مواضيع للحوار

الفنان العربي الكبير عبد الرحمن عرنوس

الفنان العربي الكبير عبد الرحمن عرنوس

607 مشاهدة

الفنان العربي الكبير عبد الرحمن عرنوس

بقلم: حكيم حرب

لماذا يقوم مسرح الرحالة بتكريم الفنان العربي الكبير الراحل "عبد الرحمن عرنوس" ويطلق اسمه على الدورة الثانية لمهرجان الرحالة لمسرح الفضاءات المفتوحة الذي سيقام في الأردن في شهر يوليو القادم؟؟؟

هل لأن الدكتور "عرنوس" كان خلال تدريسه المسرح لنا منحازاً ومجاملاً ويهبنا علامات أو درجات مرتفعة دون غيرنا، أو لأنه كان يُسند إلينا أدوار بطولة في مسرحياته لا نستحقها؟؟

هل كان يُغدق علينا الابتسامات ويغمرنا بالمجاملات، وينهال علينا بالمدح والتصفيق كل يوم، لننهال عليه بالهدايا والولائم والدعوات؟؟

على العكس، وأنا هنا أتحدث عن نفسي فقط، كان " د. عرنوس " قاسياً في تعامله معي، وكان يضع لي أقل الدرجات أو العلامات، بينما كان يضع للطلبة غير الموهوبين درجات أعلى من درجاتي بكثير، وعندما كنت أستغرب كان يقول لي بلهجته المصرية الجميلة : "ما تبصش للعلامة يا حكيم، بُص إزاي تبقى انت علامة، أنا مش عايز أديك علامات عالية عشان ما تصيرش دكتور، عايزك تبقى فنان بس".

 كان عنيفاً جداً وجارحاً وموبخاً إلى الحد الذي كان يدفع بعض الطلبة إلى البكاء خلال التمرين المسرحي، وعندها كان يقول : "بكرة تكبروا وتعرفوا أنا بعمل كدا ليه، ووقتها حتقولوا يا بخت مين بكاني وبكى الناس عليّ ولا بخت مين ضحكني وضحك الناس عليّ".

وكبرنا وفهمنا وعرفنا أن تلك القسوة والخشونة في التعامل هي التي أنارت لنا الدروب الحالكة، ليس في المسرح فقط بل وفي الحياة بشكل عام، وهي التي سلحتنا بالصبر والإرادة والشجاعة وتحمل كافة أشكال الحياة بحلوها ومرها، وهي التي وهبتنا القدرة على العمل مسرحياً تحت أقسى الظروف وأكثرها شراسة، لذا نعتبر نحن من المحظوظين لأننا تتلمذنا على يد معلم كبير، كان يشتمنا ويقذفنا بكل ما يقع تحت يديه عندما كنا نخطئ، ومع ذلك كنا ولا زلنا نحبه ونحترمه، لأننا كنا ندرك في سريرة أنفسنا أنه كان يفعل ذلك لصالحنا حتى لو كرهه البعض وحقد عليه، كان يقول "أنا مش عايز حد يحبني ولا عايز حد يكرهني، أنا عايزكم بس ما تنسونيش"، وعلى الرغم من رحيله منذ ثلاثة عشر عاماً لا زال العراب المسرحي الكبير "عرنوس" يعيش في داخل كل منا، كل منا فيه شيء من شخصيته، حسب كيف فهمه وماذا تعلم منه، فقد كان خليط من الشخصيات الغريبة والعجيبة والمتناقضة أحياناً، كان : معلم، أب، قديس، صعلوك، متمرد، مجنون، عبقري، شرس، حنون، مُحب، عطوف، كريم، شهم وواسع الثقافة والمعرفة، ليس في المسرح فحسب، بل بكافة أشكال الفنون والفلسفة والأدب، كان: كاتباً، شاعراً، ممثلاً، مخرجاً، مغنياً، ملحناً ومنظّراً إلى أبعد الحدود، لم يتزوج ولم ينجب أبناء، وكان بيته وسط القاهرة ملجأً لمئات الطلبة والمسرحيين العرب من المحيط إلى الخليج.  فقد حبيبته في حادث أليم في مطلع شبابه، وفقد والدته وشقيقته واثنين من أبناء شقيقته في حادث أكثر إيلاماً، وفقد العشرات من أصدقائه وزملاء مهنته من: ممثلين، مخرجين، كُتاب، نُقاد وأساتذة جامعيين، في ليلة واحدة خلال حريق مسرح "بني سويف" في مصر، ومع ذلك بقي صلباً قوياً معطاءً يعج بالفرح والطاقة الإيجابية، مؤمناً بدور المسرح في جعل الحياة أكثر جمالاً وأقل فوضى وبؤساً وشقاءً، وكان يكرر دائماً : "لما الدنيا تديك بوكس إديلها شلوط وعيشها متصعلك في الطول والعرض، كن فارساً ولا تكن حصاناً، ومافيش وقت للدموع والعواطف للأن الست عواطف تجوزت زمان، ولما تتكالب عليك الهموم شد عليها السيفون".

نُكرم الفنان الأستاذ الدكتور " عبد الرحمن عرنوس" في حفل افتتاح مهرجان مسرح الرحالة يوم ١٠ تموز لأنه كان مدرسة لفهم الحياة والمسرح، فلترقد روحك بسلام أيها العراب المسرحي الكبير، أنا واثق أنك الآن تضحك وترقص رقصة "زوربا" في مكانٍ ما، كما كنت تفعل دائماً .