حوار مع مبدع

وليد عوني   هناك علاقة وثيقة بين الجسد الإنساني والإيقاع

وليد عوني هناك علاقة وثيقة بين الجسد الإنساني والإيقاع

31 مشاهدة

 

وليد عوني   هناك علاقة وثيقة بين الجسد الإنساني والإيقاع

 ولأول مرة في حياتي أقدم حفل الختام لمهرجان فني

حوار : إنجي عبد المنعم

 

وليد عوني هذا الفنان المبدع الذي يتناول الفن بشكل استثنائي وغير تقليدي برؤيته الخاصة، وينظر إلى الرقص الحديث بصورة مغايرة تماما لواقعه في مصر رغم تطوره في الآونة الأخيرة، مطالبا بضرورة مزجه دائما بالحداثة والتطوير في فنون الأداء لتتواكب مع الواقع العالمي الجديد بشكل دائم.

 

عمل وليد عونى مع مصمم الرقصات العالمي موريس بيجار كمصمم للسينوغرافيا والديكور والملابس في بروكسيل وباريس وطوكيو، في عروض: قصة الجندى، قداس الزمن الآتى، إديث بياف، باريس- طوكيو، هاراجورو، الهرم- النور الذي قدمه بيجار في دار الأوبرا المصرية عام 1990، وبعيدا عن الرقص أخرج وليد عونى عدة مسرحيات للكاتب البلجيكى الشهير فيليب بانييه هي: شواطئ ذهبية، توراكس، ساغريس وسوفوكليس ليلا.

 

كما قام بتصميم وإخراج عرضين لفرقة باليه أوبرا القاهرة، في عامي 1990،1991، وهما: إيقاع الأجيال، ليالي أبو الهول الثلاث، كما صمم وأخرج عرض زنقة الناموس لفرقة الباليه التونسى، وفي عام 1993 كُلف رسميا من قبل وزير الثقافة المصري فاروق حسني بتأسيس أول فرقة للرقص المسرحى الحديث في مصر والعالم العربى تتبع دار الأوبرا المصرية؛ حيث قدمت أول عروضها: تناقضات، ثم سقوط إيكاروس، حفريات تدعى أجاثا، والثلاثية المصرية الغيبوبة- نجيب محفوظ، المقابلة الأخيرة- تحية حليم، صحراء شادى عبد السلام، الأفيال تختبئ لتموت، في البداية كان الرقص، وبروفا في نفس العام، أغنية الحيتان، حارس الظل، شهرزاد كورساكوف، أسرار سمرقند، وسترة النجاة تحت المقعد، محمود مختار ورياح الخماسين، كلارا والرمال المتحركة، وبين الغسق والفجر.

 

عن رؤيته للرقص الحديث وعرضه "زها حديد" الذي يقدم في حفل ختام المهرجان التجريبي والمعاصر، كان لنا معه هذا الحوار..

 

حوار | إنجي عبد المنعم

 

 •      ما الذي يطرحه   عرض "زها حديد" لمن لم يشاهده من الجمهور من قبل؟

 

لا يرتكز العرض  على تناول الحياة الشخصية للفنانة  والمهندسة المعمارية  العراقية الأصل البريطانية الجنسية "زها حديد" بينما أقدم العرض بصورة متباينة عن فلسفة زها حديد بعملها الهندسي، لقد كان لديها خيال في تصميماتها الخالدة، لدرجة جعلتها ترفض كل التصميمات المجهزة بشكل سابق، وكانت ترى في رؤيتها الخاصة أن التصميم  يتشكل من خلال خطين متوازيين لا يلتقيان، ليس له بداية وليس لها نهاية بينما هو  فضاء شاسع الاتساع، يتماس مع أيديولوجية هذا العالم  الكبير بالصوفية، مثلما كان يفكر الصوفي جلال الدين الرومي، وهكذا وضعت زها التصميم الذي يتمثل بالمادة بمكانة الصوفية التي تمثل الزهد.

 

•      كيف ترى منزلة وقدر عرضك بأن يقدم في ختام فعالية مسرحية هامة كمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر؟

 

هذه أول مرة في حياتي أقدم عرضا بحفل ختام أحد  المهرجانات الفنية؛ فدائما  كنت أقوم بإخراج حفلات افتتاح المهرجانات، وهذه المشاركة ما كانت تحرمني بالمشاركة التسابقية ومن ثم الحصول على أي جوائز في هذه  المهرجانات التي أشارك بها كمقدم عروض الافتتاح فقط، لكني أعتبر دائما أن إقبال وتسابق الجمهور على حضور عروضي، وإشادته بها هو الجائزة الحقيقة التي أسعى لها وبذلك أحققها.

 

 •     بعد عودة دورات المهرجان التجريبي أصبحت المشاركة غير تسابقية فأيهما أفضل من وجهة نظرك  هذه الفلسفة أم عودة المشاركة التسابقية بالمهرجان وغيره من المهرجانات الفنية ؟

 

إن هذين النمطين من تقديم المهرجانات لهما من يؤيده بكل اتجاه ومن يعارضه، ولكن في الحقيقة أعجبني بل وأفضل الدورات الأخيرة من المهرجان التجريبي، والتي ألغي خلالها التسابق، لأني أرى أن الحدث المسرحي له شرف التواجد وإقبال الجمهور عليه له أهميته الكبيرة، وأشعر أننا في الحالة المسرحية لسنا في حاجة لمثل هذه الأشكال التسابقية التي نراها تتكرر بالبرامج التليفزيونية مثل "ذافويس"، "واراب جوت تالنت"، وماشابه ذلك الكثير، وهي برامج تكون مسوغًا للتنافس بين المتسابقين وتسعى لذلك فقط، مما يولد الصراع في التليفزيون بهذه البرامج التي لا تتقدم بالثقافة والفن،وهو الأمر الذي يحدث بشكل عكسي في الفعاليات والمهرجانات المسرحية التي نأمل دائما أن يكون الهدف الرئيس فيها هو تناقل الخبرات، والاحتكاك بالثقافات الأخرى، كما يحدث في المهرجانات الأوروبية كلها في الوقت الحالي والآونة الأخيرة التي ألغت التسابق، لأن اختيار الأفضل بين المواهب الشابة أمر ممكن، أما في المسرح فليس هناك  من هو أفضل وأسوأ، فالأمر مختلف ويكفينا أن يكون جمهورنا  هو الحكم، غير أن وجود تسابق للمسرح يجعلنا نتساءل لماذا نحكم على أفضل  عرض بشكل إجباري.

 

 •     ما الذي دفعك إلى تقديم عمل فني بمجال المسرح   لهذه الشخصية الفنية ؟

 

أنا دائما أعي وأدرك بإيمان كبير بأن لكل شيء ميقاته، ودائما أظل أحضر لعدد من المشاريع الفنية والأفكار في رأسي إلى أن يحين وقت تنفيذها، وكنت أود أن أقدم العرض في حياة زاها حديد، إلا أن القدر لم يمهلها  لتشاهده، وقد تابعت رحلتها الفنية في بلجيكا منذ الثمانينات، وكنت حينذاك قد بدأت العمل على عدد من المشاريع مثل فرويد، وشادي عبدالسلام، وجبران خليل جبران، وغيرهم، وعندما التقيت بها  قبيل 2011 في مصر، أعلنت لها بأني أريد أن أقدم عرضًا عنها ومستوحى من فنها، وقد دهشت من هذه الفكرة، وتناقشنا كثيرًا عن علاقة الهندسة بالفن والرقص الحديث، وأكدت لها أن هناك علاقة وثيقة ووطيدة بين الجسد الإنساني والإيقاع باعتباره نوعا من الهندسة، غير رحلت عن عالمنا بعد هذا اللقاء بأعوام قليلة.

 

 •     هل هناك عمل جديد انت بصدد تقديمه في المستقبل وتستعد له في الفترة الحالية؟

 

نعم أستعد لتقديم عرض جديد سوف يرتكز على  مفهوم "الضوء"، وسوف يتم تقديمه في نهاية شهر يناير المقبل بعام 2020، وبأعمالي السابقة الفنية  قدمت الكثير من الشخصيات الفنية والمشهورة في مجلات الثقافة والأدب والفن، وهناك الكثير من العروض التي قدمتها في إطار تناول مختلف ومتباين عن هذه الشخصيات، منها من تأليفي "تحت الأرض"، "لو تكلمت الغيوم"،  "الفراشة العذراء"، وكان آخر عرض قدمته هو "سقوط إيكاروس"، الذي قدمته لأول  مرة منذ ربع قرن مضى، والآن أقدم "زها حديد" بصورة لا ترتكز على حياتها الشخصية أو فقط رحلتها الفنية، وبعد مسيرتي الطويلة هذه لتقديم الكثير من العروض  أعتقد أن الإنسان يجب أن يقدم عروضًا جديدة للمستقبل من الجمهور متنوعا ومختلفا عن النهج الذي جاهدت أن أقدم به عروضي في رحلتي الفنية، وأنا مؤمن جيدا بأن التراث الثقافي والفني الذي نشأنا عليه يعد رافدا جيدا لتقديم أعمالا كثيرة ومتعددة يوما بعد يوم  وعلينا الارتكاز عليه دائما.

 

 •     بهذا هل يمكننا القول أن المرحلة القادمة هي مرحلة تجريبية لطرح نهج مغاير وجديد في رحلة وليد عوني الفنية؟

 

بالضبط .. لأني تغذيت خلال الفترة الماضية على التراث إلى أن شعرت أنني تشبعت، ومن ثم أسعى إلى تقديم فن مختلف عن النهج الذي عملت به طوال مسيرتي ورحلتي الفنية، غير أن الأمر ليس مجرد  تجريب أو تجريد بينما هو محاولات جديدة  للعقل والوعي، هناك أناس يتقدمون، وأشخاص لا يتقدمون، وهناك من ينشأون ويتغذون على التراث الذي يلهمهم في أعمالهم  فيتقدمون ويبدعون من خلاله بأعمالهم الفنية، وهناك من  ينشأون على التراث بدون وعي فلا يتقدمون، وهذا الأمر يرجع إلى وعي الفنان والإنسان المبدع، فكل فنان له تجريبه الخاص وفلسفته الخاصة، وأنا في هذه المرحلة من رحلتي الفنية أشعر أن لدي الكثير الذي أتمنى وأريد تقديمه من تأليفي ومن عوالم أفكاري.

 

 •     هل تتبدل رؤيتك الخاصة للعروض التي قدمتها من قبل عند النظر إليها من جديد بعد سنوات من عرضها الأول؟

 

بالتأكيد فكلما شاهدت أحد عروضي التي قدمتها بالماضي مرة أخرى أشاهدها بنظرة تعجب ودهشة من طريقة تفكيري حينذاك، ولا أتذكر كيف قدمتها على هذه الصورة، كأن شخصا آخر غيري هو الذي قدمها، وأظن أن ذلك يعود إلى أنني دومًا أحرص على أن يقدم كل عمل بشكل مختلف ومتباين عما سبقه، وكل عرض من عروضي أحاول جاهدا أن أقدمه بشكل مختلف برؤية  وطريقة مختلفة، كما أني أحاول أن يكون لكل عرض اتجاهاته وأبعاده، ورؤيته وفلسفته بتجربة خاصة.

 

•    عملت مع مصمم الرقصات العالمي موريس بيجار في فترة من رحلتك الفنية فماذا تعلمت من أحد أساطير الرقص في القرن العشرين؟

 

إنه بالنسبة لي المعلم وأستاذي الأكبر، لقد تعلمت منه طريقة وسبل التفكير، وكيف تتسق مع فكرتك التي تأمل أن تقدمها بشكل خاص ومختلف لجمهورك، وأن تكون فنان صادقًا ومخلصا لما تقدمه، وإذا كنت مقتنعًا بفنك وهويته فعليك ألا تلتفت للناس وتكمل ما أنت عليه، وإلا فلن تتقدم خطوة للأمام، لأنك سوف تقدم نفس ما تقدمه الناس، وأنا على مشارف سن السبعين، ومازلت اكتشف نفسي من جديد وأبحث عن الجديد.

 

•      عدت مؤخرا لإدارة فرقة الرقص بالأوبرا بعد غياب حوالي 7 سنوات، ما هي خطتك القادمة لإدارة الفرقة؟

 

قدمت لدار الأوبرا المصرية رؤيتي وخطتي للفترة المقبلة، ومازال الأمر تحت الدراسة من قبل المسئولين بالأوبرا.

 

 •     ما رؤيتك الخاصة لعروض الرقص الحديث في مصر في الآونة الأخيرة ؟

 

مشكلة الرقص الحديث في مصر أنه يحتاج إلى إنتاج سخي بميزانية قوية، ولا حديث هنا عن المسرح الفقير، لأنه كلام في هذا الصدد لقد  عفا عليه الزمن، ولقد قطعنا عقدين من الزمن في القرن الحادي والعشرين، وتغيرت اللغة المسرحية، والكثير من المفردات وصرنا في عصر ما بعد الحداثة، ، وهكذا يجب علينا أن نواكب  هذا التطور  بهذا الزمن وأن نهتم بالرقص الحديث كما نهتم بفن الباليه، رغم أن الباليه فن غربي في نشأته وتطوره على عكس الرقص الحديث.

 

 •     ما هي رؤيتك تجاه تجارب الرقص الحديث في العالم ؟

 

في مجال فن الرقص الحديث تغير في العالم كله، وهذا موضوع يحتاج لوقت كبير بسبب سيطرة الكثير من الفلسفات المعقدة على العروض، وتغير المدارس الغربية كثيرا، ولذا نرى أن كل مصمم أصبحت له رؤيته الخاصة، وسوف نذهب إلى اتجاهات جديدة.

 

•      كيف وجدت استقبال عرض "زها حديد" عندما قدم  للجمهور الفرنسي بباريس ؟

 

كان استقبالا ممتعا للفرقة، وإعجابا كبيرا من الجمهور وأعتقد أن التصفيق الذي استمر أكثر من أربع دقائق، كان بسبب هوية العرض الشرقية، رغم أنني لم أستخدم أي مفردة شرقية وكلها مفردات غربية بالكامل ولا حتى في الموسيقى أو ملابس البنات، إلا أن العرض يحمل الكثير من المشاعر الرقيقة، ولأنهم ابتعدوا كثيرًا عن العاطفة والحنان والاتجاه الرومانسي بحياتهم فقد أدهشهم العرض.

 

 •     ماذا تتمنى للمسرح والرقص الحديث في مصر ؟

 

أتمنى أن نبتعد عن  الارتكاز في التقديم على المدارس الفنية التي نعرفها فقط، ونحاول أن نقدم لغة جديدة حديثة تناسب العصر، وقد فوجئت بعرض للفنان أحمد العطار بعنوان "ماما " قدم خلاله عرضًا حداثيًا تماما، ولكن قضية العرض كانت محلية الهوية مصرية تمامًا.