مواضيع للحوار

مــدام م   فرجة مسرحية  إخراج آسية الجعايبي  الدكتور عبد الفتاح مرتضى البصري

مــدام م فرجة مسرحية إخراج آسية الجعايبي الدكتور عبد الفتاح مرتضى البصري

38 مشاهدة

مــدام م  فرجة مسرحية .. إخراج آسية الجعايبي  الدكتور عبد الفتاح مرتضى البصري

المكان: بيت عائلة مدام م. والجمهور الذي حضر العرض .. للوهلة الاولى عندما تطأ قدميك ارض اللعب تشعر ان هناك شيئا مريبا .. المكان هو باحة سجن خارجية، حولك اربع جدران بلا سقف، والمنصة التي تجري الاحداث عليها تخترق الساحة والجمهور ليكون كلاً واحداً الجمهور واللاعبين معاً .. اذن اللعبة منذ اللحظة الاولى اننا كجمهور شاركنا او سنشارك اللاعبين في لعبتهم!! . فلتبدأ اللعبة ..

بداية ونهاية العرض – اللعبة واحدة، صورة – فوتوغراف لعائلة السيدة ميم ، وكأن العرض اراد ان يقول ان العائلة هذه التي ستبدأ يومها الآن، ستنهيه بنفس الطريقة بنهاية يومها، وان العائلة هذه تدور في فلك ثابت متكرر ورتيب لتعود لنفس النقطة التي بدأتها وهكذا الى ما لا نهاية….!

 رغم ان النص يخص احداث تونس في العشر سنوات الاخيرة(قبل وبعد الثورة) وشخصية الام هي الوطن( ليس شرطا بتونس فقط) بل هي نفسها قد تكررت في البلدان العربية واحداً تلو آخر، إذ يمكننا ان نسقط احداث  المسرحية على واقعنا العربي فسنراه يتطابق بنسبة جنونية كبيرة.. انطلق من تفسيري لما شاهدت ، حيث كان العرض المسرحي ( مدام م.) بمثابة نص سياسي موجّه للعرب كافة، لا تفرحوا بما حصل من تغيير، فالقادم مجهول ولربما أسوأ بكثير من ماضيكم!!!وان العبرة ليس في التغيير بل في الكيفية لإدارة الوطن ومن الذين سيقودون البلد ما بعد التغيير؟؟!!!!…

ف( مدام م.) وابناؤها هي الوطن وابناؤه ، وكل ما حصل ويحصل في بلداننا هي نفسها لا تختلف الا في بعض التفاصيل الصغيرة ، لكن الهدف العام لم يتغير، فقط هو الزمن الذي سيكشف ذلك في حينه ..

بداية المسرحية وختامها ب(صورة) فوتوغرافية للأم م. واولادها الاربعة وهم يبتسمون!!!فمن دهاليز السياسة انك تظهر في العلن مع عدوك مبتسمين ومتصافحين !!! كذلك هذه العائلة وبهذه الصورة ايضا، فرغم الابتسامة المتصنعة التي يظهرون بها في بداية العرض ، تجعلك تقسم بدمار هذه العائلة اثناء سرد الاحداث، وبدلا من معالجة المشاكل والازمات لأفراد العائلة ، تأتي الام لتزيد الطين بلّة حينما تعترف بان اولادها جميعا اخوة من الام فقط، لكن لكل فرد منهم ( اب ) يختلف عن الآخر!!!يمكننا ان نسقط هذا التأويل بأن ألأم ( الوطن) وان الرجال الذين تزاوجوا بها ما هم الا الحكومات المتعاقبة على ذلك الوطن!!!

وهنا فإن كل فرد من هذه العائلة سيتجه بطريق مختلف عن الآخر في تمزق كامل للعلاقات الاسرية – المجتمعية . ويدخل الإعلام هنا كظاهرة تقنية امست تدخل في كل ثنايا ولحظات حياتنا كبشر حاملة معها الكثير الكثير من الإعلام السيء المبرمج لتشويه وتفتيت وتدمير اي مجتمع في هذا العالم واولها المجتمعات التي غلب عليها الجهل واللاوعي والتخلف والفقر والامية ..

الإخراج و آسية الجعايبي

للوهلة الاولى (كما ذكرنا) تشعر انك امام عرض مسرحية – لعبة ، تقسيم القاعة مع المنصة ( تداخل كبير بين المنصة والجمهور) تبديل الملابس والديكور امام الجمهور والصوت المسجل والراوي او مقدم العرض كلها اشارات لمنهج مسرح بريخت، التحول من موقف لآخر يتناقض مع الاول لكن دون تأثير ( كما في حوار الشقيقتين والتناقض الكامل بينهما فكرا وفعلا) او بين الأخوة انفسهم او في الرياء الذي يزعمون جميعا( بما فيهم الام) انهم عائلة واحدة متماسكة ومتحابة او في ردود افعالهم المتناقضة على القرارات التي يتخذها الابناء او التي تفرض عليهم فرضا…..الخ ومع هذا فان العرض-اللعبة ينتهي بالصورة الجماعية للعائلة وهم باسمين .!!!!

في اول العرض ، فإن هذه الصورة قد خدعتنا بتماسك ومحاباة هذه العائلة فيما بينهم، الا ان الاحداث جرت بصورة مناقضة تماما لذلك، فكانت الصورة الاخيرة قد تكاملت ببطء وفتور وعدم رغبة والم وكره حين تحولت ببطء الى الصورة – الرمز للعائلة السعيدة!!!!!فأي سعادة وأي عائلة وأي وطن؟؟؟

في هذه الصورة التي تناقض اصولها فحواها، نرى ان افراد العائلة متماسكين في شيء واحد، هذا الشيء هو ليس الام(الوطن) بل في الكعكة الخاصة بعيد ميلاد الام، فالحصول على قطعة منها او اكثر كان هو الهاجس لكل فرد، وهو إسقاط لتقاسم الحصص والسلطة فيما بينهم حتى وإن وصلت حد القتال!!!!

بالرغم من عدم ظهور (الصحفية هاجر) على المنصة لكنها كانت موجودة في معظم مشاهد العرض وهذا يشبه الغائب – الحاضر اي بمعنى ان وسائل الإعلام موجودة دائما وابدا لكن ليس بافراحك ومسراتك بل بحزنك ومأساتك، وهذا هدف الإعلام الممنهج المؤدلج. هنا لم نجد شاردة او واردة دون المرور بذكر هاجر-الإعلام وما نشرته _ كذبا _ حول مسؤولية العائلة بانتشار الجرذان( ايحاء رمزي للجرذي ومن هو المسؤول عن انتشاره). فالجرذي بخطورته الصحية والحياتية اصبح حيوانا غير مرغوب به، وبذلك فان تحميل العائلة مسؤولية نشرها للجرذان وكأن لسان الحال يقول بان المجتمع هو الذي ينشر افكارا (جرذية) واجب القضاء عليها وعلى من ساهم في نشرها، وبذا تكون السلطة هي الحاكم والمدعي العام والعائلة هي الجانية!!!

إشتغلت آسية الجعايبي على اكثر من طراز في إخراجها لهذا النص، لكننا كمشاهدين للعرض هذا كان الطراز الذي يعتمد منهج بريشت بالدرجة الاولى ممزوجا في بعض المشاهد بمسرح آرتو وآبيا وكازان..استغلت الجعايبي منصتها المسرحية الدوارة بأقصى درجة سواء في تكويناتها التصويرية للمشهد الواحد او لمجموع المشاهد حيث تداخل الفعل الصائت مع لغة الجسد في عرض التناقضات التي تعتمل في دواخل شخصياتها ، كذلك فقد كانت حركة المنصة افقيا مما جعل الجمهور الذي يحيط من ثلاثة محاور للمنصة ان يتفاعل مع الحدث من خلال دخول المشهد المحكي الى فضائه الخاص .. كما ان حركة المنصة قد خلصت العرض من الرتابة التي قد يقع فيها بسبب الحوارات الصائتة الطويلة، لكن العرض تقدم بنجاح رغم طول زمنه ( اكثر من 90 دقيقة) .

عملت الجعايبي جهدها للإستفادة من مستويات المنصة وقطعها الديكورية ، فالمنصة مستويان الاول ثابت والثاني فوقه(المتحرك دائريا) ثم ياتي دور الكراسي والمنضدة لتشكل مستويات متعددة مختلفة، كلها خدمت العرض واستغلت بشكل بارع..ما يثير الجمالية في تصميم الخشبة بهذا الشكل اننا نعرف المسرح الدوار، وهو عبارة عن جزء من المنصة يتم تدويرها ( يدويا او ميكانيكيا) ويستفاد منها في تغيير موقع الحدث او الديكور او لمرور الزمن …الخ ، لكن ديكور ( مدام م.) كان عبارة عن منصة مستطيلة الشكل تتحرك فوق منصة ثابتة، وبذا يتداخل الفعل الحركي للديكور مع فعل الشخصية(ات) اثناء اداؤها دون النظر الى جهة محددة بل تشمل الجمهور كله. كذلك كان لفعل نفش الشعر( اطلاقه بشكل اشعث ) دلالة على مواجهة او تحول الشخصية من طبيعتها الهادئة الى السير وفق التيار( كل الشخصيات عدا ألأم )…لكنهم يعودون جميعا الى سابق عهدهم مع الام في وقفة نحتية ( بالإكراه) حول الام (الكعكة) .

في عرض مسرحية ( مـدام  م. ) ، شاهدنا وسمعنا كيف تخفي الشخصية ( الإنسانية) اوجاعها داخلها وتتستر عليها حتى ان يمسها ( دبوس) فاذا هي صحيفة حياة كاملة من العقد والإشكالات لا يمكن التنبؤ الى اي مدى سيصل اليه ( الشخصية) وهذا ناتج من الحكومات التي تمارس القمع وتكميم الافواه لمواطنيها مما يجعل الفرد ان يقمع نفسه بنفسه داخل حدود جسده وهي تنتظر اللحظة المناسبة للإنطلاق..

تحية إكبار للفنانة المبدعة ( جليلة بكار) في ادائها ألأكثر من رائع، وتحية لفريق العرض – اللعبة الذي لم يدع لنا فرصة لأخذ شهيق عميق، فهم بحق ادوا لعبهم كفنانين محترفين متمكنين تماما من ادواتهم.

اخيرا تحية خاصة للمخرجة ( آسية الجعايبي ) في هذا العمل المبدع، متمنين ان نحضر عروضا مسرحية اكثر جرأة وقسوة فهي متمكنة من ادواتها وشغلها المسرحي وابداعها في خلق الجمال من القبح.

المصدر : مجلة الفنون المسرحية