أخبار أدبية

مسرحية عصيان

مسرحية عصيان

38 مشاهدة

                             مسرحية عصيان

 

الكاتب: شادي صوان - سوريا

غرفة صغيرة معتمة  شباكها واطئ شكلها مستطيل أشبه بتابوت إسمنتي ذو نافذة واحدة صغيرة عالية، ملتصقة حوافها بالسقف ،تمرر بعض الهواء وخيط رفيع من الضوء المرتجف ..تكاد الغرفة لاتتسع سوى لسرير مفرد، ومكتبة خشبية ضئيلة الحجم تعج ببعض الكتب المصفوفة كيفما اتفق ،ومغسلة معدنية دائرية قطرها لا يتجاوز الربع متر  ,,,ثمة حذاء أسود اللون أجرد بجانبه حذاء بلاستيكي منزلي ( شحاطة) يرقدان قرب الباب الخشبي ..وإلى اليسار منهما طباخ غاز سفري صغير على رأسه ترقد صينية معدنية صدئة عليها كوب زجاجي وإبريق معدني ومنفضة ممتلئة بأعقاب السجائر  .. الوقت في الصباح المبكر ثمة امرأة ضئيلة الحجم جمال ملامحها بارزة رغم شحوب وجهها ويديها ،بالعشرينيات من عمرها متمددة على السرير ببجامة نوم رجالية ،ورجل ثلاثيني متوسط القامة مرتدياً نفس نوعية البيجامة نائماً بطريقة جنينية بين السرير والمكتبة مسنداً رأسه على كومة من الكتب يشخر مصدراً صفيراً مميزاً ، تفتح المرأة جفنيها دون أن تتحرك ..تتجول بعينين خائفتين في أرجاء الغرفة، ثم تطلق صرخة عميقة طويلة مدوية تهز أركان المكان ..ينهض الرجل مسرعاً كالمخبول ( العمى ..يافتاح ياعليم ..ياربي ) فيطرق رأسه بطرف السرير فيسقط( إخرسي يامجنونة) ويعاود النهوض مجدداً فيضرب كوع ذراعه بطرف المكتبة فيسقط وترتمي بعض الكتب على جسده ورأسه ...( إخرسي ..لعنة الله على هذا الصباح) وهو متمدد مفتوح العينين (أنت ملعونة...ملعونة).. تتابع المرأة زعيقها دون اكتراث ..ينهض مستنداً على طرف السرير يقترب منها محاولاً وضع يده على فمها( ألن تكفي عن إذلالي.. خذي) يصفعها ويده الأخرى على فمها فتعضه  ..يتأوه( كلبة..كلبة) ويصفعها مجدداً يتحول زعيقها إلى نشيج عالي..تبصق في وجهه ،لايحاول مسح وجهه بل  يشغل كلتا يديه  لتكميم فمها ،وينجح .

الرجل وهو يلهث: إخرسي..عليك اللعنة ،أيقظت الجيران..بل أيقظت الشارع ،بل المدينة بأكملها ..إخرسي ..لا ينقصنا فضائح منذ الصباح..العمى

المرأة( تتأوه تحت ثقل يده على فمها ،وتئن )

الرجل: عديني أن تتكلمي بهدوء دون صراخ ودون هذا النحيب المقرف  وسأكفّ يدي عنك ..

المرأة: إم ..إم .. (هازةً برأسها )

الرجل: طيب قولي .. هيا أنا أصغي ( ينزع يده عن فمها فتتنفس الصعداء وبلهجة رقيقة)

المرأة: صباح الخير

الرجل: صباح الخير !!..ياسبحان الله صباح الخير!. بعد كل هذه المأساة المبكرة !..نعم  وثانياً ؟

المرأة: أخرجني من هذا المكان الحقير

الرجل: حقير!.. قولي بسيط..فقير.. معدم ..أوحتى استخدمي مفردة أدبية لائقة..قولي ..قولي

المرأة: ماذا؟

الرجل: وضيع مثلاً

المرأة: بسيط..وضيع ..تافه.. المهم أن تخرجني

الرجل : سأقبلها منك ..ولكن لاتنسي أنك أنت السبب..أنت من جعلنا في هذا المكان لاأنا

المرأة: أنا !

الرجل: نعم أنت ..جرأتك ..جبروتك ...بل وقاحتك وطول لسانك ... كم مرة كاد يودي بي إلى السجن أو حبل المشنقة  ..ها قولي ..كم مرة!؟

(المرأة تعاود النحيب ولكن بصورة أرق وألطف ..الرجل ينظر إليها بأسى ثم يتجه نحو المغسلة يفتح الصنبور فلاتخرج ولانقطة ماء ..(( أوف ..صباح لعين))يمتعض فيتركه مفتوحا ويفرك عينيه بأصابعه الشاحبة )

الرجل: كفى بكاء ..كفى..لو أن دموعك السخيفة هذه صالحة للشرب أو الاغتسال لبكيت معك،ودعوتك للمزيد لملىء خزاننا الصدئ  

المرأة: أرجوك..هذه المرة فقط ..وأعدك ألا أبكي وأصرخ مجدداً..أرجوك

الرجل بسخرية: ليتني أستطيع ياحبيبتي

المرأة: تستطيع..نعم تستطيع..ثم إن كنتُ حبيبتك فعلاً..أريد أن أرى الضوء..الشمس تناديني أرجوك ..أخرجني

الرجل بجدية : الشمس ليست لأمثالنا ياغالية .. والضوء سرقوه منا منذ زمن طويل

المرأة(بنبرة عالية): سرقوه..!من؟

الرجل: هس..أخفضي صوتك الرنان القبيح فالجدران لها آذان ..ها حتى أنظري إلى تلك الأذن الناعمة المعلقة أمامك كالمروحة،  وتلك الأذن الخشنة المشعرة الملتصقة بجانبك كالعلقة

(المرأة تبحث بعينييها دون جدوى وبألم)" من؟

تتلوى في مكانها بحركات عبثية محاولة النهوض دون جدوى

الرجل( بمرارة): أولاد الشوارع..الذئاب..ألا تعرفينهم حقا!؟ .. رفاق الدرب الذين كشروا عن أنيابهم بكل وحشية ،ونهشوا آخر ذرة نور تلمع في الهواء

المرأة: أنت كاذب ..تكذب

الرجل باستغراب وغضب يقف مواجها يهز عمود السرير بكلتا يديه، فيصدر زقيقاً قبيحاً

: أنا! أنا أيتها البليدة..مشكلتي الوحيدة في الحياة أنني لا أستطيع الكذب..لو ملكت هذه الموهبة لكان لي شأن آخر.. إن الكذب موهبة عظيمة  ياصغيرة  ومن يمتلكها يبلغ ما يشاء ..خذي مثلاً زملائي الذين كانوا في المدرسة أوفي الشارع ..في الجامعة أوالمؤسسة..المنافقون وحدهم فقط من بلغوا الشأن والجاه والمناصب..وتأتين الآن لتتهمينني بالكذب..عار عليك  

المرأة: عار عليك أنت أن تكذب ..فأنا أستطيع شم رائحة الضوء المنبعثة من هنا ..إنه يتجول منتظراً ملامستنا وضمنا بذراعيه

الرجل ضاحكاً بسخرية وهو يجلس على طرف السرير:أنت واهمة،ومادمت تملكين أليافاً للشم..اكتفي بالرائحة إذن ..سأعبّئ لكِ صندوقاً كاملاً لتملئي رئتيك المرهقتين صباح مساء ..ها..ألايعجبك هذا !؟

المرأة بأنين موجع : أريد ملامسته ..أرجوك لاتحرمني من هذه المتعة ..إنها تشبه..تشبه

الرجل: أترين..أنت حتى لاتستطعين أن تبلغي التصوير المناسب

(  ينهض عن طرف السرير باحثاً على الأرض عن علبة سجائره يراها عند رجل السرير البعيدة يلتقطها يشعل سيجارة بقداحة من جيب بنطاله)

المرأة: إنها تشبه لمسة أم لوليدها ساعة الولادة

الرجل: ههه حقاً(  يتوجه نحو الغاز السفري يزيل الصينية ويضعها على الأرض ،ثم يحاول إشعال رأس الغاز ولكن دون جدوى).. حتى أنت أيها المأفون!

المرأة: تشبه يديك حين تلمسني ..أناملك حين تداعب شعري

الرجل: هذا الشهر سيكون لئيما كهذا الصباح( يسكب شيئاً من السائل الأحمر في الكوب ،ويشربه دفعة واحدة ثم يمج من سيجارته ،وينفث الدخان نحوها )

المرأة: أنت دائماً تهرب هكذا ..تدخن لتنسى..تدخن لتنفخ آلامك في جسدها الطري..تحرقها وتدعكها وتقتلها وكأن ثأرا بينك وبينها ..ألا تسأم من فعل ذلك!؟

الرجل: ها.. أنهيت فلسفتك الفارغة (بتهديد) أم أنك اعتدت السكوت بالقوة

المرأة: ليتك تفعل معي ماتفعله معها !

الرجل( هازئاً) : أتريدينني أن أُشعلكِ!

المرأة:نعم

الرجل: أنفخ أوجاعي في جسدك،وأدعكك ومن ثم أقتلك

المرأة: نعم نعم  ..إفعلها ولكن دون قتل

الرجل: أتظنين نفسك أفضل من السيجارة؟

المرأة: نعم.. أتمنى ذلك

الرجل ضاحكاً: كل هذا لأنني أمنعك من رؤية مايجري خارجاً

المرأة: ومافائدة نومي على سريرك طيلة الوقت وأنت لاتُشعلُ سوى السجائر!

الرجل: أحميك وأحمي نفسي يامجنونة

المرأة: بل قل تسجننا..تميتنا ببطىء

الرجل: كل هذا لأنني لا أريدك أن تري ما رأيته !

المرأة: ربما استطعت أن أراه بصورة أفضل مماتراه أنت

الرجل: هل تريدين حقا مواجهة العالم الزائف !؟

المرأة: بل العالم الحقيقي ،بكل تناقضاته..أفراحه وأحزانه..سواده وبياضه

( الرجل يشعل سيجارة أخرى بعد أن يدهس الأولى بقدمه على الأرض)

المرأة: الجمال والبشاعة.. الأرض الخضراء والصحاري..القاتل والمقتول

( الرجل يقترب من المرأة والقداحة بيده وعلامات الغضب والحزن بادية على وجهه)

المرأة: ليس بالضرورة أن كل ماتجده قبيحاً هو قبيح بعين سواك

( الرجل ينظر بتوجع وتصميم في عيني المرأة)

المرأة: لو لم تكن جباناً أصلا  لخرجت وأخرجتني معك ،وأريتني ما رأيته

الرجل: الشيء الوحيد الذي سترينه بعد الآن ،هو الضوء الوحيد الذي تستحقينه( يشعل الولاعة ويبدأ بحرق ملاءة السرير)

المرأة( تبدأ بالصراخ):أنت جبان..جبان

الرجل: أُصرخي ما شئت... هاأنذا أُشعلك وأحرقك كما أردتِ تماماً

( المرأة بنحيب متقطع): أحببتك ..والله أحببتك..ولم أقصد أن أثير غضبك ..أطفئني..أعدني إليك ..أعدك بأن أغلق فمي..وألا أبوح بكلمة واحدة إلا بإشارة منك

الرجل: لاجدوى...ليس هناك ماء..ثم إن وقت العتاب قد انتهى..تستحقين ماأفعله( يتصاعد اللهب والدخان والمرأة تنتحب بوحشية)

المرأة: جبان.....بشع....لو لم تكن بشعا لأحرقت نفسك قبلي أيها البشع

الرجل : احترقي يامجنونتي ..كوني فداء حياتي ..أحببتك فكوني أمثولة لمن سأحب بعدك

المرأة: خائن..جبان........جبان

( طرق شديد على الباب... يتقدم الرجل نحو الباب ليفتحه بارتباك يرتدي فردة من حذائه الأجرد وفردة من الحذاء المنزلي  ،يفتحه ليطل وجه أحد الجيران  والمرأة تستمر بالصراخ وتنهض فجأة وسط اللهيب المتصاعد وتبدأ بالتلوي )

الجار:  صباح الخير ياجار

الرجل بعصبية: صباح الخير..نعم

المرأة: جباناً عاش ،ويموت جبانا ً

الجار: عذراً كأننا شممنا رائحة دخان تتصاعد من غرفتك فقلقنا عليك

الرجل: قلقتم ..من؟

المرأة: ستندم ..وتشرب كأسه ذليلاً ياخائن

الجار: أنا وزوجتي طبعا ..

الرجل: آ..أسف..عذراً منكما ..لاشيء يثير القلق ( يحاول إغلاق الباب بقوة إلا أن الجار يبقى واقفاً متشبثاً بدرفة الباب)

المرأة: الخوف بذرة الضياع الأبدي ياجبان

الجار: أنت تعلم أنّ الله أوصى بسابع جار..وأنت جارنا الأعزب الوحيد فقلت أنا وزوجتي أنك ربما تطبخ شيئا فأحرقته فاقترحت زوجتي عليّ أن أجيء فربما تحتاج لمساعدة ما ومن ثم أخبرها لكي ( يقاطعه)

الرجل: لاتقلق...لاتقلقا ياصاحبي..إنها مجرد أوراق تالفة أشعلتها علها تبعث شيئا من الدفء في هذا اليوم البارد

المرأة : البرد تمثال ثلجي يبنيه القلق المارد ياقبيح

الجار: ليس باردا تماما.!.. بكل الأحوال كن حذراً ياجاري وإن أردت أي شيء فأنا وزوجتي جاهزان لتلبية أي خدمة ..فأنت جارنا الوحيد كما تعلم ومن ثم ( يقاطعه بشدة هذه المرة)

الرجل: شكراً لك أيها الطيب ..وداعاً

الجار: وداعاً ..ولكن

الرجل: وداعاً،وبلغ تحياتي الحارة لزوجتك الفاضلة

( الرجل يغلق الباب بقسوة ويبقى مديراً ظهره دون أن يلتفت نحو السرير الملتهب ..يضرب رأسه بالباب صارخاً بالمرأة بوحشية أن تكف والتي يصبح صراخها نحيباً خافتاً وهي ترقص رقصتها الأخيرة على إيقاع موسيقى غاضبة مؤلمة وهمية .. جبان...متسلطة..سادية...خائن..مجنونة... قبيح بشع ..موتي..موتي ..تتداخل الأصوات مع بعضها حتى تختفي تدريجياً ..صنبور المياه الذي تُرك مفتوحاً يصدر صوت هدير ثم تندفق المياه منه بشكل عنيف ومتفجّر)

إعتام