكلة قبل اختفائه ؟

أنكيدو : مشاكله كثيرة جدا ، لكن اقسم لك ، ليس هناك أسمى وارفع من روحه .

أوتو نبشتم: قد يكون عثر على أصدقاء غيرك ، أقرباء يمكن أن يذهب لهم ؟

أنكيدو : هو وحيد جدا ، تماما مثل شجرة الصبّار .

أوتو نبشتم: ربما هو يعاني من امراض نفسية ؟

أنكيدو : أوو ، كثيرة جدا ، ظاهرة وباطنة .

أوتو نبشتم: إذن الموضوع شائك .

أنكيدو : ولكنه ، مع كل ذلك ، شخص بسيط جدا ، فقط هو ضائع .

أوتو نبشتم: ربما فكر بالذهاب الى أشخاص محددين أو أماكن محددة ؟

أنكيدو : الغريب أن الجميع يقول أنه يعرفه ، ولكن في الحقيقة ، لا أحد يعرف جلجامش !

أوتو نبشتم: تقصد أن علاقته جيدة مع الجميع ؟

أنكيدو : قلبه وارف كشجرة السيسبان ، مسالم تماما مثل قط وديع ، روحه ، تستطيع أن تقول عنها مثل فراشة ، ترى جمال الوانها ، ولا تشعر بثقل وجودها حولك ، هكذا أراه وأعرفه ( يتحرك ) سيدي ، أرجوك ، أتوسل اليك ، جده لي ، دلني عليه مرة أخرى ، لقد ضاع في هذا العالم العدواني ، وهو لا يستطيع أن يواجه مثل هذا العالم .

أوتو نبشتم: لا تقلق سأبذل قصارى جهدي لأجده لك .

أنكيدو : ( يتحرك ) لقد بحثت عنه في كل الأماكن التي أعرفها ، علقت صوره على كل جدران المدن ، لم اترك صحيفة الا ونشرت فيها اعلان عن ضياعه ، ولا قناة فضائية الا ودفعت لهم ، ليذكروا خبر ضياعه في نشرات الاخبار ، أرجوك سيدي ، ساعدني ، يراودني إحساس أنني لن أجده هذه المرة .

أوتو نبشتم: هل تقصد أنه ضاع قبل هذه المرة !

أنكيدو : نعم ، حدث ذلك ، لقد ضاع عشرات المرات ، مشكلته أنه يضيع دائما .

أوتو نبشتم: إذن هو مدمن .

أنكيدو : لا ، أبدا ، جلجامش ليس مدمن ، لا يشرب المخدرات ، ولا يكثر من الخمر ، ولا يدخن السجائر كثيرا .

أوتو نبشتم: كنت أقصد أنه مدمن ضياع ( يضحك بصوت عال )

أنكيدو : نعم ، ربما أنت على حق ، هو مدمن ضياع ، كلما وجدته وأوصيته أن لا يتيه في طرقات المدينة ، يكرر الضياع مرة أخرى ، يقول أنه كثير الشك .

أوتو نبشتم: كثير الشك ! ماذا تقصد ؟

أنكيدو : يشك في كل طرق المدينة ، يشك في كل بيوتها ومعابدها ومدارسها ، يشك في كل اشجارها وطيورها ، يشك حتى في سحابها وهوائها ، ليس هذا حسب ، بل إنه يشك حتى في الليل والنهار .

أوتو نبشتم: يا الهي ، الليل والنهار !

أنكيدو : نعم يا سيدي .

أوتو نبشتم: ولكن لماذا يشك في الطيور ، هل لاحظ شيئا لا أخلاقيا منها ( يضحك بصوت عال)

أنكيدو : سيدي ، أنت تضحك منه ، يبدو أنك لا تصدقني !

أوتو نبشتم: لا أبدا ، ولكن كلامك غريب جدا . إنه فعلا شخص غريب الاطوار .

أنكيدو : يقول أنه في كل مرة ، يذهب في طريق جديد ، لا يعرفه ، باحثا فيه عن الطريق السليم والحقيقي ، ولكن النتيجة ، يضيع من جديد .

أوتو نبشتم: ولماذا لا يمشي في نفس الطريق !

أنكيدو : يقول انه ، وفي كل مرة ، يكتشف زيف وبهتان ووهم الطريق ، فابحث عن طريق اخر يقودني لليقين فأضيع في الطرقات ، هو يقول ذلك .

أوتو نبشتم: لماذا لا يكون مثل الآخرين ، الجميع يمشي في ذات الطريق لسنين ، بل أن الكثير منهم يمشون جيئة وذهابا في طريق واحد كل أعمارهم ، أقفلوا بوصلاتهم ، ولم يلتفتوا الى زيف وبهتان ووهم طرقهم ، أو بالأحرى لا يفكرون بذلك .

أنكيدو : حيوانات ..

أوتو نبشتم: ماذا ، ماذا تقول !

أنكيدو : عفوا سيدي ، هو يقول أنهم قطيع حيوانات ، مجرد قطيع ، يفكرون بطريقة القطيع ، تتشابه حيواناته في مداركها وفهمها وتصرفاتها .

أوتو نبشتم: صاحبك هذا سيتعبنا في البحث عنه !

أنكيدو : أذكر آخر مرة .. ( يقاطعه أوتو نبشتم)

أوتو نبشتم: نعم أحسنت ، حدثني عن آخر مرة ، أريد أن ترجع ذاكرتك الى الوراء ، تذكر كل الكلمات ، كل التفاصيل ، مهما تعتقد أنها تافهة أو صغيرة .

أنكيدو : أذكره آخر مرة ، بكى بحرقة ، بكى طويلا .

أوتو نبشتم: وهل تعرف لماذا يبكي ؟

أنكيدو : كانت بيده صورة كبيرة ، مؤطرة بإطار مزخرف .

أوتو نبشتم: نعم ، وماذا حصل ؟

أنكيدو : وضع للصورة علامة سوداء في زاويتها ، وهو يبكي بشدة ، ينتحب بصوت عال ، ينعى بأبيات شعر شجية ، أحسست أن قلبه خرج من مكانه لشدة البكاء ، لا ، بل شعرت أنه فرى كبده لشدة الحزن ، وكاد يقيئها .

أوتو نبشتم: غريب ، وهل عرفت من هو صاحب الصورة ، التي وسمها بالقطعة السوداء ؟

أنكيدو : نعم يا سيدي ، أعرف صاحبها .

أوتو نبشتم: هل هي صورة زوجته ؟

أنكيدو : لا ، هو لم يتزوج بعد .

أوتو نبشتم: هل هي صورة أحد أبناءه ، ربما ثكل بأحدهم ؟

أنكيدو : سيدي أقول لك لم يتزوج بعد !

أوتو نبشتم : ربما يملك girl friend ( يضحك بصوت عال ) .

أنكيدو : ولكنك تعرف جلجامش جيدا يا سيدي .

أوتو نبشتم: نعم ، أنت على حق . إذن هي صورة لأحد والديه ، أو صورة لصديق قديم ، أو ربما صورة لحبيبة له ، تزوجت وتركته وحيدا ؟

أنكيدو : لا أبدا .

أوتو نبشتم: طيب أخبرني ، صورة من ، تلك التي فرى عليها كبده ؟

أنكيدو : إنها صورته هو .

أوتو نبشتم: صورة من !!

أنكيدو : صورة جلجامش ، صورة قديمة له ، كان يملك في الصورة لحية طويلة .

أوتو نبشتم: ماذا ! صورته هو ، هل هو مجنون ، يبكي على صورته ويوسمها بالسواد ، لا ، لا ، أكيد أنه مجنون ، شيء غير معقول بالمرة .

أنكيدو : سيدي ، ربما كان يبكي على ما تغير في داخله ، وكيف كان ذاتا مسطحة ، لا تعرف ما تعرفه الآن ، أو ربما يبكي على لحيته ، فلقد حلقها مؤخرا ؟

أوتو نبشتم: ( غاضبا ) يقيء كبده ، ويقفز قلبه من مكانه لشدة البكاء ، بسبب حلاقة لحيته ! هل حالته صعبه الى هذه الدرجة ؟

أنكيدو : كان يقول أن اللحية جزء من شخصيته السابقة ، جزء من النصب والتماثيل التي أقيمت له ، جزء من صورته التي كان يمشي بها بين الناس ، بل فاجأني بقوله ، أن لحيته جزء من أفكاره !

أوتو نبشتم: شعر اللحية ، جزء من أفكاره ، غير معقول بالمرة !

أنكيدو : نعم ، صدقني سيدي ، سمعته يكرر ذلك اكثر من مرة .

أوتو نبشتم: طيب ، وهل ذكر لك شيئا ، عن العلاقة بين الشعر بين الفخذين وأفكاره ( يضحك بصوت عال ) كنت أمزح معك ، لأنه بصراحة ، موقف جلجامش هذا مضحك للغاية ( يعود للضحك بصوت عال )

أنكيدو : سيدي أتوسل اليك ، الامر خطير ، جلجامش ضاع في التيه ، جده لي ، سيموت من شدة الوجد ، جده لي قبل أن تقتله الوحدة ويأكله الضياع .

أوتو نبشتم: حسنا ، لا تقلق الأمور تحت السيطرة ، ما لم يتم الإبلاغ عن جثث مجهولة ، هذا يعني أنه لازال حيا يرزق .

أنكيدو : اشكرك يا سيدي ، لأنك تطمئنني عليه .

أوتو نبشتم: بعضهم يبحث عن المتاعب بيديه ، يمشي لها بقدميه ، يسعى دائما ليجد ما ينهك رأسه .

أنكيدو : نعم ، انت على حق ، ولكن هو يقول ، أننا لا ينبغي لنا أن نكتفي بإجابة واحدة لكل سؤال ، في العادة ، كل سؤال له أكثر من إجابة ، جئنا الى هذه الحياة كي نعرفها جميعا ، فهذا الوجود معقد للغاية .

أوتو نبشتم: ولماذا لا يتوقف عند احداها ، وينعم بالهدوء ، لماذا وجع الرأس ، لماذا لا يفترض أننا نشبه الخنازير ، ننظر بوجهة واحدة ، لا نستطيع أن نلتفت يمينا أو شمالا ، ويرضخ أنها هكذا قد خلقت ، وجوهنا وعيوننا ، لا ترى الا باتجاه واحد ، ويغلق على نفسه مصادر الشقاء .

أنكيدو : شرح لي ذات مرة ، أنه لا توجد حقيقة مؤكدة لهذا العالم ، لذا يجب أن نواصل البحث .

أوتو نبشتم: طبعا سيضيع ويضيع ، إنه باحث عن المتاعب .

أنكيدو : ارجوك ، لا تتردد في البحث معي عنه ، سيأكله هذا العالم .

أوتو نبشتم: واجبي يحتم علي أن أجده لك ، مهما كانت حالته . اريد منك أن تساعدنا في ذلك .

أنكيدو : حسنا ، وبأي شيء يمكنني مساعدتكم ؟

أوتو نبشتم: أن تذكر لنا كل تفاصيل المفقود ، مهما كانت .

أنكيدو : مفقود ! صدقت ، هو مفقود في حروب هذه الحياة الكثيرة !

أوتو نبشتم: طيب اذكر لي أبرز هواياته ، هل كان يمارس هواية محددة بعينها .

أنكيدو : نعم يا سيدي .

أوتو نبشتم: حسنا ، هل هوايته كانت حبه لتناول الطعام بشراهة ، أم أنه يمارس التسوق كثيرا من المولات ، او تراه يكثر من شرب الاركيله في الكافيهات ، أو يدمن مواقع التواصل الاجتماعي ؟

أنكيدو : ولكن يا سيدي هذه ليست هوايات ، هذه أمراض !

أوتو نبشتم: حسنا ، ربما يكون كلامك صحيح ، طيب اذن ، أخبرني ما هي هواياته ؟

أنكيدو : له هواية وحيدة في كل حياته .

أوتو نبشتم: أخبرني عنها.

أنكيدو : حسنا ، انها هواية طرح الأسئلة على نفسه .

أوتو نبشتم: ( متعجبا ) يطرح الأسئلة على نفسه ! طيب ، وهل ينجح في الاختبار ، ويجيب بشكل صحيح ، أم أنه يفشل في الإجابة ويرسب في الصف ( يضحك بصوت عال )

أنكيدو : إنه في العادة ، يفشل فشلا ذريعا في الاجابة .

أوتو نبشتم: يفشل ! ويعود ليطرح الأسئلة على نفسه ، لماذا لا يتوقف وينتهي كل شيء .

أنكيدو : حمار ، حمار بآذان طويلة .

أوتو نبشتم: ماذا تقول !

أنكيدو : عفوا سيدي ، هو يقول أن الحيوان فقط هو الذي لا يطرح الأسئلة .

أوتو نبشتم: نعم ، حسنا ، فهمتك الان .

أنكيدو : الانسان من وجهة نظره ، هو الكائن الوحيد الذي يطرحها ، يقول أن الأشجار والصخور ، وكل الحيوانات والكائنات في الوجود لا تفعل ذلك ، الانسان وحده من يفعل ذلك ، يطرحها من أجل أن يعرف ، من أجل أن يفهم .

أوتو نبشتم: وما حاجته الى هذه الأسئلة ، أقصد أي نوع من الأسئلة ، تلك التي يطرحها على نفسه ؟

أنكيدو : الكثير جدا يا سيدي ، مثلا ، من جاء بي الى هنا ، لماذا هذا التوقيت بالذات ، لماذا أنا هذا الشخص ولست ذاك ، كيف أصبحت هكذا ، ماذا يريد مني من فعل ذلك بي ، ماذا يجب ان اعرف ؟ وكيف ! ماذا يجدر بي أن أفعل ، من أين يفترض بي أن أبدأ ؟

أوتو نبشتم: ولكنها كلها من وجهة نظري ، كلها أسئلة بسيطة جدا ، فلو قدر لي الإجابة مثلا ، سأجيب ببساطة : انا هنا لان ابواي ولداني هنا وبهذا التوقيت ، وأصبحت بفعل التربية هكذا ، ويجب عليّ ان لا أسأل كثيرا ، وأبدأ من الطبق القريب مني على المائدة ، وأتابع التنزيلات في المولات ، واستمتع بأحجار الاركيلة الى أقصى حد ، وأصول وأجول في صفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي ، هكذا اجيب على اسئلته ببساطة .

أنكيدو : غبي ، غبي وابن ستة عشر غبي .

أوتو نبشتم: ماذا تقول !

أنكيدو : عفوا سيدي ، هو يقول : أن الغبي وابن ستة عشر غبي ، من يعتقد أن لهذه الأسئلة إجابات محددة .

أوتو نبشتم: ( غاضبا ) ليس هناك أغبى من أسئلة جلجامش ، هل فهمت ؟

أنكيدو : ( مضطربا ) نعم سيدي ، أسئلته الغبية وابنة ستة عشر غبي ، ارجوك لا تغضب .

أوتو نبشتم: أتمنى أن تكون هناك سيارة مسرعة قد سحقته ، هو وكل اسئلته التافهة، أو قطار شطره الى نصفين ، أو قطيع ذئاب تقاسموا جسده ، ليخلصونا من هذه العُقد المزمنة ، هذه الذوات الكئيبة ، هذه المخلوقات التي لا لها لون ولا شكل ولا طعم .

أنكيدو : نعم يا سيدي ، ارجوك لا تغضب ، انها أسئلة لا تستحق ، ارجوك اهدأ .

أوتو نبشتم: أقسم ، لولا توسلاتك لما بذلت أي جهد للبحث عن هذا الشيء .

أنكيدو : اشكرك سيدي ، هذا كرم كبير منك .

أوتو نبشتم: شخص بهذا السوء لا يمكن أن يطاق ، حتى لو كان جلجامش نفسه ، اذا اردت نصيحتي ، اتركه ضائعا ، ولا تحاول ايجاده ، سيجعلك تموت بعمر ناقص .

أنكيدو : لو كان بيدي الامر لأخذت بنصيحتك ، ولكن الأمور معقدة جدا ، سيدي ، إذا نحن لم نجد جلجامش وأسئلته ، إذا أوروك لم تشارك مع جلجامش شكه وقلة يقينه ، حتما سيتلاشى مجدنا ، وسيختفي وجودنا ، ويغطينا رماد النسيان .

أوتو نبشتم : ولكنه شخص لا نفهمه بوضوح ، مرة يتحدث عن الشَعر وعلاقته بالأفكار ، ومرة يطرح أسئلة على نفسه ، ولا يتقبل إجابة واحدة ، مرة يشك بالليل والنهار ، ويضيع في طرق المدينة . صراحة انت وأوروك في موقف لا تحسدون عليه بتاتا .

أنكيدو : لا يجب أن نتخلى عنه ، وهو في هذه المحنة ، إنه جلجامش يا مولاي ، يجب أن نعيده الى أوروك .

أوتو نبشتم : حسنا ، ولكن لم تخبرني ، هل كان جلجامش يتلو حكايتي ، حكاية الطوفان ، ، كل ليلة ، ليعي ويدرك ما جرى ، وكيف أنني دعوت الناس الف سنة الا خمسين عاما ، ولم يؤمن بي سوى زوجتي ، والتي ربما آمنت بي لأنها زوجتي فقط ! وآمن معها ثلاثة من مجموع أربعة من اولادي ، وهم أيضا ، ربما آمنوا بي لأنني اباهم فقط ! بينما إبني الرابع قد فضل الموت غرقا ، في موج كالجبال ، على الايمان بأبيه ! هل صاحبك ، طارح الأسئلة ، والباحث عن الإجابات ، يدرك حقيقة ما يحصل حوله في هذا العالم !

أنكيدو : هو يقول أن القاعدة الأولى في أي ارتقاء وتغيير ، ليس النداء والدعوة من خارج الذات الإنسانية ( يقاطعه أوتو نبشتم )

أوتو نبشم : لا تقل لي ان جلجامش ، يحاول تصحيح المهمة التي ارسل الله من أجلها الرسل !

أنكيدو : ليس تماما يا سيدي ، ولكنه يقول أن الوازع الذاتي للإنسان هو الاقدر على الإصلاح ، وسماحتك تعلم أن جميع الرسل والقديسين ركزوا على جانب التبشير والدعوة .

أوتو نبشتم : نعم فعلا ، أنت على حق ، ولكن في العادة يأتي الصوت من الخارج ، ليوقظ الداخل ، ونحن جزء من هذا الصوت .

أنكيدو : أنت تعرف يا سيدي أن جلجامش ،هو أول من طرح سؤال المعنى ، هو أول باحث عن سر الخلود ، وهو أكثر من نعرف ، ممن تساءلوا عن المغزى الحقيقي للحياة والموت ، ولكن يبدو أن من يبدأ بطرح هذه الأسئلة ، لا يستطيع أن يتوقف أبدا .

أوتو نبشتم : أذكر أنني وهبته عشبة الخلود من أجلكما ، كإجابة عن سؤاله .

أنكيدو : ولكنك بفعلتك هذه ، قد ضيّعت جلجامش ، القيت به في التيه ، لقد كان يثق بالسماء ، ويثق بك ، بوصفك مفاوضا ومفسرا ومبررا لكل أخبار السماء . وبسبب عشبتك البائسة أفقدته هذه الثقة .

أوتو نبشتم : أنا !

أنكيدو : نعم ، أنت يا سيدي .

أوتو نبشتم : لقد كنت سخيا جدا معه ، إنه الشخص الوحيد في الإنسانية ، والذي تجاوزت بسببه كل نواميس السماء ، ووهبته عشبة الحياة والخلود !

أنكيدو : بسبب الطريقة التي تعاملت بها سيدي مع أسئلته ، لقد اعتبرك ، اعذرني للمفردة الجارحة ، اعتبرك أقل وعيا وادراكا لحجم الأسئلة التي تأكل داخله ، فالعشبة كانت إجابة ناقصة عن سبيل الخلود الحقيقي والفاعل ، اكرر اعتذاري لسماحتك .

أوتو نبشم : هو يقول ذلك عني !

أنكيدو : نعم ، بل يقول أن النصيحة التي قامت بتلاوتها عليه ، صاحبة الحانة ، كانت أكثر وعيا في حجم حيرته وضياعه ، وانجع في التعامل مع هيجان الاسئلة في روحه ، عن سبل الحياة .

أوتو نبشتم : هو يقول ، أن صاحبة الحانة ، أكثر قداسة وعظمة ، من أوتو نبشتم الخالد !

أنكيدو : عفوا يا مولاي ، هو قال أكثر وعيا بحيرته وضياعه ، لم يذكر القداسة ولا العظمة أبدا !

أوتو نبشتم : صاحبة نقيع الشعير ، أعلى مقاما من أوتو نبشتم ، لقد جن صاحبك ، صار جلجامش يستحق أن يسكن الشمّاعية في مشفى الرشاد .

أنكيدو : ولكنه جلجامش يا سيدي !

أوتو نبشتم : حتى لو كان جلجامش ملك اوروك العظيم ، لقد أصبح مسجلا كخطر على الجميع .

أنكيدو : جلجامش خطر !

أوتو نبشتم : نعم ، اسئلته تمثل تهديدا واضحا لليقين ، للثوابت والمقدسات ، خطرا على شكل الافكار الثابت ، وهرمها المقدس .

أنكيدو : ولكن .. !

أوتو نبشتم : اسمع يا أنكيدو ، كل من يمس قدس الرب والداعين له ، ويمس الصالحين وأصحاب السماحة والمقام والنيافة ، أو يسئ الى كل الاتباع والفقهاء والدعاة ، وأحزابهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعشائرية ، يجب أن يصمت .

أنكيدو : ( مستغربا ) عفوا يا سيدي ، ولكن لا أستوعب ماذا تعني بهذا الكلام .

أوتو نبشتم : حسنا ، كلامي واضح ومباشر ، لقد أسكتنا جلجامش الى الابد .

أنكيدو : هل تقصد أن سماحتك تعرف أين مكان صاحبي وخلي جلجامش !

أوتو نبشتم : نعم ، إنه يقضي عقوبة الدنيا ، قبل أن يلاقي ربه ، ويخلد في قعر الجحيم .

أنكيدو : ولكنه لم يفعل شيئا ، لقد كان جلجامش يطرح الأسئلة على نفسه فقط !

أوتو نبشتم : لقد أفسدت أسئلة جلجامش هذا العالم علينا ، مذ طرح سؤاله الأول ، والأمور بدأت تسوء ، شيئا فشيئا ، فكرة بعد فكرة ، رحلة بعد رحلة .

أنكيدو : ولكنني لا استطيع العيش بدون صاحبي جلجامش ! أوروك هي الأخرى تحتاج ملكها !

أوتو نبشتم : أنكيدو ، عد الى أوروك سريعا ، أخبرهم أن يتمتعوا بطعامهم جيدا ، يتسوقوا كثيرا من المولات ، ويكثروا من شرب الاركيله في الكافيهات ، ويدمنوا مواقع التواصل الاجتماعي ، وقل لهم بوضوح ، أن يتركوا الى الابد ، طرح الأسئلة .

العراق - الناصرية

24/9/2020