أخبار أدبية

مسرحية سرير بإيقاع ساخن

مسرحية سرير بإيقاع ساخن

318 مشاهدة

مسرحية سرير بإيقاع ساخن

الكاتب المسرحي #عمار _نعمه _جابر

 

الام : ( تجلس قرب سرير ابنها ) أنت نعسان ؟

الابن : ليس تماما يا امي .

الام : وسادتك مريحة لرأسك ؟

الابن : كلا ، ليست مريحة أبدا ، وانت تعرفين ذلك .

الام : ولكنها افضل وسادة نملكها يا بني .

الابن : لا تهتمي للأمر ، لقد تعودت عليها .

الام : حسنا ، سأغطي قدميك كي تشعر بالدفء ؟

الابن : لا حاجة لذلك ، لأني لا اشعر بوجودهما أصلا .

الام : ربما لا تشعر بهما ، لكنهما جزء منك ، اذا ادفأتهما ، سيشعر جسدك بالدفء .

الابن : منذ زمن طويل جدا ، وأنا انام على هذا السرير بلا جسد .

الام : جسدك موجود يا بني ، هذا هو ، مسجى على فراشك .

الابن : ولكنني لا أملكه أصلا ، هو ميت ، ميت ولكنه ملتصق بي .

الام : هو جسدك ، حتى لو حاولت أن تنكر ذلك .

الابن : لست املك سوى رأس ، عينان تنظر ، ولسان يتكلم ، هذا كل شيء !

الام : لا تفكر بهذا الشكل قبل النوم ، ستصاب بالأرق يا بني .

الابن : حسنا يا أمي ، لن أفكر بهذا الشكل ، ليس من أجلي ، بل من أجلك .

الام : أحبك يا بني .

الابن : ليس أكثر مني يا امي .

الام : قل لي ، ماذا تحب أن تفطر صباح الغد ؟

الابن : قد لا يكون هناك إفطار غدا ، من يدري .

الام : لماذا تقول ذلك ! انت في كل ليلة ، تخبرني قبل ان تنام ، بفطورك الذي تشتهيه ، فأقوم  صباح اليوم التالي ، بصنع الفطور الذي تحب ، قبل أن تستيقظ من النوم .

الابن : لا نستيقظ كل صباح يا امي ، سيكون هناك أحد الصباحات ، خاليا منّا .

الام : حتما سيحدث ذلك ، ولكننا سنبقى نواصل الحياة في كل ليلة ، وكأننا سنبقى الى الابد .

الابن : حسنا ، أحب أن يكون فطوري غدا ، بيض مقلي ، بالبصل والزيت ، مضاف عليه زعتر وكمون .

الام : وماذا بعد ؟

الابن : وقدح حليب بالشاي ، احب أن يكون كبيرا .

الام : وماذا بعد ؟

الابن : وأن أراك معي على الفطور .

الام : لا تخف سأكون معك في كل صباح .

الابن : أخاف أن يأتي الصباح يوما ، ولا أجدك قرب سريري !

الام : حينها ، لن تكون الأمور بهذا السوء .

الابن : أحبك يا أمي ، أنت أجمل شيء حدث لي ، ولكنني أسوأ شيء حدث لك .

الام : أنت قطعة مني ، أنت أغلى شيء عندي .

الابن : ربما لو لم .. ( تقاطعه الام )

الام : كم مرة علي أن أطلب منك أن لا تفكر بأسلوب "لو" ، "لو" هذه عاهرة ، تأخذنا بعيدا .

الابن : أنا آسف يا أمي .

الام : يا حبيبي ، دائما هناك وجهان لكل شيء ، أبيض وأسود ، لا يجب أن نحدق في وجه واحد .

الابن : أتمنى من كل قلبي ، أن أنظر لهذا العالم بعينيك .

الام : قلت لك كثيرا يا حبيبي ، إن هذا العالم ليس وردي دائما ، لكنه حين يكون كذلك لبعضهم ، لا يدركون ذلك الا متأخرا ، متأخر جدا .

الابن : عجيب ! تراهم يملكون أقدام ، يمكن أن تذهب بهم بعيدا ، لكنهم يصرون أن يناموا على ذات السرير ، في كل ليلة .

الام : طيب ، قل لي أين كنت ستذهب ، لو كان لك أقدام مثلهم ؟

الابن : ( لحظة ) سأذهب بعيدا ، بعيدا جدا عن سريري هذا .

الام : حتما ستحمل أقدامك هذا الرأس الذي يغلي بالأفكار، بعيدا عن السرير .

الابن : ( يفكر ) سأذهب الى أكثر المدن ازدحاما ، أمشي في شوارعها ، اتحسس أجساد المارة بجسدي ، اسمع وقع انفاسهم ، ولهاث خطاهم ، وأحدق بوجوههم كثيرا .

الام : وبعد ..

الابن : سأصعد على قمم الجبال التي تجاور المدن ، وأنظر لأحجام الناس الحقيقية من الأعلى .

الام : وبعد ..

الابن : سأذهب لأبول طويلا ، على نصب الحرية الموجود في الساحة الكبرى .

الام : ( تضحك بصوت عال ) وماذا بعد أن تبول على نصب الحرية ؟

الابن : سأركب دراجة هوائية ، وأتوغل كثيرا في أكثف غابة ، بلا هدى .

الام : رائع جدا ، وحتما يديك سيكون لها نشاط آخر ، سيقومان بكل ما تحب .

الابن : يداي ؟ ( لحظة ) يداي سأضرب بهما على طبل .

الام : طبل ، ولماذا الطبل !

الابن : أحب الطبل ، أحب سلطة إيقاعه ، شديد وفاعل ، يرتبط بشدة بحركة الجسد الحي .

الام : يدهشني فيك ربط الأشياء ببعضها  ؟

الابن : حين تسمع عزف الطبل ، تشعر بكل روحك تتحرك على ايقاعه ، ولو كنت حرّا كفاية ، فستمنح جسدك حفنة من الشعور بالطيران ، تراقص فيها الطبل مع روحك ، فتنتشي بعذوبة هذا المذاق ، تملأ المكان بجسدك ، تبدأ ببطء هكذا كما نسمة صبح ، تك تتك تك تتك تك ... ثم تتحول شيئا فشيئا الى عاصفة ، تك تتك تم ، تك تتك تم ... فتمنح هذا العالم الصخب المطلوب ، تك تتك تم ، تك تتك تم .

الام : ( بصوت واحد مع الابن ) تك تتك تم ، تك تتك تم ، تك تتك تم ...

الابن : ( يغير النغم ، بصوت عال ) تم تتك تك تم ، تم تتك تك تم .

الام : ( تضحك ) سيصحو الجيران !

الابن : كم أتمنى أن يصحو كل هذا العالم على صوت طبلتي .

الام  : وبماذا قد تمتاز طبلتك عن طبول هذا العالم ؟

الابن : فصيحة جدا ، وصوتها صافي ، لم يتلوث بالأصوات النشاز .

الام : استطيع ان اشعر بك وبها يا بني ، استطيع أن اسمع صوت الطبل فيك ، صوتها أعلى من كل ما حولنا من أصوات .

الابن : إيقاع الأرواح ، كما إيقاع الطبول ، يملك سلطة هائلة ، فحين يتكلم ، سينصت له الجميع .

الام : طيب ، قل لي ، هل ستضرب على الطبل بيديك ، وتكتفي بذلك ، أم أنك ستمنح قدميك وجسدك الحرية الكافية ، لترقص على صوت الطبل ؟

الابن : حسنا ، سأكون طمّاعا حينها ، أضرب على الطبل بيدي ، وأركل الأرض بقدمي بقوة ، أرقص ، اذيق هذه الروح البائسة ، طعم البهجة .

الام : جميعنا طمّاعون ، اذا تعلق الامر بالحياة وبالفرح .

الابن : ( لحظة ) كان الطبل قديما ، يصنع من جلد الثور ، ولكن ليس أي ثور ، بل فحل لم يمرض ابدا ، ولم يذق ذل المحراث .

الام : شرط غريب !

الابن : أبداً ، هو شرط أساسي .

الام : أساسي في صنع طبل !

الابن : الطبل الذي يصنع من جلد هكذا ثور ، سيكون صوته مختلفا تماما ، مختلف عن صوت طبل ، صنع من جلد ثور مريض وذليل . كل نقطة فينا يا أمي، هي جزء تام مما نكون .

الام : مسكين !

الابن : من ، أنا ؟

الام : لا ، الثور الذي صنعوا من جلده الطبل . ( يضحكان )

الابن : قولي لي ، كيف سيكون طعم الطبل ، اذا صنع من جلدي . ( يضحكان )

الام : سيكون طبلا عاشقا ، مثلك تماما .

الابن : أعشقك يا أمي ( لحظة ) أنا آسف يا امي .

الام  : ولماذا أنت آسف ، أرجو ان لا يكون الطبل الذي سأصنعه من جلدك سيئا . ( يضحكان )

الابن : أنت تستحقين ابناً أفضل مني .

الام : أنا استحق طبلا ، أفضل من الطبل المصنوع من جلدك . ( يضحكان )

الابن : لم أسعدك بما يكفي أمي .

الام  : يا حشاشة قلبي ، للجميع همومهم واحزانهم ، لسنا نختلف عن الاخرين .

الابن : الذي يجري لنا يا امي ، أننا نشبه ما حدث للطبل تماما .

الام : لم أعرف أن الطبل المسكين ، مر بحكاية تشبه حكايات البشر !

الابن : في البدء كان الطبل مقدسا ، تصنعه ايدي الكهنة ، في قداس مهيب ، ولكنه اليوم صار ينظر إليه كمعصية . كان في البدايات تتلى به ومعه الصلوات ، ولكنه في هذا الوقت ، مسكين ، صار منبوذا ، ملقى في زاوية الرفض والاستهجان .

الام : مواقفنا هي التي تغيرت ، الطبل لم يتغير .

الابن : غريب جدا ما صنعنا بأنفسنا ! قال أحدهم يوما أن الطبل سيحشر مع صاحبه في قعر الجحيم !

الام : الخبز الذي نصنعه في الصباح ، سوف لن نلتهم غيره في المساء .

الابن : لقد مارس الناس تجاه الطبل اقسى أنواع الإهانة ، حيث باتوا يصنعونه اليوم من جلد ماعز ، ذلك الحيوان ، بصوته المزعج ، ورائحته الكريهة !

الام : مساكين !

الابن : من ، نحن ؟

الام : لا ، الماعز . ( يضحكان )

الابن : ( فترة صمت ) حسنا يا أمي ، قولي لي ، ما الذي قد يعجبك برأس بلا جسد .

الام : حسنا ، هذا الرأس ( تشير الى رأس ابنها ) يعجبني بكل ما فيه .

الابن : مجرد كرة ملقاة في زاوية مهملة في هذا العالم .

الام : انت بالنسبة لي كل شيء ، وهذا يكفي ، ( لحظة ) يا بني ، مهم جدا أن نكون كل شيء لشخص ما ، هذا يعني أننا نقوم بما يجب .

الابن : ربما نحن لسنا من خياراتهم .

الام : لسنا من نختار ذلك يا حبيبي ، هذه الحياة فيها أشياء كثيرة ، هي خارج قدرتنا ، خارج سيطرتنا .( لحظة ) أنت جزء من روحي ، احب عينيك وهما تنظران لي ، صوتك وانت تناديني يا امي ، نفسك الذي يصعد وينزل .

الابن : أعرف ذلك ، كم احب ان اسمعه منك كل ليلة ، قبل أن أنام .

الام : ربما لو كنت تمتلك جسدا ، خارج هذا السرير ،  لما التصقت بوجودك هكذا ، من يدري .

الابن : ( لحظة ) هل ستسامحينني اذا تركتك لوحدك ؟

الام : لماذا تقول ذلك ؟

الابن : لا اريد ان اسبب لك احزانا أخرى حين اغادر ، أتمنى ان تعرفي أنني احبك اكثر من نفسي ، ولكن كوني رأس فقط ، فهذا هو أقسى ما يواجهني ، ما عدت احتمل ذلك .

الام : لماذا تتحدث بهذا الشكل ، لقد بدأت أخاف عليك .

الابن : لن يَتم يوما ، فَهمُ أنني خيار وارد في هذا الوجود ، ففي هذا الوجود خيارات كثيرة ، منها أن تكون رأس فقط ! عينان تحدقان في الوجود بعمق ، ولسان ينطق متعجبا ، مما يجري خارج المألوف .

الام : لا أريد أن أكرر عليك ، كم أنت متميز .

الابن : هذا العالم ، أُسس على قيمة عليا للأجساد ، على حساب قيمة الرأس ! وبيد أني رأس بلا جسد ، الغالب أنني لم أحضر بالوقت المناسب هنا .

الام : لا تتحدث بيأس هكذا ، الحياة أمامك يا بني .

الابن : حسنا ، ( لحظة ) انتظر أن تفلّي شعر رأسي بيديك الحانيتين مثل كل ليلة ، قبل أن أنام .

الام : أعرف كم تحب أن أفلّي شعر رأسك ( تضع يدها في شعر رأس ابنها )

الابن : يا لله ، كم يديك حنونتين يا امي ، تقطران رحمة وحب .

الام : هذا لأنك تحبني .

الابن : هذا لأنك تحبينني .

الام : حاول أن تغمض عينيك لتنام ، افرغ رأسك لتستريح .

الابن : هو ذاك يا غاليتي ، قررت أن افرغه تماما .

الام : يا بني ، عندما يطلع الصبح ، ستجد أنك قد ارتحت .

الابن : شكرا على كل شيء يا أمي .

الام : شكرا لك يا صغيري ، لكل ما علمتني في هذه الحياة .

الابن : رقبتي تحكني يا امي ، حكّيها لي بيدك .

الام : حسنا ، ( تضع يدها على رقبة ابنها ) من هنا ؟

الابن : لا ، من الوسط يا امي .

الام : من هنا ؟

الابن : نعم يا امي ، حكي رقبتي بكلتا يديك ارجوك .

الام : ولماذا بكلتا يدي !

الابن : ربما لأني لم استحم منذ أيام . ( يضحكان )

الام : حسنا ، هكذا ؟

الابن : نعم ، ضعي يد فوق يد ، كي تحك بقوة .

الام : كما تحب ، من عندي غيرك كي أدلل  .

الابن : أنا آسف يا امي ، ليس عندي سواك .

( يضغط بكل قوته بحنكه على أيدي الام ، يضغط فوق رقبته )

الام :( بصدمة ) ماذا تفعل يا بني !

الابن : ( وهو يزيد من الضغط ) آسف يا امي ، لقد انتهت الحكاية .

الام : ( تحاول ان تسحب يديها ، دون جدوى ) ارجوك يا بني ، ستختنق !

الابن : ( وهو يختنق ) سامحيني يا أمي ، يداك تتوجعان بسببي .

الام : لا اريدك أن ترحل وتتركني وحدي ، افلت يدي يا بني .

الابن : حققي لي آخر رغبة ( يضغط بقوة ) اريد أن أموت .

الام : اريدك معي ، لا تتركني .

الابن : ( بصوت ضعيف ) ساعديني كي اموت يا امي . ( يضغط بكل قوته )

الام : ويح قلبي ، سيموت ابني ! أرجوك يا بني أفلت يدي ، ستتهشم رقبتك .

الابن : ( بصوت خافت) شكرا لأني اموت بين يديك ، أحبك يا امي .

الام : احبك يا بني ، ولكن لا تجعلني أقتلك بيديّ يا بني !

الابن : ( وهو يموت ) إفرحي يا غاليتي ، سأطير بعيدا عن سريري .

-      ستار –

تركيا – سامسون

٨/٤/٢٠٢١